تعكس الاعتقالات التي طالت قاصرين في قضايا ذات صلة ب”الإرهاب” تصاعد التهديدات الصادرة عن الحركات “الجهادية”. والأخطر من ذلك استهدافها لفئات الشباب واليافعين لتنفيذ مخططاتها الإجرامية. وهو الوضع الذي يثير قلقا عالميا. ويتطلب بالتالي وقوفا دارسا لفهم الاسباب وإيجاد الحلول الناجعة لإيقاف هذا النزيف نحو مزيد من التطرف.
فقد عرفت السنوات الثلاث الأخيرة اتساعا في رقعة التهديدات الإرهابية، وانتقال هذا النشاط الإجرامي ليستهدف فئات الشباب والفتيان والأحداث. وهو ما يدق ناقوس الخطر. حيث كشفت “النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب (PNAT)” لصحيفة “لو موند”. أنه قد تم خلال الفترة الممتدة بين عامي 2023 و2025، توجيه تهم في قضايا تتعلق ب”الانتماء لعصابات إجرامية ذات طابع إرهابي” لعدد من القاصرين.
وأوضح ذات المصدر أنه فيما عرف عام 2022، إصدار حكم قضائي على طفلين. فقد قفز الرقم لاحقا إلى 15 قاصرا خلال عام 2023 و19 خلال عام 2024. فيما وصل إلى 12 حالة خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025.
وأحدث هاته الأحداث تتمثل في توقيف قاصرين بشبهة الضلوع في مخططات إرهابية ذات طابع جهادي. واللذان تم توقيفهما في الأول من شهر غشت الماضي. وفقا لما أوردته ذات المصدر. والأمر يتعلق بيافع يبلغ من العمر أكثر من 16 عاما، وقد تم وضعه رهن الاحتجاز المؤقت. والآخر، دون سن 16 عاما، وقد تم إيداعه مركزا تعليميا متخصصا.
وكان الموقوفان المقيمان بالعاصمة الفرنسية “باريس” يهمان بتنفيذ مخططات إرهابية، تشمل تنفيذ هجمات على مركبات ومواقع دينية وتاريخية في “عاصمة الأنوار”. ضمنها “برج إيفل”. وكالعادة في ملفات الإرهاب ذات الصلة بالقاصرين، فقد كانت الأهداف والنيات غير واضحة ومتناقضة، لكن التهديدات كانت تتضمن استهدافات متنوعة.
وتبرز هاته الحالة الغربية وتصاعد عدد المراهقين المتعاطفين مع الفكر الإرهابي “الجهادي” خاصة فكر “تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”” تغلغل فكر هذا التنظيم داخل هاته المجتمعات.
وكان “نيكولاس ليرنر”، المدير السابق للإدارة العامة للأمن الداخلي، قد أوضح، خلال لقاء مع جريدة “لو موند” الفرنسية، في شهر دجنبر من عام 2023. أن جاذبية التنظيم قد انخفضت ما بين عامي 2017-2018. مضيفا أن دعاية الجماعة الإرهابية عادت اليوم “لتستقطب جيلا جديدا من المراهقين. والذين يميلون، لأسباب متنوعة لهذا الفكر. ضمنها استكشاف الهوية وتوابع خطاب الشعور بالمظلومية وتجميل وتضخيم الرغبات العنيفة التي يمكن أن يغذيها البعض”.
معطيات أثارت قلقا في الاوساط الأمنية والسياسية والمجتمعية مع تواثر هاته الأبناء عن تحول الشباب والقاصرين لوقود جديد للتهديدات الإرهابية. في مؤشر صارخ على نجاح التنظيمات المتطرفة في استقطاب جيل لم يشهد ذروة عنف “داعش” المادي. لكنه يقع أسير دعايتها الرقمية المعولمة. وهو ما تؤكده الأرقام المسجلة حيث انتقل الرقم من طفلين فقط عام 2022 ليصل إلى 15 طفلا عام 2023 ف19 عام 2024 و12 خلال الأشهر الثمانية من عام 2025 فقط.
معطيات لا يمكن النظر إليها من زاوية الكم فحسب بل من زاوية رؤية تؤكد حصول تغيير استراتيجي في خط عمل هاته الجماعات الإرهابية. وذلك من خلال استهدافها لفئة عمرية أكثر قابلية للتأثير والتأثر والتجنيد.
الاستقطاب الإرهابي والثورة الرقمية
تجنيد المتطرفين القاصرين لم يعد في الوقت الراهن عملا ميدانيا فقط، كان في السابق. بل تحول لعملية رقمية بالدرجة الأولى. وذلك عبر دعاية مموهة. حيث تستغل الجماعات الإرهابية منصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية وغرف الدردشة المشفرة لتقديم محتواها. وتقديمه للشباب بشكل جذاب ومبسط.إضافة لاستغلال هاته التنظيمات الإرهابية الثغرات النفسية من خلال حملاتها الدعائية التي تستهدف مراهقين يمرون بأزمات هوية. أو يشعرون بالاغتراب الاجتماعي. أو يبحثون عن مغامرة ومعنى لحياتهم. وذلك عبر خطاب يتوزع بين “المظلومية” و”البطولة” المزيفة. مع انتهاج سياسة “تجميل العنف”. إذ يتم تقديم العمل الإرهابي على أنه فعل بطولي مشرف. مع حذف مشاهد العنف الدموية المباشرة التي قد تنفر المبتدئين. والتركيز بدلا عن ذلك على “الانتماء” و”الدفاع عن المظلومين”.
واتصالا بتنامي هاته الظاهرة الخطيرة يؤكد الخبراء أن هذه الموجة الجديدة من التطرف بين الشباب لا تعكس بالضرورة عودة تنظيم “داعش” تنظيميا. بل تعكس نجاح آلية التنظيم الدعائية الرقمية. وهو ما قوى حضورها خلال السنوات الاخيرة بعدما كانت قد انخفضت بين عامي 2017-2018.
وفي هذا السياق، سبق ل”نيكولاس ليرنر”، المدير السابق للإدارة العامة للأمن الداخلي (DGSI). أن قال في مقابلة مع صحيفة “لوموند” خلال شهر دجنبر من عام 2023: إن “الخطر لم يعد يأتي من المعسكرات في سوريا، بل من غرف النوم. إنه يتشكل في عزلة الشاشات الصغيرة، حيث يتم غسل دماغ المراهقين الوحيدين والمضطربين بواسطة آلات دعائية فعالة بشكل مخيف”.
ظاهرة تشكل تحديا أمنيا ومجتمعيا معقدا. علما أن المواجهة الأمنية لوحدها غير كافية ولا فعالة في الحد من تجنيد القاصرين من قبل التطرف والإرهاب. بل من اللازم إيجاد طرق أكثر فعالية ونجاعة. ضمنها تعزيز المراقبة الأمنية الاستباقية للفضاءات الرقمية حيث يحدث التجنيد. مع وضع برامج للتوعية والتثقيف داخل المدارس والأسر للتعرف على علامات التطرف المبكرة. إضافة لإلزامية الاستثمار بشكل أكبر في مجالات علم النفس والرعاية الاجتماعية لتقديم الدعم للشباب الضائع والحد من احساسهم بالاغتراب. فضلا عن تطوير الإطار القانوني والتأهيلي بشكل يراعي خصوصية سن القاصرين. والذي يجمع بين التدابير القضائية الرادعة والبرامج التربوية وإعادة الإدماج الفعالة.