هل ستفجر التحركات الإسبانية في “مضيق جبل طارق” أجواء العلاقات مع المغرب؟

محمد حميمداني

محمد حميمداني

 

نقلت البحرية الإسبانية زورق المراقبة “إيسلا دي ليون” إلى المياه الاستراتيجية ل”مضيق جبل طارق” و”البحر الأبيض المتوسط”. في خطوة اعتبرها متتبعون رسائل سياسية تعكس التوثرات المستجدة ذات الصلة بالجزر المتنازع عليها مع “المغرب”. فأي أفق للعلاقات المغربية الإسبانية؟ وهل سيساهم هذا التصعيد في توثير اجواء هاته العلاقات المتميزة؟ أم انها مجرد إجراء روتيني وسحابة عابرة لا تؤثر على أجواء العلاقات بين “الرباط” و”مدريد”؟

تأتي هاته التحركات العسكرية، التي أعلنت عنها مدريد رسميا. لتعزيز المراقبة ورصد الأنشطة غير القانونية. وذلك في ظل تصاعد الجدل حول السيادة على المناطق الحدودية والجزر الجعفرية.

وهكذا ووفقا لمراقبين، فإن التحركات الإسبانية تعكس مخاوف “مدريد” من استغلال أصوات داخل المغرب لفتح نقاش جديد حول وضعية مدن “سبتة”، “مليلية” والجزر المحيطة بها. خاصة بعد حادثة تمكن ”بن نسنس” المغربي من الوصول سباحة إلى إحدى “الجزر الجعفرية”. الأمر الذي أحرج الأمن الإسباني ودفع لفتح تحقيق داخلي ذا صلة بالثغرات الموجودة في نظام المراقبة الإسباني.

ووفق مصادر إسبانية فإن زورق “إيسلا دي ليون، Isla de León”، المنتمي لفئة “تورايا”، البالغ طوله 31 مترا. والذي كان، في السابق. جزءا من أسطول حرس السواحل في “غاليثيا”. قبل تم إدماجه رسميا ضمن اسطول البحرية الإسبانية عام 2022. وذلك للقيام بمهام ذات صلة بالأمن البحري، دعم مكافحة التهريب ومراقبة مياه سبتة والجزر المواجهة.

وبعيدا عن طابع العمليات التقنية، ووفق مراقبين. فإن توقيت هذه التحركات يضعها في إطار أوسع من التوتر السياسي القائم. في ظل تسجيل حوادث عكست ضعف سيطرة “مدريد” على ممرات بحرية حساسة. ضمنها محاولة الشاب المغربي العبور للجزر الجعفرية سباحة وتوثيق مشاهد عملية الوصول عن طريق الفيديو. وهو ما فجر انتقادات طالت المؤسسة العسكرية الإسبانية وأسئلة حول “الثغرات” الموجودة في أنظمة المراقبة البحرية.

وتعتبر هاته الإجراءات جزءا من استراتيجية أسمتها هيئة أركان الدفاع الإسبانية “سياسة الحضور الدائم والردع”. وذلك لتأكيد السيادة الإسبانية على هاته المناطق. وبالتالي التصدي لأي محاولات قد تضعف حضور “مدريد” في المنطقة التي تعتبرها جد استراتيجية. مع تصاعد الجدل حول ملف السيادة على المناطق المتنازع عليها.

ويرى مراقبون أن هاته العمليات، وعلى الرغم من طابعها الأمني. إلا أنها تحمل في العمق رسائل للمغرب والداخل الإسباني. كما انها تعكس مخاوف “مدريد” من حصول تصعيد جديد قد يشعل الاجواء بما يحمل مشهدا جيوسياسيا أكثر تعقيدا في منطقة “غرب المتوسط”، التي تعد من أكثر الممرات المائية استراتيجية في العالم.

وفي هذا السياق يرى خبير اشتراتيجي في الشؤون العسكرية أن “الحضور العسكري في المناطق المتنازع عليها هو لغة السياسة الدولية”. فيما يرى “مركز الدراسات الدولية” أن “مضيق جبل طارق يمثل عقدة جيوسياسية في العلاقات المغربية-الإسبانية”.

ومن هاته البوابة يمكن اعتبار التحرك الإسباني جزءا من استراتيجية تحمل نوعا من “الردع الرمزي”. أي أن هاته التحركات العسكرية تحمل رسائل سياسية اكثر منها عسكرية. تهدف من خلالها “مدريد” إلى التأكيد على سيادتها وحضورها الدائم بهاته المناطق. دون إغفال السياق الإقليمي القائم وأثر الموقف من قضية الصحراء والتوازنات المغاربية القائمة.

العلاقات المغربية الإسبانية وسيف التقلبات فأي أجواء يحملها التوثر الحالي؟

شهدت العلاقات المغربية-الإسبانية تقلبات كبيرة بين التعاون والصراع. حيث تجمع البلدين علاقات جوار معقدة تعود إلى قرون من التاريخ المشترك. وقد عرفت الفترة الممتدة من عام 2004 وإلى غاية عام 2020 نوعا من الانفراج النسبي. 

انفراج تميز بتعاون أمني مكثف في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية والإرهاب. إضافة إلى إقامة شراكة اقتصادية مثينة، حيث أصبحت إسبانيا أول شريك تجاري للمغرب. فضلا عن الاتفاقيات التمويلية وعلاقات التعاون التي تجمع “مدريد” ب”الرباط” في مجال الصيد البحري.

إلا أن هذا الانفراج النسبي سرعان ما تلاشى مع تفجر توثرات خلال الفترة الممتدة ما بين أعوام 2020 و2025. والتي كانت من أبرز محطاتها “أزمة البيدرس” خلال شهر مايو 2021. واستقبال “إسبانيا” “زعيم جبهة البوليساريو” الانفصالية، “إبراهيم غالي” لتلقي العلاج. و”أزمة الهجرة” خلال نفس العام. مع تسجيل تدفق قياسي للمهاجرين نحو مدينة “سبتة” المحتلة. إلا أن هاته التوثرات سرعان ما انقشعت مع حصول تحول في الموقف الإسباني اتجاه الصحراء المغربية خلال شهر مارس 2022. وذلك بعد قرار “مدريد” دعم الخطة المغربية للحكم الذاتي بالاقاليم الجنوبية من المملكة المغربية. ليعود النقاش حول “الجزر الجعفرية” ليفجر الأجواء من جديد خلال الفترة الممتدة من عام  2023 وإلى غاية عام 2024. مع تصاعد النقاش حول السيادة.

الإطار القانوني والجغرافي للجزر المتنازع عليها

تجدر الإشارة إلى أن مساحة مدينة “سبتة” تبلغ 18.5 كم²، ومدينة “مليلية” 12.3 كم². حيث تعيش في المدينتين غالبية إسبانية مع تسجيل وجود سكاني مغربي كبير. 

وتعتبر “إسبانيا” المدينتين “مستقلتين” فيما يطالب المغرب باستعادتهما.

أما “الجزر الجعفرية Chafarinas” المكونة من ثلاث جزر وهي “كونغريسو”، “إيزابيل الثانية” و”ديل ري” فتقع على بعد أربع كيلومترات من السواحل المغربية. وقد سيطرت عليها “إسبانيا” منذ عام 1848. ويطالب “المغرب” باستعادتها.

وتقع “جزيرة باديس Peñón de Vélez de la Gomera” على بعد 200 متر من السواحل المغربية. وقد أصبحت شبه جزيرة بعد زلزال 1930. فيما شهدت “جزيرة ليلى بريخيل” أشهر المواجهات. حيث فجرت أزمة دبلوماسية وعسكرية بين الجانبين عام 2002.

وينظم العلاقات القائمة بين البلدين عدة اتفاقيات ومعاهدات. ضمنها معاهدة تطوان لعام 1860. ذات الصلة بترسيم الحدود بين البلدين. اتفاقية مدريد لعام 1912. المحددة للتقسيم الاستعماري. واتفاقية الصيد البحري لعام 2019. التي تنظم الصيد في المياه الإقليمية.

ويطالب المغرب بحقه في هاته الثغور المحتلة بموجب قرارات الأمم المتحدة حول تصفية الاستعمار. فيما تستند “إسبانيا” على مبدأ الحدود الموروثة فقط.

الوضع الاستراتيجي والعسكري وأثره على العلاقات  

يتسم الوضع الاستراتيجي والعسكري بين البلدين بأجواء التصعيد من قبل “إسبانيا” والرد المضاد من طرف “المغرب”.

وهكذا فقد عززت “مدريد” تواجدها العسكري. وذلك من خلال تعزيز أسطولها البحري في “مضيق جبل طارق”. مع تركيزها على زوارق المراقبة السريعة من فئة “تورايا”. إضافة لتحديث أنظمة الرادار والمراقبة الساحلية.

أما الرد المغربي فقد جاء سريعا، من خلال تعزيز البحرية الملكية بزوارق حديثة. إضافة لإقامة تعاون عسكري متزايد مع حلفاء جدد. فضلا عن تدشين قاعدة بحرية في الداخلة عام 2023.

وقد فجرت حادثة “السباح المغربي” لعام 2024 ووصول سباح مغربي إلى “الجزر الجعفرية” وتسجيل الوثيقة، أجواء الهدوء التي كانت قائمة بين البلدين. حيث كشفت هاته المحطتان عن وجود ثغرات كبيرة في النظام الأمني الإسباني. وهو ما أشعل تصعيدا في الخطاب الإعلامي من الجانبين.

وقد دفعت هاته الأجواء المتوثرة إلى جانب الضغط الداخلي الإسباني “مدريد” للقيام بتحركات عسكرية عام 2025. وذلك عبر نشر زورق “إيسلا دي ليون” في المياه الاستراتيجية كرسائل سياسية لتعزيز وجودها الرمزي.

وكانت وزارة الخارجية المغربية قد قالت، في وقت سابق: إن “الوحدة الترابية للمملكة غير قابلة للتجزئة”. فيما قال “المجلس الوطني لحقوق الإنسان” المغربي: إن “المناطق المحتلة جزء لا يتجزأ من التراب الوطني المغربي”.

في الجهة المقابلة قالت الخارجية الإسبانية: إن “سبتة ومليلية جزء لا يتجزأ من إسبانيا”. فيما قال خبير إسباني في الشؤون الدولية: “نحن ندافع عن الشرعية الدولية”.

اعتبارا لعمق العلاقات التي تربط الجانبين والمصالح المشتركة لكلا البلدين، خاصة من الجهة الإسبانية. فإن هاته التوثرات القائمة ستبقى متخكما فيها. عبر تبادل الرسائل السياسية مع الحفاظ على التعاون الاقتصادي. إلا أن خيار ذهاب الجانبين إلى تصعيد محدود. أي مواجهات دبلوماسية مع تحرك دولي لاحتواء الأزمة، تبقى واردة. فيما قد تعيد المفاجآت الاستراتيجية وحدوث تحركات غير متوقعة تعريف موازين القوى. وهو أمر يبقى مستبعدا. فإلى ما يؤشر التصعيد الإسباني الأخير؟ وهل ستشهد العلاقات القائمة المزيد من التوثرات؟ أم أن الحضور الاقتصادي ولغة المصالح ستسكت لغة التصعيد والمدافع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.