فضيحة الذكاء الاصطناعي تهز الوسط التعليمي والسياسي والحقوقي ب”بلجيكا”

العدالة اليوم

العدالة اليوم

 

قدم عدد من الطلبة ببلجيكا طعونا رسمية في شفافية امتحانات ولوج كليات الطب وطب الأسنان. مؤكدين أن هاته الامتحانات شابها غش. وهو ما أثار جدلا واسعا في الأوساط التربوية والسياسية والحقوقية.

وحملت الطعون المقدمة من قبل الطلبة شكوكا باستعمال بعض زملائهم الذكاء الاصطناعي للإجابة على أسئلة الامتحان.

وفي هذا السياق، اوضح موقع “لاليبر” البلجيكي أن معدل النجاح بلغ مستوى قياسيا هذا العام. حيث بلغ عدد المترشحين الناجحين 2600 طالب وطالبة، أي تحقيق عثبة 47%.

واقع فجر موجة من الشكوك حول مصداقية هاته النتائج المحصل عليها. وفتح بالتالي الأبواب أمام سيل من التكهنات ذات صلة باحتمال حدوث غش واسع النطاق باستخدام الذكاء الاصطناعي.

وارتباطا بهاته القنبلة أكدت لجنة الامتحانات أنها لن تفتح تحقيقا في الموضوع واصفة الأمر ب”المزاعم”. فيما أعلن محامي الطلبة، “كريستوف فانغيل”. أن خمسة من الطلاب على الأقل يعتزمون رفع دعوى قضاية عاجلة أمام المحكمة المدنية. للمطالبة بمباشرة تحقيق قضائي في الموضوع.

وأوضح إمكانية تعيين خبير مستقل لمباشرة التحقيق في الأجهزة المستخدمة، أو إلزام اللجنة بفتح تحقيق شامل. مضيفا أن هاته الخطوة ستكشف المترشحين الذين اعتمدوا الغش وسيلة للنجاح. وبالتالي استبعادهم من النتائج المعلنة. 

تجدر الإشارة إلى هاته الامتحانات جرت يومي 3 و4 يوليوز وعرفت مشاركة حوالي 5544 طالبا وطالبة. 

الذكاء الاصطناعي والذكاء الفطري في اختبار أمام سلطة القضاء البلجيكي

وهكذا فقد فجر امتحان القبول الذي يعرف محليا باسم “امتحان القبول ضمن مهن الطب وطب الأسنان”. الذي يعتبر اختبارا مركزيا وطنيا شديد التنافسية والصعوبة. حيث يجرى مرة واحدة سنويا ويحدد عدد المقاعد المتاحة في كليات الطب البلجيكية.

تجدر الإشارة أيضا أن المعدل الاعتيادي لولوج هاته المعاهد لم يكن يتجاوز 20 إلى 30%، خلال السنوات الفارطة. وهو ما أثار شكوكا حول هاته القفزة الفجائية التي وصلت لنسبة 47% هذا العام. وهي نسبة غير مسبوقة في تاريخ امتحانات الولوج. علما أن الامتحان يتم إجراؤه باستخدام جهاز حاسوب. وهو ما يسهل نظريا احتمالية استخدام برامج خارجية أو الاتصال بالإنترنت للحصول على إجابات.

الاحتجاجات لم يتم إطلاقها حول حصول غش عادي بل حول استعمال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في عملية الغش، أي نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية (Generative AI). ضمنها “غوغل جيميني Google Gemini“، أو “شات جيبيتي ChatGPT-4o”،  أو “كلود Claude”. وهي نماذج يمكنها في حالة تهيئتها بشكل صحيح فهم أسئلة الاختبار المعقدة وتوليد إجابات دقيقة وواضحة في ثوان.

وترفض لجنة الامتحانات بشكل مبدئي فتح تحقيق في هاته المزاعم. الأمر الذي فجر موجة من الغضب لدى الطلاب والمحامين المعنيين.

وفي هذا السياق، قال محامي الطلاب، “كريستوف فانغيل”: إنه ينوي رفع دعوى عاجلة أمام المحكمة المدنية. مضيفا أنه سيطالب بتعيين خبير مستقل للتحقيق في الأجهزة المستخدمة وأرشيفات النشاط الرقمي خلال الامتحان. مع إلزام اللجنة بفتح تحقيق كامل وشامل. وذلك في أفق استبعاد المترشحين والمترشحات الذين تثبت مخالفتهم للقواعد، وإعادة ترتيب قوائم الناجحين لصالح الطلاب النزيهين”.

كما تجدر الإشارة إلى أن “قانون العقوبات البلجيكي” يعتبر الغش في الامتحانات الرسمية جريمة يمكن أن تترتب عليها عقوبات جنائية. كما ان القوانين تفرض حصول النزاهة الأكاديمية. علما أن كل جامعة بلجيكية لها لوائحها الخاصة التي تمنع الغش وتنص على عقوبات تصل إلى الحرمان من التقدم للامتحانات لسنوات أو الطرد النهائي.

محامي الطلاب المتضررين، “كريستوف فانغيل” شن هجوما حادا على لجنة الامتحانات معتبرا أن “رفض اللجنة التحقيق هو قرار غير مسؤول”. مضيفا: “لدينا مؤشرات قوية على شذوذ إحصائي كبير. الواجب يحتم التحقيق لضمان المساواة بين جميع الطلاب وحماية مصداقية شهاداتنا الطبية في المستقبل”. فيما اعتبرت “د. صوفي فاندرستراتن”، خبيرة في أخلاقيات التعليم والتقنية. أن “هاته الحادثة هي جرس إنذار للعالم أجمع. التكنولوجيا التي تسبق التنظيم تشكل تهديدا وجوديا للنزاهة الأكاديمية”. مضيفة أنه “يجب على المؤسسات التعليمية تطوير آليات مراقبة ذكية وتحديث أنظمتها ذات الصلة بالامتحانات”. بينما ترى أطراف من اللجنة أن المخاوف مشروعة. مبرزة في الوقت نفسه أن إثبات استخدام الذكاء الاصطناعي في غرفة امتحان مغلقة أمر معقد تقنيا ويتطلب موارد غير متوفرة حاليا.

الذكاء الاصطناعي واختبار نزاهة الأنظمة التعليمية

فجرت هاته الواقعة جدلا كبيرا ونقاشا واسعا ليس على الصعيد الأكاديمي بل السياسي والمجتمعي. وبطبيعة الحال ليست هاته هي المرة الأولى التي تنفجر فيها هاته القنابل ولكنها قد تكون الأكثر وضوحا. وهو ما يضع العالم التعليمي أمام تحديات مصيرية.

وقائع تستوجب تطوير آليات كشف متطورة. وذلك من خلال الاستثمار في برامج قادرة على تحليل أنماط الإجابة لاكتشاف ما إذا كانت مكتوبة بواسطة ذكاء اصطناعي أو ذكاء فطري. إضافة لإعادة تصميم الامتحانات، أي الانتقال من أسئلة الحقائق إلى أسئلة التحليل النقدي والتقييم الشخصي. فضلا عن تعديل الأطر القانونية من خلال سن قوانين صريحة تجرم استخدام الذكاء الاصطناعي في الغش وتحدد العقوبات الواضحة.

فما تفجر في “بلجيكا” ليس عملية غش عادية وعابرة. بل عرض لمرض أكبر يصيب التعليم في العصر الرقمي. بالتالي فإن طريقة تعامل السلطات البلجيكية مع هذا الملف ستشكل سابقة عالمية. فما حصل وضع إطارا لمعركة قوية بين التكنولوجيا المتقدمة والحفاظ على القيم الأساسية للنزاهة والمساواة. ونتيجة هاته المعركة ستحدد مصير الثقة في المؤهلات العلمية لأجيال قادمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.