يعيش أعوان السلطة في المغرب في ظل مشاكل جمة. حيث لا يزال الارتباك علامة مميزة لعملهم في ظل الفراغ القانوني المرتبط بطبيعة مهامهم ووضعياتهم.
فقد توصل بحث ميداني أنجزه فريق جريدة “العدالة اليوم” أن هاته الشريحة الاجتماعية تظل الحلقة الأضعف داخل اسلاك وزارة الداخلية. إذ لا تزال تتلقى الأوامر شفهيا أو عبر الهاتف أو وسائل التواصل الفوري. مع إلزامها بتنفيذ تلك الأوامر غير القانونية من الناحية المسطرية. لتتحمل في حالة تطور مجرياتها الآثار السلبية لهاته القرارات المملاة بطريقة غير قانونية. على الرغم من كونها ليست طرفا فيها.
فتنفيذ تعليمات ذات صلة بعمليات هدم المباني بدون أحكام قضائية، ودون مساطر قانونية في بعض الأحيان. يجعل أعوان السلطة بين مطرقة عصيان الأمر غير القانوني وسندان التعرض للمتابعات القضائية أو العزل من المهام. وهو ما يجعل عملهم شبيها بالشخص الذي يتحرك وسط حقل من الألغام.
كما أن حظورهم خلال الاحتجاجات المنظمة بالشوارع يتم دون حمل شارات الوظيفة كما هو حال ضباط وعمداء الشرطة وممثلي القوة العمومية والسلطة التنفيذية. الأمر الذي يضفي نوعا من الضبابية على هذا الحظور مع تبعاتها غير المنتظرة في بعض الأحيان.
وبطبيعة الحال يكون هؤلاء الأعوان في آخر المطاف الشماعة التي تلصق عليها الاختلالات والدوس على روح القانون. فأي واقعة تحدث أو اختلالات تسجل يتم إلصاقها بأعوان السلطة. وهو ما يعرضهم في بعض الأحيان للتوقيف أو الاعتقال والمساءلة والمتابعة القضائية.
فعلى الرغم من تحسين أوضاعهم الإدارية والمالية الا أن أعوان السلطة بالمغرب يحملون، نتيجة هاته الأساليب من التذبير. أوزار كافة الأخطاء المهنية. على الرغم من كونهم أداة لتنفيذ الاوامر وليسو طرفا مصدرا لها. وأن معارضة التنفيذ تعرضهم للطرد أو تحرير تقارير مخالفات أو رفض أداء مهمات. دون اللجوء للوائح الإدارية القانونية أو النظام الأساسي الخاص بموظفي الدولة.
تجدر الإشارة إلى أنه قد سبق لأحد قياد إحدى الملحقات الإدارية أن وصف المقدمين والشيوخ بأنهم أسماء مكتوبة ب”الطباشير”. وهو ما يحمل إهانة في حق هاته الفئة ويعكس أيضا واقع حظورهم القانوني الملغى على الرغم من حضورهم المهني والأمني القوي كما حصل في جائحة “كورونا” وأحداث مجتمعية كبرى. علما أن أعوان السلطة، في الوقت الراهن. أضحوا من حملة الشواهد العليا.
واقع يفرض على وزارة الداخلية إصدار قانون أساسي يحمي هاته الفئة الاجتماعية الهامة في جسم الدولة وينظم حضورها بشكل واضح وعادل تجويدا لمهامها وايضا حماية لها من الأخطاء المرتكبة من قبل الأغيار والمقذوف بها في وجه اعوان السلطة. علما ان الدور الذي يقوم به هؤلاء بالغ الأهمية. وذلك لاارتباطهم بكل مصالح الدولة والأجهزة الإدارية والأمنية. إضافة لتواصلهم المباشر مع المواطنين.
كما تجدر الإشارة إلى أن أعوان السلطة (المقدمون، الشيوخ) تابعون نظريا لوزارة الداخلية. بل ويشكلون الذراع التنفيذي القوي للإدارة الترابية، (العمالات، الأقاليم والجماعات). يعود تاريخ هذه الهيئة إلى عهد الحماية الفرنسية. حيث تم إنشاؤها للمساعدة في إدارة المناطق القروية والقبلية. بعد الاستقلال، استمرت هذه الهيئة لكنها تطورت بشكل عشوائي دون تأطير قانوني حديث يتناسب مع تطور الدولة والمجتمع.
ويخضع تعيينهم وإدارتهم حاليا لـ منطوق الظهير الشريف المؤرخ في 1 يوليو 1960، المتعلق بالنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية. إلى جانب نصوص تنظيمية متفرقة قديمة. لكن طبيعة مهامهم الأمنية والإدارية الحساسة تستدعي نظاما أساسيا خاصا، يواكب المتغيرات ويحمي حقوقهم وواجباتهم.
واقع كشف عنه بحثنا الميداني من كون عمل هؤلاء يتم في ظل معاناة يومية تتوزع ما بين الأوامر الشفوية غير القانونية. الملزمة لهؤلاء بتنفيذ أوامر شفوية صادرة عن رؤسائهم. والتي تكون في الغالب متعارضة مع القانون. ضمنها هدم المنازل والعقارات دون وجود حكم قضائي أو إذن مسبق. في مخالفة ل”قانون التعمير” و”مدونة الحقوق العينية”. إضافة للمساهمة في ضمان الأمن خلال المظاهرات والوقفات الاحتجاجية دون التوفر على الصلاحيات القانونية التي يمنحها “قانون المسطرة الجنائية” و”قانون التجمعات العمومية” لضباط الشرطة القضائية. وبدون حمل الشارات المميزة التي تمنح الشرعية لعملهم.
والأخطر من ذلك كله هو الافتقار إلى الحماية القانونية في حال حدوث أي اختلال. حيث يتم إلقاء المسؤولية كاملة على العون المنفذ. وهو ما يعرضه للاعتقال أو المتابعة القضائية، فيما ينجو مصدر الأمر من المساءلة في كثير من الأحيان. إضافة للتهديد بالعقوبات الإدارية في حالة أي رفض لتنفيذ الأوامر غير القانونية. وهو ما يعرضهم لتقارير سلبية أو التوقيف أو الطرد من الخدمة، دون وجود لوائح إدارية تحمي حقهم في الاعتراض أو الاستفسار. وهو ما يجعلهم تحت أوزار ضغوط نفسية وأخلاقية، حيث يعيشون في صراع دائم بين واجب الطاعة المهنية وواجب الامتثال للقانون. كما أن تنفيذ أعمال غير قانونية يؤدي لاهتزاز ثقة المجتمع في هاته الفئة. دون أن نهمل النظر إلى كون الخوف من المساءلة يحد من مبادرات هؤلاء الأعوان في العمل الاجتماعي والتنموي الذي يعتبر من صميم مهامهم.
واقع وصفته “ذ.فاطمة الزهراء المستاري”، محامية وباحثة في الحكامة الأمنية بالقول: إن “الفراغ القانوني الذي يعمل فيه أعوان السلطة هو بيئة خصبة للتعسف والفساد الإداري. الإصلاح يبدأ بإصدار نظام أساسي عادل وشامل”. فأعوان السلطة هم “عين الإدارة وأذنها في القلب المجهول من المغرب”. بالتالي فإهمالهم هو إهمال للسياسة القروية برمتها.
فالواقع الآني بتطوراته والدور الهام لأعوان السلطة يفرض على المؤسسات المغربية إيجاد حلول لواقع “الهشاشة القانونية” الخانقة التي يعيش تحت وطأتها هؤلاء. والإسراع بإصدار نظام أساسي خاص يضع حدا لهذا الغموض ويؤطر مهامهم بشكل واضح. بما يمكنهم من الحماية القانونية الكافية وهو ما سينعكس إيجابا على جودة الخدمات العمومية وسيرورة الإدارة الترابية ككل.