الرباط/المغرب ـ أقر “مجلس المنافسة” المغربي ابتداء من عام 2024 حوالي 174 قرارا ورأيا. وذلك وفقا للقواعد القانونية المؤسسة لعمل المجلس والمحددة ضمن سياق القانون “رقم 104.12″ و”20.13”. عارضا عبره أنشطته في ضبط حركة الأسواق ومكافحة الاحتكار مع تعزيز حرية الأسعار.
وفي هذا السياق، فقد كشف المجلس عن أكثر من 93% من الاختلالات في إطار مكافحة التركيزات. وذلك دفاعا عن المنافسة وتحقيقا للشفافية بما يشجع على الاستثمار. ويفتح بالتالي السوق المغربية نحو نوع من الطمأنينة بغاية جذب المزيد من الاستثمارات بما يحق النمو الاقتصادي.
وفي هذا السياق أصدر المجلس قرارا ألزم من خلاله “CMI” والبنوك المالكة له بتقديم تعهدات للحد من “رسوم المقايضة (interchange)”. وبالتالي فتح المجال أمام بدائل الدفع الإلكتروني. وهو ما يشكل تحولا ملحوظا في سوق الدفع الإلكتروني. منهيا هيمنة “CMI” على المجال منذ 2004. على الرغم من فتح السوق جزئيا عام 2015.
كما باشر المجلس 12 تحقيقا ميدانيا، من تلقاء نفسه، إضافة ل3 إحالات ذاتية. فضلا عن إجراء أول زيارة وحجز ميداني مفاجئ بتاريخ 22 أكتوبر 2024 بالتنسيق مع النيابة العامة. وقد شملت هاته العملية أكثر من 200 جلسة استماع وأكثر من 400 طلب معلومات من فاعلين اقتصاديين وهيئات عمومية.
وبهاته الخطوات فرض المجلس نفسه كحارس فعال لأسواق تنافسية ونزيهة. بإصداره 174 قرارا ورأيا خلال عام واحد. متجاوزا الحضور الروتيني لتحقيق تحول جوهري من خلال قراره التاريخي القاضي بإنهاء الاحتكار الطويل لـ”المركز المنوقي بين البنوك (CMI)”. وهو ما يفتح أفقا جديدا لسوق الدفع الإلكتروني في المغرب. وهو ما سيعزز بالتالي شفافية الأسواق ويمنح حماية اكثر للمستهلك.
وقد توزعت إجمالي القرارات الصادرة عن المجلس ما بين التركيزات الاقتصادية، (المراقبة الاحترازية). والتي شملت 93% من إجمالي القرارات. وهو ما يؤكد دور المجلس المركزي في مراجعة واستئناس العمليات الاندماجية والاستحواذية للحفاظ على تنافسية السوق. إضافة للتصدي للممارسات المنافية للمنافسة من خلال معالجة شكاوى وملفات تتعلق بإساءة مركز مهيمن أو اتفاقيات مضادة للمنافسة.
ولم يقف المجلس عند حدود هاته المواقف بل باشر تحقيقات ميدانية. تمثلت في فتح 12 تحقيقا مباشرا بمبادرة من المجلس و3 إحالات ذاتية. كما قام بأول زيارة وحجز ميداني مفاجئ في تاريخه بتاريخ 22 أكتوبر 2024. وهي العملية التي تمت بالتنسيق مع النيابة العامة. حيث شمل النشاط أيضا إطلاق أكثر من 200 جلسة استماع. إضافة لأكثر من 400 طلب معلومات موجه لفاعلين اقتصاديين وهيئات عمومية.
تجدر الإشارة إلى أن “مجلس المنافسة” المغربي يشتغل ضمن إطار قانوني يمنحه صلاحيات واسعة للوصول لأهدافه. ضمنها “القانون 104.12″ المتصل بحرية الأسعار والمنافسة وتنظيم قواعد المنافسة وحظر الممارسات المنافية لها. فيما يحدد “القانون 20.13” قواعد المراقبة الاحترازية للتركيز الاقتصادي. إذ يلزم المشغلين بإخطار المجلس بالعمليات التي تتجاوز حدودا معينة. من جهة حجم المبيعات أو حصة السوق للحصول على موافقته المسبقة.
أهمية تفكيك احتكار “CMI” وتحرير سوق الدفع الإلكتروني
من أبرز القرارات التي أصدرها “مجلس المنافسة”، كان عام 2024. خلال بثه في الشكوى النزاعية المقدمة من “شركة NAPS SA” ضد “المركز المنوقي بين البنوك (CMI)” والممارسات التي اعتمدها.
وكان “CMI”، وهو مشغل لشبكة الدفع الإلكتروني الرئيسية، (تحويل البطاقات) في المغرب. المملوك لاتحاد البنوك قد سيطر منذ إنشائه عام 2004 على السوق بشكل شبه كامل. وهو ما حد من ظهور بدائل ومنافسة حقيقية. على الرغم من فتح السوق نظريا عام 2015. لتستمر هاته الهيمنة عبر آليات تقنية و”رسوم مقايضة – Interchange Fees” وهو ما أعاق دخول فاعلين جدد للسوق.
قرار تاريخي من مجلس المنافسة المغربي
وقوفا على هاته الأوضاع والشكايات المقدمة خلص “مجلس المنافسة” إلى أن ممارسات “CMI” والبنوك المالكة له تقيد المنافسة. ملزما إياهم بتقديم التزامات لمعالجة هاته التجاوزات. والتي تتضمن الحد من “رسوم المقايضة” التي تفرض على التجار. وهو ما يخفض تكلفة قبول الدفع الإلكتروني. إضافة لضمان الشفافية في حساب هذه الرسوم. فضلا عن فتح المجال التقني والترويج لبدائل الدفع الإلكتروني الأخرى. مما يمهد الطريق لمنافسة حقيقية.
متابعون اقتصاديون وصفوا الخطوة ب”التحول التاريخي”، معتبرينها وسيلة لضمان الانتقال من سوق احتكارية مغلقة إلى سوق منفتحة وتنافسية. مع خفض تكاليف المعاملات بالنسبة للتجار. وهو ما قد ينعكس إيجابا على الأسعار النهائية للمستهلك. إضافة لتشجيع الابتكار في خدمات الدفع الإلكتروني وجذب استثمارات جديدة في القطاع.
موقف المجلس بين تقديم الحل وحضور غول الإعاقة
على الرغم من أهمية الخطوة التي أطلقها “مجلس المنافسة” المغربي في ملف “CMI”. والتي تؤسس لسياسة تنافسية مغطاة بالشفافية في مواجهة الاحتكارات التاريخية. فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل سيتمكن من إتمام هاته الخطوة التاريخية بما يقطع ذبر الاحتكار التاريخي؟. أم أنها مجرد رسالة أولية مفادها أن المنافسة الحرة هي القاعدة وبالتالي يجب احترامها. ليبقى التوجه الاستباقي ضروري لمكافحة الممارسات السرية المضادة للمنافسة والتي يصعب إثباتها بطرق تقليدية.
وأهمية الخطوة تأتي أيضا من كون “مجلس المنافسة” لم يعد يقف عند حدود ممارسة دور “المراقب”. بل قرر بجرأة الانتقال لممارسة دور “المهندس” الفعلي للسوق. وذلك من خلال التصدي بقوة وبشكل استباقي لكل أشكال “التركيزات”. وبالتالي مباشرة تحقيقات ميدانية جريئة. فضلا عن البت الحاسم في ملفات احتكارية تاريخية بما يمكن من وضع أسس متينة لاقتصاد مغربي أكثر تنافسية مسوم بالشفافية. وهو ما يخدم في النهاية المستهلك ويحمي المقاولات الصغرى والمتوسطة على حد سواء.