غربة في قلب الوطن.. عندما تصبح المواطنة عبئا نفسيا واجتماعيا

صلاح الطاهري / صحفي من اليمن

صلاح الطاهري / صحفي من اليمن

 

لم تعد الغربة في العالم العربي مرتبطة بالهجرة أو عبور الحدود، بل تحولت، في كثير من البلدان، إلى حالة داخليه يعيشها المواطن وهو في قلب وطنه.

غربة لا تصنعها المسافات، بل تصنعها الفجوة المتزايدة بين الإنسان والدولة. وذلك حين يصبح الوطن حاضراً في الجغرافيا، غائباً في الشعور والمعنى.

يعيش المواطن العربي، اليوم، مفارقة قاسية. فهو لم يغادر بلده، لكنه يشعر أن الدولة، بمعناها الحامي والمنظّم والعادل، قد غادرته.

تتراجع الثقة بالمؤسسات، ويتآكل الإحساس بالأمان، في ظل واقع تدار فيه شؤون الحياة العامة بمعايير غير واضحة. وتغيب فيه العدالة المتكافئة، ويضعف فيه مبدأ المحاسبة.

هذه الغربة لا يمكن اختزالها في الأزمات الاقتصادية أو تداعيات الصراعات السياسية وحدها. بل تتجاوز ذلك إلى ما هو أعمق… أزمة المواطنة ذاتها.

فعندما لا يشعر الفرد بأن حقوقه مصونة، ولا أن كرامته محفوظة، ولا أن صوته مسموع في المجال العام. تتحول المواطنة لديه من رابطة قانونية جامعة إلى عبئ نفسي واجتماعي.

تتجلى هذه الغربة في تفاصيل الحياة اليومية. في الخوف غير المعلن من التعبير، في الصمت الذي يفرضه القلق. وأيضا في الإحساس بأن الفضاء العام لم يعد مساحة مشتركة للحوار والمشاركة، بل ساحة مشروطة ومقيّدة.

وهو شعور لا يخص فئة بعينها، بل يطال شرائح واسعة من المجتمعات العربية. ما يدفع كثيرين منهم إلى التفكير في الهجرة. لا بحثاً عن الرفاه، بل عن الكرامة والاستقرار.

تاريخياً، شكّلت المجتمعات العربية فضاءات غنية بالتعدد الثقافي والفكري، وكان الانتماء الوطني يتجاوز الانقسامات الضيقة.

غير أن التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة، خلال العقود الأخيرة. أعادت تعريف مفاهيم القوة والشرعية، وأضعفت حضور الدولة الجامعة، ما عمّق الإحساس بالاغتراب داخل الأوطان.

ومع ذلك، فإن هذا الانكسار الصامت لا يعني غياب الأمل. فما يزال في المجتمعات العربية رصيد أخلاقي وثقافي وإنساني قادر على استعادة معنى الوطن. متى ما توفرت إرادة حقيقية للإصلاح تعيد الاعتبار لسيادة القانون، وتضع الإنسان في صدارة السياسات العامة، بوصفه غاية التنمية والاستقرار، لا مجرد أداة أو رقم.

إن تجاوز غربة المواطن العربي في وطنه يبدأ بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. لا عبر الخطابات والشعارات، بل من خلال ممارسات ملموسة تعزز المساواة، وتحمي الحقوق، وتؤكد أن الوطن ليس امتيازاً لفئة، بل فضاء جامع يتسع للجميع.

حينها فقط، يمكن للغربة أن تتحول من واقع يومي مفروض، إلى ذاكرة مؤلمة تم تجاوزها نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنسانية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.