المرحلة السياسية الراهنة:
بين قبضة المحاسبة وصعود جيل جديد: هل تعيد الاعتقالات رسم خريطة الانتخابات؟
تشهد الساحة السياسية الوطنية تحولات عميقة وغير مسبوقة، في ظل توالي الاعتقالات والمتابعات القضائية التي طالت عدداً من رؤساء الجماعات الترابية وبرلمانيين ومنتخبين، على خلفية قضايا تتعلق بتدبير الشأن العام وشبهات الفساد واستغلال النفوذ. هذه التطورات لم تمرّ دون أن تترك أثرها الواضح على المزاج السياسي والانتخابي، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات المقبلة.
لقد أصبح مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة واقعاً ملموساً، لا مجرد شعار دستوري، حيث باتت المؤسسات الرقابية والأمنية، وعلى رأسها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، تلعب دوراً محورياً في تتبع مسارات المال العام، ومراقبة مصادر الثروة، والتدقيق في أساليب تدبير الجماعات والمؤسسات المنتخبة. وهو ما خلق حالة من التحفظ والتوجس في صفوف عدد من المنتخبين السابقين، وأصحاب النفوذ المالي، الذين اعتادوا خوض غمار الانتخابات بثقة مفرطة.
وفي هذا السياق، سجلت الكواليس السياسية تراجع عدد من الوجوه التقليدية عن نية الترشح، سواء خوفاً من المساءلة، أو تجنباً للمخاطر القانونية المرتبطة بالحملات الانتخابية، خصوصاً في ما يتعلق بـترويج الأموال واستعمال النفوذ. كما أضحى المال الانتخابي، الذي كان في السابق عاملاً حاسماً في حسم النتائج، عبئاً ثقيلاً يثير الشبهات ويستدعي المراقبة الدقيقة.
في المقابل، يبرز معطى جديد يحمل في طياته مؤشرات تحول إيجابي، يتمثل في تزايد اهتمام فئة من الشباب بولوج العمل السياسي والترشح للانتخابات، سواء عبر الأحزاب السياسية أو المبادرات المحلية. جيل جديد يرى في تشديد المراقبة وتراجع هيمنة المال فرصة حقيقية لإعادة الاعتبار للعمل السياسي النزيه، المبني على البرامج والأفكار والكفاءة، بدل الولاءات والمصالح الضيقة.
وتجد الأحزاب السياسية نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي، يتمثل في تجديد نخبها وضخ دماء جديدة قادرة على مواكبة هذا التحول، واستعادة ثقة المواطنين التي تآكلت بفعل ممارسات سابقة. فالتحدي لم يعد فقط في الفوز بالمقاعد، بل في تقديم مرشحين ذوي مصداقية، قادرين على التدبير الرشيد، وتحمل المسؤولية دون خوف من المحاسبة.
من جهة أخرى، انعكست هذه الأجواء على سلوك الناخبين، حيث بات جزء مهم منهم أكثر وعياً وحذراً، وأقل قابلية للتأثر بالإغراءات المالية، في ظل تنامي النقاش العمومي حول الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. وهو ما قد يساهم في رفع منسوب المشاركة الواعية، ويمنح فرصة حقيقية لاختيار ممثلين يعكسون تطلعات المواطنين.
في المحصلة، يبدو أن المشهد الانتخابي مقبل على إعادة تشكيل عميقة، تقودها قبضة القانون، وتواكبها يقظة أمنية ومؤسساتية، قد تفتح الباب أمام نخبة سياسية جديدة، يكون الشباب أحد أعمدتها الأساسية. فهل تنجح هذه المرحلة في إرساء ممارسة سياسية نظيفة ومستدامة؟ أم أن مقاومة التغيير ستفرض مناوراتها المعتادة؟ سؤال تبقى الإجابة عنه رهينة بصناديق الاقتراع وسلوك الفاعلين السياسيين في المرحلة المقبلة