يُعدّ مبدأ البراءة، أو ما يُصطلح عليه فقهيًا وقانونيًا بقرينة البراءة، من الدعائم الأساسية للعدالة الجنائية في التشريع المغربي، ومن أبرز الضمانات المقررة لحماية حقوق وحريات الأفراد في مواجهة سلطة الاتهام والعقاب. ويقوم هذا المبدأ على افتراض قانوني مؤداه أن كل شخص يُتابَع أو يُشتبه في ارتكابه فعلًا مجرّمًا يُعتبر بريئًا إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به، صادر عن محكمة مختصة، وفي إطار محاكمة عادلة تتوفر فيها كافة الضمانات القانونية.
وقد كرس الدستور المغربي هذا المبدأ صراحة ضمن الفصل 23، الذي نص على أن قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة مضمونان، وهو ما يمنح هذا المبدأ قيمة دستورية سامية تسمو على باقي القواعد القانونية الأدنى مرتبة. ويترتب على ذلك أن كل تشريع أو إجراء أو ممارسة تمسّ جوهر قرينة البراءة تكون عرضة للطعن بعدم الدستورية أو عدم المشروعية. كما يعكس هذا التنصيص الدستوري انسجام المشرّع المغربي مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، خاصة تلك الواردة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يعتبر قرينة البراءة حجر الزاوية في العدالة الجنائية الحديثة.
وفي إطار الإصلاحات التشريعية الأخيرة، جاء قانون المسطرة الجنائية الجديد ليعيد التأكيد على مبدأ البراءة في مادته الافتتاحية، معتبرًا إياه قاعدة حاكمة لمجمل الإجراءات الجنائية، سواء في مرحلة البحث التمهيدي أو التحقيق الإعدادي أو المحاكمة. ويترتب عن هذا المبدأ أن عبء الإثبات يقع على عاتق النيابة العامة بصفتها سلطة الاتهام، ولا يُلزم المتهم بإثبات براءته، كما يُفسَّر الشك دائمًا لفائدة المتهم، تطبيقًا لقاعدة “الشك يفسر لصالح المتهم”، وهي قاعدة مستقرة في الفقه والقضاء الجنائيين.
ولا يقتصر مفهوم البراءة في القانون المغربي على كونها افتراضًا قانونيًا مجردًا، بل تمتد آثارها إلى مجموعة من الحقوق الإجرائية، من بينها حق الدفاع، وحق الاستعانة بمحام، وحق الصمت دون أن يُتخذ ذلك قرينة على الإدانة، إضافة إلى ضرورة معاملة المتهم معاملة تحفظ كرامته الإنسانية وتجنّب تقديمه للرأي العام بصفة مذنب قبل صدور حكم نهائي. كما تفرض قرينة البراءة على السلطات القضائية والإدارية والإعلامية الالتزام بالحياد والامتناع عن أي سلوك أو خطاب من شأنه المساس بصورة المتهم أو التأثير على قناعة المحكمة.
ورغم هذا التأطير الدستوري والتشريعي، يثير التطبيق العملي لمبدأ البراءة في الواقع القضائي نقاشًا أكاديميًا واسعًا، خاصة في ما يتعلق بالإجراءات المقيدة للحرية، وعلى رأسها الاعتقال الاحتياطي، الذي يُنظر إليه أحيانًا باعتباره مساسًا غير مباشر بقرينة البراءة إذا لم يُضبط بضوابط صارمة وحالات استثنائية واضحة. كما يطرح النقاش ذاته بشأن بعض الممارسات الإعلامية التي قد تسهم، عن قصد أو غير قصد، في تكريس “إدانة اجتماعية مسبقة” للمتهمين قبل الفصل القضائي في قضاياهم.
وفي المحصلة، يظل مبدأ البراءة في القانون المغربي الجديد أحد المرتكزات الجوهرية لدولة الحق والقانون، غير أن فعاليته لا تقاس فقط بمدى التنصيص عليه في النصوص الدستورية والتشريعية، بل بمدى احترامه وتفعيله في الممارسة القضائية اليومية. فتكريس البراءة باعتبارها قاعدة أصلية لا استثناءً إجرائيًا يظل شرطًا أساسيًا لتحقيق العدالة الجنائية وضمان التوازن بين حق المجتمع في العقاب وحق الفرد في الحرية والكرامة ,,,,,,,,,,, محمد عيدني فاس,,,,,,,