فتح “مجلس المنافسة” تحقيقا رسميا في شأن شبهات حول وجود ممارسات منافية لقواعد المنافسة في سوق مستلزمات التحاليل الطبية المرتبطة بفترة جائحة “كوفيد-19”. وذلك على خلفية صفقة بلغت قيمتها نحو 21 مليار سنتيم، وسط مؤشرات أولية تقول باحتمال وجود احتكار وإخلال بشروط المنافسة داخل القطاع.
في هذا السياق، أكد المجلس فتح مسطرة تحقيق رسمية متصلة بشبهة وجود ممارسات محتملة منافية لقواعد المنافسة. كانت بطلتها شركة “م ـ ل”، وذلك لقيامها بأفعال منافية للقانون عبر احتكار وضرب قواعد المنافسة داخل سوق مستلزمات التحاليل الطبية.
جاءت هاته الخطوة بعد توصل المجلس بمعطيات تم وصفها بـ”المؤشرات القوية” لوجود هاته الاختلالات. الأمر الذي دفعه إلى تفعيل صلاحيات التفتيش والتحري المنصوص عليها قانونا.
في هذا الشأن، نفذت لجنة مختصة زيارة مفاجئة للمقر الإداري للشركة بمدينة “الرباط”، يومه الأربعاء الماضي. قبيل الانتقال إلى وحدتها الصناعية المتواجدة بمنطقة “عين عتيق”، بمواكبة من عناصر أمنية.
تجدر الإشارة، أن هذا التحرك يأتي على خلفية ما تم تداوله، خلال فترة “جائحة كورونا”. عن وجود شبهة احتكار واختلالات في مجال مستلزمات تحاليل “كورونا”، ما أثار تساؤلات واسعة حول شفافية الأسعار وجودة الخدمات المقدمة.
وتبقى الأعين متتبعة لمجريات الأبحاث المنجزة والتقرير المنتظر صدوره عن المجلس، والذي من المنتظر أن يتم الكشف عنه قريبا.
جدير بالذكر، أن التحقيق الجاري يستند لمقتضيات “القانون رقم 104.12″، المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة. الذي يمنح مجلس المنافسة صلاحيات واسعة لرصد الاتفاقات الاحتكارية واستغلال الوضع المهيمن داخل الأسواق.
ويعتبر هذا القانون، الصادر عام 2014 والمعدل لاحقا. الإطار التشريعي الأساسي في “المغرب” لضمان منافسة حرة، نزيهة وشفافة. حيث يكرس حرية تحديد الأسعار ويحظر الممارسات المنافية للمنافسة، من قبيل الاتفاقات، الاستغلال التعسفي لوضعية مهيمنة. كما يضبط عمليات التركيز الاقتصادي مع تعزيز دور مجلس المنافسة كجهاز تقريري وتنظيمي.
كما تنص “المادة السادسة من ذات القانون” على منع كل اتفاق أو تحالف يهدف إلى عرقلة المنافسة أو التحكم المصطنع في الأسعار أو تقليص العرض داخل السوق الوطنية. حيث تحظر هاته المادة جميع الاتفاقيات، التكتلات، أو الممارسات المدبرة التي تهدف أو قد يترتب عليها عرقلة، تقييد، أو تحريف المنافسة في السوق المغربية. ويشمل هذا الحظر تحديد الأسعار، الحد من الإنتاج، أو تقسيم الأسواق، ما يضمن نزاهة الممارسات التجارية.
كما تخول المواد المتعلقة بالبحث والتحري للهيئة إجراء عمليات تفتيش فجائية وحجز الوثائق المهنية بعد الحصول على إذن قضائي.
ويعد هذا التدخل من بين أقوى أدوات الضبط الاقتصادي، خصوصا في القطاعات المرتبطة بالصحة العمومية. حيث تتداخل اعتبارات المنافسة مع الحق الدستوري في الولوج العادل للعلاج والخدمات الصحية.
خلفية الأزمة
شهدت مرحلة انتشار “فيروس كورونا” ضغطا غير مسبوق على منظومة التشخيص الطبي، اتصالا بارتفاع الطلب على اختبارات الكشف المرتبطة بالفيروس. وذلك استنادا لاعتبار “منظمة الصحة العالمية” التحاليل المخبرية إحدى الركائز الأساسية للحد من انتشار العدوى.
خلال تلك الفترة، ارتفعت أسعار بعض التحاليل في عدة دول، ما دفع سلطات المنافسة عبر العالم إلى فتح تحقيقات مماثلة بشأن شروط التسعير والتوريد.
في المغرب، أثار مهنيون وجمعيات حماية المستهلك تساؤلات حول شفافية الصفقات المرتبطة بمستلزمات التشخيص، خاصة مع تسجيل تفاوتات سعرية بين المختبرات. الأمر الذي عزز مطالب فتح تحقيق مؤسساتي مستقل.
وكانت تقديرات مهنيين في القطاع الصحي، قد أوضحت أن سوق التحاليل المرتبطة بالجائحة عرف نموا استثنائيا تجاوز 300%، خلال ذروة الأزمة الصحية. ارتباطا بقيام السلطات بفرض إلزامية الاختبارات للسفر والعمل والمؤسسات التعليمية. كما أظهرت تقارير وطنية أن عدد التحاليل المخبرية المرتبطة ب”كوفيد-19″ بلغ ملايين الاختبارات، خلال الفترة الممتدة بين 2020 و2022. الأمر الذي جعل القطاع أحد أكبر مجالات الإنفاق الطارئ خلال الجائحة.
ويرى خبراء اقتصاديون أن أي اختلال في المنافسة داخل سوق بهذا الحجم، قد يؤدي إلى تضخم في الأسعار أو إقصاء فاعلين اقتصاديين. وهو ما ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين وعلى المالية العمومية.
وعلى الرغم من الطابع الاستثنائي لعملية التفتيش، فقد أكدت مصادر رسمية أن التحقيق لا يزال في مرحلته الأولية. مضيفة أن جميع الأطراف المعنية تتمتع بكامل حقوقها في انتظار التقرير النهائي الذي سيحدد ما إذا كانت هناك مخالفات تستوجب عقوبات مالية أو تدابير تصحيحية.
في ظل حساسية الملف وارتباطه بفترة الجائحة، يترقب الفاعلون في قطاع الأدوية والتحاليل الطبية نتائج التحقيق. معتبرينها اختبارا جديدا لفعالية آليات الحكامة الاقتصادية وتعزيز الشفافية داخل الأسواق المرتبطة بالصحة العمومية.