اختتمت أعمال ملتقى الداخلة الدولي الأول في 9 فبراير2026، الذي كان قد تم افتتاحه رسميا من طرف “علي الخليل” والي “جهة الداخلة وادي الذهب”.
الملتقى الذي تم تنظيمه تحت شعار “تعاون في خدمة تطوير المشاريع”، من قبل “جمعية هيلفتيا – الساحل”، التي يوجد مقرها ب”سويسرا” وتترأسها “سعاد مومو”. بغاية تعزيز التعاون بين أوروبا والمغرب ودول الساحل الواقعة غرب افريقيا.
وقد عرف المؤتمر مشاركة كوكبة من الخبراء والأكاديميين والدبلوماسيين والمثقفين ورؤساء الجمعيات والمستثمرين وصناع القرار. الذين توافدوا من مختلف أرجاء المعمورة لينضموا الى أبناء المملكة المغربية من داخل المغرب وخارجه. الذين حولوا الحوار الى عمل والأفكار الى مشاريع والشراكات الى إنجازات.
الداخلة لولؤة الجنوب المغربي
تعتبر “الداخلة” لسانا بحريا للمغرب على في المحيط الأطلسي بعمق 40 كيلو مترا وبعرض يتفاوت بين 2 و7 كيلو مترات. حيث تتكون شبه الجزيرة أساسا من “الداخلة” و”وادي الذهب” الواقعتان في الصحراء المغربية بجنوب المغرب.
ومن المدهش ان معدل دراجات الحرارة على مدار السنة بهاته المدينة تتراوح ما بين 18 و25 درجة مئوية، حيث يبقى جوها معتدلا على مدار السنة.
تشتهر المدينة بثروتها السمكية ورياضاتها البحرية، فيما تعود تسميتها إلى كونها داخلة في المحيط. كما يطلق عليها أيضا “لؤلؤة جنوب المغرب”.
ميناء الداخلة
من المنتظر أن يساهم ميناء “الداخلة” في تعظيم قطاع الصيد البحري بالجهة، وزيادة حجم التبادلات التجارية. أما تكلفة إنجازه فتقارب مليار يورو. حيث شارفت نسبة الإنجاز 50%، ومن المتوقع ان تتم الاشغال في الميناء عام 2028.
ومن المتوقع أن يساهم هذا الميناء في إحياء المنطقة ويخلق بالتالي فرص عمل جديدة تسهم في ازدهار مدينتي “الداخلة” و”وادي الذهب”. فضلا عن انفتاحه على العالم ومساهمته في ربط افريقيا بالضفاف المقابلة من شواطئ الأطلسي الممثلة بالأميركتين الشمالية والجنوبية وأيضا القارة الأوروبية.
كما يعتبر هذا الميناء الحل الامثل في حالة تعطل “مضيق باب المندب” او “قناة السويس” او “جبل طارق”. ومن المتوقع أن يعزز دور المغرب الاستراتيجي في التجارة البحرية العالمية. فيما يلتزم المشروع بالمعايير الصديقة للبيئة، حيث يقدم نفسه كمشروع سيادي يخدم القارة الافريقية ويربطها بالعالم. كما يحمل مدلولا وطنيا رمزيا، حيث سيتم تدشينه مع اقتراب حلول الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء الشريفة التي وحدت التراب المغربي وحافظت على سيادته.
تجدر الإشارة إلى أن أهداف هذا الملتقى تتطابق مع الرؤية الملكية السامية لجلالة الملك “محمد السادس” ذات الصلة بتنمية أقاليم جنوب المملكة وتحقيق التكامل الافريقي والتعاون مع الجنوب ودول الساحل.
وقد ركز الملتقى خلال فعالياته على خمسة محاور رئيسية. ذات صلة بالتربية والتكوين والمجال الاجتماعي، التنمية المستدامة والنقل واللوجستيك والاستثمار وتحفيز المستثمرين وقابلية التشغيل في تأكيد واضح على البعد الاستراتيجي لهذه المبادرة متعددة الأطراف.
مشاركة المعهد الدولي العربي للسلام والتربية
عرف الملتقى مشاركة “المعهد الدولي العربي للسلام والتربية”، الذي يوجد مقره بـ”جنيف”. من خلال وفد من أعلى المستويات، برآسة “سعادة السفير الدكتور يوسف الصابري”، سفير “الإمارات العربية المتحدة” السابق في “بولندا”.
وقد عرفت فعالياته تكريم الأطفال المشاركين في ورشة الرسم بما صاحبها من لحظات مؤثرة أدخلت السعادة الى قلوب الأطفال.
كما شارك في الملتقى “الدكتور علي بن مبارك ال حنيفة”، رئيس “لجنة الشؤون الإسلامية والبلديات والأمن والخدمات العامة” في “المجلس الاستشاري” لـ”إمارة الشارقة” ورئيس لجنة البلديات الأسبق. و”الدكتور محمد كامل المعيني”، رئيس مجلس إدارة “المعهد الدولي للدبلوماسية الثقافية” في “الإمارات العربية المتحدة”. والذي تم اختياره ليترأس “اللجنة الثقافية في المعهد الدولي العربي للسلام والتربية”، الذي يوجد مقره بـ”جنيف”.
كما عرف المؤتمر مشاركة الموريتاني “الدكتور أحمد فال”، رئيس “شبكة الوحدة من أجل التنمية الموريتانية” والناشط في مجال حقوق الانسان. إضافة للتونسي “الدكتور البشير العواني”، رئيس “لجنة التعليم والتكنولوجيا الدولية في المعهد الدولي العربي للسلام والتربية”. و”عبد العزيز محمد المامي” والذي من المنتظر بالتنسيق معه أن ينظم “المعهد” معرضا للمخطوطات العربية في “جنيف”. ومن المنتظر أيضا أن تنظم لجنة العلاقات العامة والإعلام الدولية التي يرأسها الكويتي “الأستاذ فايز الشعلان” دورة متكاملة في الذكاء الاصطناعي بمدينة “الداخلة”.
في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى المجهود الكبير الذي بدلته “الاستاذة سعاد” ومساعدتها “الأستاذة رانيا” و”الأستاذ رفيق” وفريق العمل في إنجاح هاته الفعالية.
كما ألقى الأردني “الدكتور محمد أمين ابو الرب”، رئيس ومؤسس “المعهد الدولي للسلام والتربية”، العضو في “المجلس الاقتصادي والاجتماعي”، التابع للأمم المتحدة منذ عام 2024. محاضرة تحت عنوان “المغرب همزة الوصل بين الأندلس و المغرب”، عرض من خلالها لتاريخ المغرب العربي منذ ان أبحر “طارق ابن زياد” الى “الاندلس” وحقق وجشيه انتصارات ساحقة على “القوط” في معركة “وادي لكه”. ليتقدم سريعا بتجاه شمال وشرق وغرب شبه الجزيرة الايبيرية ويسيطر عليها خلال سنتين.
جدير بالذكر، أن “القوط” شعوب جرمانية قدمت من شمال أوروبا وسيطرت على البلاد، حيث قام طارق وجيشه بتخليص “الاسبان” من ظلمهم وجورهم. وباختصار شديد فقد حرض “الكونت يوليان” العرب على فتح الأندلس، بل وزودهم بالسفن انتقاما من “لذريق”. وهكذا بسط المغاربة “المرابطون” و”الموحدون” سيطرتهم على “الاندلس” و”المغرب” والمناطق المحيطة بما فيها دول الساحل، ليشكلوا إمبراطورية مترامية الأطراف. حيث أنشأ “المرابطون” مراكز وطرق تجارية غاية في الأهمية ربطت افريقيا ودول الساحل الأطلسي بالأندلس.
من المهم أن نشير الى ان الحكم الإسلامي في “الأندلس” امتاز بالتسامح، حيث كان للمسيحين واليهود محاكمهم الخاصة التي تدير شؤون دينهم ودنياهم بعكس حكم “القوط” الذين منعوا الزواج المختلط، وإذا تم ذلك يجبر اليهودي على توقيع وثيقة ينشأ وفقها الأطفال على الكاثوليكية. كما أصدر “القوط” أوامرهم بتعميد أبنا اليهود عند بلوغهم سن السابعة ومن ثم أصدروا أوامرهم بتنصيرهم، وهذا ما حدا باليهود الى التعاون مع المسلمين وفتح الحصون والقلاع أمامهم.
كما القى “أبو الرب” محاضرة ثانية عن “الشعر والبيئة” ربط فيها بين الشعر والطبيعة وضرب أمثلة كثيرة من الشعر، التي تبين أثر البيئة على الشاعر ونتاجه الفني. منها قصيدة للشاعر العباسي “عليان الجهم”. التي قال فيها مادحا الخليفة.
أنت كالكلب في حِفاظِك لِلوُد وكالتَيسِ في قِراعِ الخُطوبِ
وهو بيت مستلهم من البيئة الصحراوية الجافة، ثم عاد الشاعر بعد عام من اقامته في “بغداد” ليقول أرق بيت في الغزل:
فوصف جمال نساء “بغداد” مستلهما صوره من بيئته الجديدة، مزاوجا بين البيئة الصحراوية والحضرية بأرق الكلمات وأجمل المعاني متخليا عن أسلوبه القديم وهو ما يسمى اليوم بالاندماج.
كم عرف الملتقى مشاركة شخصيات وطنية مغربية ودولية بارزة، من بينها “محمد مهدي بنسعيد”، وزير الشباب والثقافة والتواصل المغربي. “علي خليل السيد بوتال المباركي”، النائب الثالث لرئيس “مجلس جهة الداخلة ووادي الذهب”. إضافة لممثلين عن وزارة الخارجية والبلديات ومؤسسات وطنية ودولية وأعداد كبيرة من قناصل الدول الافريقية. ضمنها “السنغال” و”غواتيمالا” من أمريكا اللاتينية. فضلا عن حضور وفد من “الامارات العربية المتحدة”، “الأردن”، “موريتانيا”، “المملكة المتحدة”، “فرنسا” و” سويسرا”.
ومن أبرز الوجوه التي شرفت الملتقى نجد “البرفسور محمودة سالهو”، عالم وأكاديمي، مؤسس مؤسسات ومخطط استراتيجي، كرس حياته لتقريب العوالم: الفلسفات الأفريقية، والأخلاق الإسلامية والقيادة التي تركز على الإنسان ويعمل ايضا مع ناسا. إضافة للرياضي المعروف دوليا المغربي “الكابتن يوسف رشاد” لاعب كرة القدم في الأندية السويسرية. والذي عمل لاحقا حكما، ليتخصص لاحقا في علم النفس الرياضي. فضلا عن المغربي “الدكتور يوسف سملالي”، أستاذ في “جامعة لوزان” ورئيس “شركة إعمار للبناء”.
وكانت المفاجأة الكبرى اكتشاف “الفنانة الأميرة عايشة ستيلا” من “بوركينا فاسو” التي أحيت حفل الختام بمرافقة فرق موسيقة ورقصات أفريقية بصوت قوي ومعبر، من خلال أغنيات أدتها باللغة الفرنسية والانجليزية واللغات الافريقية.
اما الابعاد الثقافية والإنسانية والاجتماعية فكانت حاضرة من خلال مختلف المحاضرات والأوراش والموائد المستديرة والأنشطة الثقافية والفنية والرياضية والتعليمية التي تم تنظيمها. إضافة الى عقد اجتماعات على هامش المؤتمر ساهمت في تعزيز أواصر الاخوة والصداقة والحوار بين مختلف الجنسيات والتيارات الفكرية والعلمية. كما ابرزت طاقات ومواهب الشباب بالإضافة الى ترسيخ قيم التماسك الاجتماعي والحوار الثقافي.
عادات صحراوية في الداخلة
كانت الصحراء بطقوسها الخاصة، لاسيما في إعداد الشاي المغربي، حاضرة في هاته الأجواء. من خلال اصطلاح “جيمات الشاي الثلاث ” أي يشرب في جماعة والجر وتعني إطالة مدة التحضير، وأخيرا جيم الجمر حيث يحضر على الجمر”. فيما يستعمل بعضهم مصطلح الحاءات الثلاث “حار، حلو وحامي” وهو ان يشرب حار وحلو وحامي. والغريب أن بعضهم يطهو المأكولات البحرية بدهن الجمل.
ومن الشخصيات الصحراوية الفاعلة والمؤثرة التي قابلناها “السيد عبد العزيز” حفيد “الشيخ محمد المامي”، الذي يحفظ كما هائلا من الشعر وقد حافظ على إرث أجداده. ولعل كتاب البادية هو من أهم الكتب التي تعبر عن العقلية الصحراوية وفكرها لمؤلفه “الشيخ محمد المامي”، المتوفي عام 1863.
مخرجات الملتقى
عرف الملتقى إنشاء مجموعات عمل لتوحيد حافظة مشاريع وتنظيم لقاءات دولية لعرض المبادرات والبرامج النوعية.
وقد خلص الملتقى إلى صياغة إعلان الداخلة 2026، حيث التزم الموقعون من خلاله بإرساء منصة دائمة للتعاون وإنجاز المشاريع، وتشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتعزيز الاستثمار المسؤول، مع وضع الشباب والتكوين والثقافة في صلب التعاون الثلاثي بين “سويسرا” و”المغرب” ودول الساحل. كما شكل منصة حوار رفيعة المستوى لتدارس سبل تعزيز التعاون الثلاثي مع تسليط الأضواء على الرؤية الملكية لتنمية أقاليم الجنوب ودورها في التكامل مع دول الجوار. وهو ما حول “الداخلة” لجسر للتعاون بين الشمال والجنوب ونموذجا للانفتاح على الدول المجاورة.