فتح “المجلس الأعلى للحسابات” تحقيقات رقابية موسعة شملت 13 مؤسسة ومقاولة عمومية. على خلفية شبهات ذات صلة بصفقات خدمية تجاوزت قيمتها الإجمالية 70 مليون درهم. همت أساسا كراء السيارات وخدمات الحراسة والتنظيف.
خطوة تعكس عزم المجلس على تشديد الرقابة على تدبير المال العام. فضلا عن تعزيز مبادئ الحكامة الجيدة داخل المرافق العمومية.
ووفق مصادر إعلامية، فإن قضاة “المجلس” يركزون على رصد مؤشرات محتملة لتضارب المصالح. مع حصول اشتباه بوجود حالات استفادة شركات مرتبطة بأقارب مسؤولين كبار من صفقات كراء طويلة الأمد للسيارات. مستفيدة من التوجه الحكومي الداعي إلى تقليص نفقات اقتناء الأسطول الإداري وتعويضه بنظام الكراء.
وجود شبهات تضارب المصالح وتشطير النفقات
أفادت المعطيات الأولية ذات الصلة بالبحث المنجز، أن التحقيقات المباشرة وقفت على وجود اختلالات تقنية وإجرائية داخل عدد من المؤسسات. أبرزها قبول عروض مالية تفوق المعدلات المرجعية، بما يصل إلى 25%عن المعدل المطلوب دون تبرير قانوني واضح. إضافة لتسجيل حالات لجوء بعض الإدارات لما يعرف بـ”تشطير النفقات”.
ممارسة يتم اللجوء إليها، في بعض الأحيان، للتحايل على مسطرة طلبات العروض الرسمية المفتوحة المنصوص عليها قانونا. الأمر الذي يضع منظومة الحكامة داخل هاته المؤسسات موضع مساءلة.
خطوات تندرج ضمن سعي السلطات القضائية تعزيز الشفافية ومكافحة كافة الممارسات المنافية للقانون، المستهدفة للمال العام.
في هذا الباب، لا بد من التأكيد على أن المجلس الأعلى للحسابات ما فتئ يدعو كافة المؤسسات للالتزام بالقوانين والإجراءات المعمول بها. ضمانا للنزاهة والشفافية والمساواة في الفرص في الاستفادة من الصفقات العامة.
تجدر الإشارة، أن تدبير الصفقات العمومية بـ”المغرب” يخضع لمقتضيات “المرسوم رقم 2.22.431″، المتعلق بالصفقات العمومية، الذي دخل حيز التنفيذ في شتنبر من عام 2023.
وهو القانون الذي يفرض مبادئ المنافسة الحرة والمساواة بين المتنافسين والشفافية في اختيار العروض. كما أنه يجرم أي ممارسة من شأنها الإخلال بتكافؤ الفرص أو المساس بالمال العام. فضلا عن وضعه قواعد حكامة جديدة تكرس مبادئ المنافسة الحرة والمساواة في التعامل مع المتنافسين والشفافية في اختيار العروض.
في هذا الشأن، لا بد من الوقوف على أهم مقتضياته الداعية لتوحيد نظام الصفقات، رقمنة المساطر، تعزيز الإشهار، تحديد معايير موضوعية لتقييم العروض وضمان جودة المال العام.
كما أن “الفصل 147 من دستور المملكة المغربية” ينص على أن المجلس الأعلى للحسابات يتولى مهمة مراقبة تنفيذ قوانين المالية وتقييم تدبير الأجهزة العمومية، مع رفع تقارير إلى الملك والبرلمان، بما يعزز الرقابة المؤسساتية على الإنفاق العمومي.
كما يعتبر ذات الفصل أن المجلس هيئة عليا مختصة بمراقبة المالية العامة، منوط به تعزيز مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة. فضلا عن قيامه بمراقبة تنفيذ قوانين المالية، تقييم تدبير الأجهزة العمومية والتحقق من سلامة عمليات المداخيل والمصاريف. مع توفره على صلاحية إصدار عقوبات عند الإخلال بالقواعد السارية.
خطوة تندرج ضمن دينامية وطنية متصاعدة لتعزيز النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة. خاصة بعد التقارير السنوية المتتالية التي نبهت لاستمرار وجود اختلالات مرتبطة بتدبير الصفقات والخدمات المفوضة. انطلاقا من قناعة راسخة بأن تحسين جودة الإنفاق العمومي يمر عبر احترام المساطر القانونية وضمان المنافسة الشفافة. أي أن الرقابة لا تستهدف الزجر فقط، بل تروم الرفع من فعالية الأداء الإداري.
كما يتيح القانون التنظيمي للمجلس إحالة الملفات التي تكتسي صبغة جنائية على النيابة العامة المختصة. وذلك في حال ثبوت وجود أفعال قد ترقى إلى مستوى جرائم مالية ،مثل تبديد المال العام أو استغلال النفوذ.
جدير بالذكر، أنه قد سبق لمنظمات وطنية ذات صلة بالنزاهة وتخليق الحياة العامة أن أكدت أن تحسين حكامة الصفقات العمومية يمثل أحد أبرز التحديات المرتبطة بتعزيز الثقة في المؤسسات. علما أن نسبة مهمة من شكايات الفساد الإداري ترتبط بملفات التعاقدات والخدمات.
ويرى متتبعون للشأن العام المغربي أن اتساع نطاق التحقيقات الحالية يعكس توجها مؤسساتيا نحو تشديد المساءلة داخل المقاولات العمومية. خصوصا في القطاعات المرتبطة بالخدمات المتكررة التي تستنزف ميزانيات كبيرة سنويا.
هكذا، وفيما تتواصل عمليات التدقيق وجمع المعطيات، ينتظر أن تكشف النتائج النهائية للمجلس عن طبيعة الاختلالات وحجم المسؤوليات المحتملة. في خطوة من المرتقب أن تعزز مسار الشفافية وترسخ ثقة المواطنين في آليات مراقبة المال العام.