دخلت العلاقات الدبلوماسية بين “فرنسا” و”الولايات المتحدة الأمريكية” مرحلة حساسة، عقب استدعاء وزير الخارجية الفرنسي، “جان نويل بارو”، السفير الأمريكي المعتمد لدى “باريس”، “تشارلز كوشنر”. للمطالبة بتفسيرات رسمية. وتخلف هذا الأخير عن حضور اجتماع دبلوماسي كان من المنتظر أن يناقش تصريحات صادرة عنه اعتبرتها “باريس” تمثل تدخلا في النقاش السياسي الداخلي الفرنسي.
وهكذا فقد طالب وزير الخارجية الفرنسي، اليوم الثلاثاء. السفير الأمريكي بـ”فرنسا”، بتقديم تفسيرات عن سبب تخلفه وعدم استجابته لأمر باستدعائه موجه من الخارجية الفرنسية. في شأن تصريحاته المتعلقة بمقتل ناشط يميني متطرف.
يأتي هذا التطور في سياق جدل أثارته تصريحات، أعادت السفارة الأمريكية في “باريس” نشرها، في شأن مقتل الناشط اليميني المتطرف، “كانتـان دورانك”. الذي توفي متأثرا بإصابة خطيرة في الرأس تعرض له خلال مظاهرة تم تنظيمها بمدينة “ليون”، منتصف فبراير الجاري. الأمر الذي دفع “باريس” إلى التحرك دبلوماسيا دفاعا عن سيادتها السياسية.
استدعاء رسمي واتهامات بخرق الأعراف الدبلوماسية
قال وزير الخارجية الفرنسي، “جان نويل بارو”، في تصريحات لإذاعة “فرانس إنفو”: إن عدم استجابة السفير الأمريكي، “تشارلز كوشنر”. للاستدعاء يشكل خرقا لما وصفه بـ”أبسط قواعد السلوك الدبلوماسي”. مشددا على أن تمثيل دولة صديقة يقتضي احترام الأعراف المعمول بها والتفاعل مع المؤسسات الرسمية للدولة المضيفة.
وشدد “بارو” على ضرورة الاجتماع مع السفير لتوضيح موقفه. مضيفا: أن جميع الفرنسيين “منزعجون من أي تدخل أجنبي في النقاش السياسي الوطني”. مؤكدا أن بلاده لا تقبل التأثير الخارجي على قضاياها الداخلية، مهما كانت طبيعة العلاقات الثنائية.
في هذا الشأن، قال وزير الخارجية الفرنسي: “نحن لا نقبل أن تتدخل الدول الأجنبية في نقاشنا السياسي الوطني، مهما كانت الظروف”.
وكان السفير الأمريكي قد اعتذر عن الحضور وتلبية طلب الخارجية الفرنسية، بدعوى وجود “التزامات شخصية”، وأوفد مسؤولا رفيع المستوى بديلا عنه. إلا أن هاته الخطوة لم تخفف من حدة الاستياء داخل الأوساط السياسية الفرنسية.
وكان الوزير “بارو” قد طالب السفير الأمريكي بتوضيح موقفه، الذي اعتبره خرقا لقواعد السلوك الأساسية للدبلوماسيين، قائلا في تصريح أدلى به لإذاعة “فرانس أنفو”: “إنه لأمر مفاجئ. عندما يشرف المرء بتمثيل بلده، الولايات المتحدة، في فرنسا كسفير. عليه الالتزام بأبسط قواعد الدبلوماسية والاستجابة لاستدعاءات وزارة الخارجية”.
تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع غير مستقرة تعيشها العلاقات الفرنسية الأمريكية. مع تأكيد وزير الخارجية الفرنسي حرص بلاده على حماية سيادتها السياسية والدبلوماسية.
وكانت “باريس” قد طلبت من السفير الأمريكي تفسيرات ذات صلة بعدم امتثاله لاستدعاء تم توجيهه له. ذا صلة بتقديم توضيحات في موضوع تصريحاته التي أدلى بها بخصوص مقتل الناشط من اليمين المتطرف، “كانتان دورانك”، حسبما أكده وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، الثلاثاء. معتبرا أن ما حدث “أمر مفاجئ”، داعيا “تشارلز كوشنر” “للالتزام بقواعد الدبلوماسية”.
تجدر الإشارة، أن “باريس” سبق لها أن استدعت “كوشنر”، وهو والد “جاريد” المتزوج من “إيفانكا” ابنة الرئيس “دونالد ترامب”. بسبب انتقاده تعامل فرنسا في الحوادث المرتبطة ب”معاداة السامية”. حيث تغيب عن الاجتماع مكتفيا بإيفاد مسؤول آخر لتمثيله.
وكانت “باريس” قد اتخذت، أمس الإثنين. إجراءات لمنع “كوشنر” من مقابلة وزرائها. عقب الموقف المتخذ من قبل هذا الأخير وإعادة السفارة الأمريكية في “باريس”، نشر تصريحات لإدارة “ترامب” حول مقتل الناشط “كانتان دورانك”، البالغ من العمر 23 عاما.
موقف عبر عنه “بارو” بامتعاض واصفا إياه ب”المفاجئ”. داعيا “كوشنير” لاحترام “أبسط قواعد الدبلوماسية”. موسعا دائرة الخلاف لتشمل إثارة مسألة العقوبات الأمريكية المفروضة على عدد من الشخصيات الأوروبية، ضمنهم المفوض الأوروبي السابق، “تييري بريتون”.
على الرغم من ذلك حاول “بارو” تلطيف الأجواء معتبرا أن هاته الواقعة “لن تؤثر بأي شكل من الأشكال على العلاقات القائمة بين فرنسا والولايات المتحدة”. مضيفا: “لقد تجاوزت هاته العلاقات عواصف أخرى، لكن هذا سيؤثر بطبيعة الحال على قدرته على أداء مهمته في بلادنا”.
تجدر الإشارة أيضا، أن “كانتان دورانك” كان قد لقي حتفه متأثرا باصابة بالغة في الرأس، جراء تعرضه لاعتداء عنيف من أعضاء في اليسار المتطرف في 12 فبراير 2026. وذلك على هامش مظاهرة تم تنظيمها في مدينة “ليون”، بوسط شرق “فرنسا”.
الأعراف الدبلوماسية وحدود التدخل
تؤطر العلاقات بين البعثات الدبلوماسية والدول المضيفة ضمن مقتضيات اتفاقية “فيينا للعلاقات الدبلوماسية” لعام 1961. التي تلزم الدبلوماسيين باحترام قوانين الدولة المضيفة وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
في هذا السياق، يرى خبراء في القانون الدولي أن الامتناع عن الاستجابة للاستدعاءات الرسمية قد يتم تفسيره توترا دبلوماسيا، خاصة عندما يتعلق الأمر بتصريحات سياسية حساسة. على الرغم من لجوء غالبية الدول إلى الحوار قبيل اتخاذ أية إجراءات تصعيدية، مثل إعلان الدبلوماسي “شخصا غير مرغوب فيه”.
وعلى الرغم من صعوبة الوضع، يبدو أن “باريس” تدير هذا الخلاف بقوة، لكنها لا ترغب في تحويله إلى أزمة. على الرغم من اتساع دائرة الخلاف لتشمل مواضيع أخرى. إذ أعلنت “باريس” رغبتها في مناقشة العقوبات الأمريكية المفروضة على شخصيات أوروبية. وهو ما يعني وجود ملفات عالقة تتجاوز التصريحات الإعلامية لتطال قضايا اقتصادية وسياسية أوسع.
ويرى مراقبون، أن الأزمة الحالية، رغم محدوديتها الظاهرية، تمثل اختبارا دقيقا لقدرة الطرفين على التوفيق بين حرية التعبير الدبلوماسي واحترام السيادة الوطنية، في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة تجعل الخطأ البروتوكولي الصغير قادرا على إشعال جدل سياسي واسع.