المجلس الأعلى للتربية والتكوين يقدم توصياته في شأن إصلاح التعليم بالمغرب

محمد حميمداني

محمد حميمداني

 

قدم “المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي”، اليوم الثلاثاء، بالعاصمة المغربية “الرباط”، تقريرا استراتيجيا جديدا يتضمن حزمة توصيات تروم إعادة توجيه وإصلاح منظومة التعليم بالمغرب نحو نموذج أكثر قدرة على الصمود والتكيف مع الأزمات. مع ضمان الحق في تعليم جيد ومنصف لفائدة جميع المتعلمين والمتعلمات، وتعزيز قدرة المنظومة التعليمية على الاستجابة والتكيف مع فترات الأزمات والطوارئ.

يأتي هذا التقرير في سياق تزايد الضغوط التي تواجه الأنظمة التعليمية عالميا، بعد تداعيات “جائحة كوفيد-19” والتحولات الرقمية المتسارعة. الأمر الذي دفع “المجلس” إلى الدعوة لاعتماد مقاربة نسقية متعددة المستويات تقوم على التكامل بين السياسات العمومية والمؤسسات التعليمية والفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين.

نهج الاستباق بدل رد الفعل

أكد “المجلس” أن ضمان استمرارية التعلم وجودة المخرجات التربوية لم يعد مرتبطا بالمناهج الدراسية فقط، بل بقدرة المنظومة على التدبير الاستباقي للأزمات. موصيا بتعزيز التخطيط الاستراتيجي المبني على إدارة المخاطر. مع إحداث آليات للرصد والتقييم تسمح بالتفاعل السريع مع المتغيرات.

وشدد “التقرير” على أن الأزمات الأخيرة كشفت هشاشة بعض آليات التدبير، خاصة فيما يتعلق باستمرارية التعليم عن بعد وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية. داعيا إلى الاستثمار في البنيات التحتية الرقمية وتأهيل الأطر التربوية والإدارية.

في هذا السياق، يركز “التقرير” على أهمية بناء منظومة تعليمية قادرة على الصمود والتكيف، من خلال اعتماد مقاربة نسقية متعددة المستويات. مرتكزة على التكامل بين مختلف الفاعلين والمتدخلين في القطاع. مؤكدا على أن ضمان استمرارية التعلم وتحقيق الجودة والإنصاف رهين بتبني تخطيط استباقي وتنسيق محكم بين السياسات العمومية والمؤسسات التعليمية والأطر التربوية والإدارية. وكذا الشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين.

وأوضح “التقرير” أن الأزمات، سواء كانت صحية أو طبيعية أو اجتماعية. كشفت عن الحاجة الملحة إلى تطوير آليات مرنة لضمان استمرارية الخدمات التربوية وتقليص الفوارق التعليمية، خصوصا في أوساط الفئات الهشة والمناطق النائية. مشددا على ضرورة تعزيز كفاءات الأطر التربوية في مجال التعليم عن بعد، بما يضمن تكافؤ الفرص وجودة التعلمات.

كما دعا “المجلس” إلى ترسيخ ثقافة الصمود داخل المنظومة التربوية، عبر إدماج مبادئ التدبير الوقائي وإدارة المخاطر في التخطيط الاستراتيجي للقطاع. مع تطوير أنظمة للرصد والتقييم بما يمكن من التفاعل السريع مع مختلف المستجدات.

تجدر الإشارة إلى أن اعتماد هذا “التقرير” يأتي في سياق وطني ودولي يتسم بتزايد التحديات التي تواجه أنظمة التعليم. الأمر الذي يفرض إعادة التفكير في نماذج الحكامة وأساليب التدبير، بما يجعل المدرسة المغربية أكثر قدرة على الاستجابة للتحولات وضمان استمرارية التعلم للجميع دون انقطاع.

استراتيجية تنطلق من قناعة راسخة أن المدرسة الحديثة لا يتم قياس فعاليتها بنتائج الامتحانات فقط، بل بقدرتها على الاستمرار في التعليم مهما كانت الظروف. وهو ما ينسجم مع مقولة أحد المفكرين الذي يرى أن التعليم ليس إعدادا للحياة، بل هو الحياة نفسها.

التعليم كحق دستوري

تستند توصيات “المجلس” إلى المقتضيات الدستورية التي تكرس الحق في التعليم. حيث ينص دستور المملكة المغربية على ضمان تكافؤ الفرص والولوج المنصف إلى تعليم عصري ذي جودة. حيث يكرس هذا الحق كحق أساسي. فيما تلتزم الدولة والمؤسسات العمومية بتوفير تعليم عصري، ميسر، ذي جودة ومجاني.

ويرتكز هذا الحق بشكل أساسي على فصول من الدستورتجعل التعليم حقا للطفل وواجبا على الأسرة والدولة. مع التأكيد على ضرورة تعبئة الوسائل لتيسير الاستفادة منه على قدم المساواة.

كما تتقاطع مضامين التقرير مع “القانون الإطار رقم 51.17″، المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي. الذي يؤكد في أهدافه الاستراتيجية على ضرورة تحقيق الجودة والإنصاف والارتقاء بالحكامة التربوية. مع تعزيز الرقمنة وتطوير الموارد البشرية. حيث يعتبر هذا القانون الإطار، الذي دخل حيز التنفيذ عام 2019. بمثابة تعاقد وطني ملزم لإصلاح المدرسة المغربية، من خلال تأكيده على تحقيق الجودة والإنصاف وتكافؤ الفرص والارتقاء بالحكامة التربوية. مع التركيز على تعميم التعليم الأولي، تطوير الكفاءات البشرية وإدماج التكنولوجيا الرقمية، تفعيلا للرؤية الاستراتيجية 2015-2030.

في سياق متصل، يرى متخصصون في السياسات العمومية أن إدماج تدبير المخاطر ضمن التخطيط التربوي يمثل تحولا نوعيا نحو تكريس حكامة وقائية بدل التدخلات الظرفية.

ومن المنتظر أن تفتح توصيات “المجلس” نقاشا واسعا داخل الأوساط السياسية والتربوية حول  سبل تنزيل هاته الرؤية على أرض الواقع. خاصة في ظل الرهانات المرتبطة بتجويد التعلمات وتعزيز قابلية التشغيل لدى الخريجين. وذلك بما يعزز إصلاح المنظومة التربوية ويكرس الحق الدستوري في تعليم جيد، عادل وشامل.

جدير بالذكر، أن معطيات وطنية أبرزت أن ملايين التلاميذ تأثروا، خلال فترات الإغلاق المرتبطة بالجائحة. ما أبرز الفوارق الرقمية بين الوسطين الحضري والقروي. وهو نفس المعطى الذي تؤكده تقارير دولية صادرة في الموضوع. الأمر الذي دفع مجموعة من الدول إلى مراجعة نماذج التعليم التقليدية وتعزيز التعلم الرقمي والهجين.

معطيات تبرز حجم الرهان المطروح أمام المدرسة المغربية لتقليص الهدر المدرسي وتعزيز الإنصاف المجالي، خاصة بالمناطق القروية والنائية.

الحكامة والتنسيق بين الفاعلين

ركز “التقرير” على ضرورة التنسيق المحكم بين المؤسسات التعليمية والأطر التربوية والشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين. على اعتبار أن إصلاح التعليم لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن باقي السياسات العمومية المرتبطة بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية.

في هذا الشأن، يرى خبراء أن نجاح الإصلاح يرتبط أيضا بمدى انخراط الجماعات الترابية والمجتمع المدني في دعم المدرسة العمومية. خصوصا في مجالات الدعم الاجتماعي والنقل المدرسي والأنشطة الموازية.

فإصلاح التعليم يشكل أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل، كما أكد على ذلك صاحب الجلالة الملك “محمد السادس”، حفظه الله. في أكثر من خطاب رسمي. معتبرا جلالته، أعزه الله. أن الرأسمال البشري هو أساس النموذج التنموي الجديد.

ويرى متابعون أن التقرير الجديد قد يشكل أرضية مرجعية لإعادة هيكلة السياسات التعليمية، خلال السنوات المقبلة. بما يعزز مدرسة عمومية قادرة على مواجهة الأزمات وضمان استمرارية التعلم للجميع دون انقطاع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.