محمد حميمداني
حذر “مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة” من تنامي الاتجار غير المشروع بالنفايات عبر العالم. مؤكدا أن هذه التجارة تحولت إلى نشاط إجرامي عابر للحدود يدر مليارات الدولارات سنويا. محذرا من الآثار الصحية والبيئية الخطيرة التي يخلفها هذا النشاط الإجرامي عبر العالم. خصوصا في الدول محدودة الدخل، المفتقدة لأطر تنظيمية ورقابية صارمة. التي تتحول في كثير من الأحيان إلى وجهات لتفريغ النفايات الخطيرة القادمة من دول صناعية.
وأوضح “المكتب” في تقرير جديد أعده تحت عنوان “جرائم النفايات والاتجار بها”: أن تجارة النفايات غير القانونية أصبحت نشاطًا مربحا، إذ تقدر قيمتها بمليارات الدولارات. مبرزا أن شبكات الجريمة المنظمة تستغل تفاوت القوانين. فضلا عن وجود ثغرات قانونية وضعف المراقبة الجمركية والبيئية وقلة العقوبات لتحقيق أرباح ضخمة من وراء هاته التجارة، من خلال استغلالها على نطاق واسع.
وأفاد التقرير أن هذه التجارة تشمل عدة فئات من النفايات. ضمنها النفايات الكهربائية، الإلكترونية، البلاستيكية، المركبات، المحركات المستعملة. إضافة للنفايات المعدنية ومخاليط النفايات. مبرزا أنه وفي غالب الأحيان يتم تصدير هاته النفايات بشكل غير قانوني من دول ذات نظم صارمة في التخلص منها إلى دول تفتقر إلى القدرة الكافية لمعالجتها بأمان.
وأضافت “الأمم المتحدة” أن هاته الممارسات تؤدي إلى تلوث المياه الجوفية والتربة والمحيطات بمواد سامة. وهو ما يعرض السكان المحليين لمخاطر صحية جسيمة. ضمنها الأمراض المزمنة واضطرابات الجهاز التنفسي وغيرها من المشكلات المرتبطة بالتعرض للمواد الكيميائية الخطرة.
في هذا السياق، حذرت “كانديس ويلش”، مديرة تحليل السياسات والشؤون العامة بالمكتب الأممي. من أن هذا النشاط “ليس تحديا تجريديا”. مؤكدة أن له تداعيات مباشرة وخطيرة على الصحة العامة والبيئة. مبرزة أن ضعف تنفيذ التشريعات وتباين القوانين بين الدول يشجع المجرمين على مواصلة عملهم.
تجارة من خارج القانون تدر ملايير الدولارات
أكد التقرير الأممي الصادر، أن النفايات غير القانونية أصبحت تشكل أحد أسرع الأنشطة الإجرامية نموا على الصعيد العالمي. مبرزا أن تقديرات برامج بيئية دولية تؤكد أن أرباح الاتجار غير المشروع من النفايات قد تتجاوز 20 مليار دولار سنويا. ما يضعها ضمن أبرز الجرائم البيئية المنظمة، إلى جانب الاتجار بالحياة البرية والأخشاب.
جدير بالذكر، أن هاته التجارة تشمل النفايات الكهربائية والإلكترونية والبطاريات الصناعية ومخلفات المعادن والبلاستيك المختلط. التي يتم شحنها أحيانا تحت مسميات “معدات مستعملة” أو “مواد قابلة لإعادة التدوير”، لتفادي القيود القانونية.
واقع دفع “كانديس ويلش”، مديرة تحليل السياسات والشؤون العامة بالمكتب الأممي. إلى التشديد على أن “هذه الجرائم ليست تهديدا نظريا. بل لها آثار مباشرة على صحة المجتمعات المحلية والأنظمة البيئية”. محذرة من أن ضعف إنفاذ القوانين يشجع الشبكات الإجرامية على توسيع نشاطها.
في سياق متصل، تبرز تقارير أممية أن التخلص بشكل عشوائي من النفايات الصناعية والإلكترونية، يؤدي إلى تسرب الرصاص والزئبق والمواد السامة إلى المياه الجوفية والتربة. وهو ما يرفع معدلات الإصابة بالأمراض التنفسية والمزمنة والتشوهات الخلقية، في بعض المناطق.
في سياق ذا صلة، أفادت دراسات إقليمية منجزة أن إفريقيا تستقبل سنويا آلاف الأطنان من النفايات الإلكترونية، على الرغم من القيود القانونية المفروضة على تصديرها. وهو ما يهدد الأمن البيئي والصحي في عدد من الدول الساحلية. كما أنه وبحسب بيانات “منظمة الصحة العالمية”، فإن التعرض، طويل الأمد، للمواد الكيميائية الناتجة عن معالجة النفايات بشكل غير آمن. يرفع خطر الإصابة بأمراض الجهاز العصبي واضطرابات النمو لدى الأطفال.
تجدر الإشارة أيضا، أن نقل النفايات الخطرة عبر الحدود يخضع لعدة اتفاقيات دولية. أبرزها “اتفاقية بازل”، في شأن التحكم في نقل النفايات الخطرة، المعتمدة عام 1989، والتي دخلت حيز التنفيذ عام 1992. الهادفة لتقليص حركة النفايات الخطرة ومنع تصديرها إلى الدول غير القادرة على تدبيرها بشكل آمن. والتي تعد المعاهدة الدولية الأهم للتحكم في نقل النفايات الخطرة وحماية البيئة وصحة الإنسان من خلال تقليل إنتاج النفايات. إذ تم حظر تصديرها من الدول المتقدمة إلى الدول النامية. إلا أن مصطلح الحظر تم تعديله نتيجة ضغوط سياسية. واعتماد صيغة نظام “الموافقة المسبقة المستنيرة (PIC)”، لضمان الإدارة السليمة بيئيا. كما تنص الاتفاقية أيضا على الحصول على موافقة مسبقة من الدول المستقبلة قبل أي عملية تصدير. مع تحميل الدول المصدرة مسؤولية إعادة النفايات في حال ثبوت عدم قانونية الشحنات.
في الشأن ذاته، شدد خبراء القانون البيئي الدولي على أن ضعف العقوبات في بعض التشريعات الوطنية يظل أحد أبرز نقاط الضعف التي تستغلها شبكات الاتجار الدولي في النفايات.
المغرب والتحدي البيئي الإقليمي
على الصعيد الوطني، عزز المغرب ترسانته القانونية المتصلة بالنفايات. وذلك من خلال “القانون الإطار رقم 99.12″، بمثابة “ميثاق وطني للبيئة والتنمية المستدامة”، المعتمد بموجب ظهير 2014. الذي يحدد المبادئ الأساسية لحماية البيئة، والتنمية المستدامة، والمسؤولية الجماعية. الهادف إلى إدماج البيئة في السياسات القطاعية، وضع استراتيجية وطنية (SNUD)، إرساء آليات الحكامة والمسؤولية البيئية وتعزيز الحق في بيئة سليمة.
إضافة إلى “القانون رقم 28.00″، المتعلق بتدبير النفايات والتخلص منها. الذي يجرم الاستيراد غير المشروع للنفايات الخطرة. معتبرا الأمر مخالفة صريحة تقتضي الزجز. حيث يفرض القانون عقوبات زجرية ومراقبة صارمة على نقل النفايات عبر الحدود. ملزما الحصول على تراخيص مسبقة للقيام بهاته العمليات. معتبرا أن أي مخالفة استيراد تعتبر جريمة بيئية وبالتالي تستوجب العقاب.
ضرورة تحقيق تعاون دولي لمواجهة الوضعية