أثار نشر القوات المسلحة الملكية المغربية منظومات راجمات الصواريخ الأمريكية “هيمارس HIMARS” في مناطق استراتيجية من شمال المملكة. حالة من “الاستنفار التحليلي” لدى الأوساط العسكرية والإعلامية في الجارة “إسبانيا”. بالنظر لما تمثله هاته المنظومة من تفوق تكنولوجي وقوة تدميرية دقيقة.
في هذا السياق، نقلت تقارير عسكرية وإعلامية إسبانية حالة من الترقب والاهتمام البالغ الذي تعيشه “مدريد”. اتصالا برصد تحركات مغربية لنشر منظومات راجمات الصواريخ الأمريكية المتطورة “HIMARS”. في مناطق استراتيجية قريبة من الساحل المتوسطي.
تجدر الإشارة، أن المملكة المغربية تعمل على تحديث قدراتها القتالية، وتعزيز ترسانتها بأحدث منتجات التكنولوجيات العسكرية العالمية.
الخطوة التي أقدمت عليها القوات المسلحة الملكية المغربية، فجرت موجة أسئلة عميقة داخل الأوساط السياسية والأمنية في “مدريد”. اتصالا بموضوع توازنات القوى في منطقة مضيق “جبل طارق”.
المميزات الفنية لـ”هيمارس HIMARS” وفعاليتها الميدانية:
تتميز منظومات “هيمارس” بدقة عالية في إصابة الأهداف، مع قدرة فائقة على الحركة والانتشار السريع. وهو ما يمكن أن يغير بشكل ملموس الحسابات العسكرية في محيط مدينتي “سبتة” و”مليلية” المحتلتين.
تبعا لذلك، غدت منظومة “هيمارس” نقطة تحول هامة في العقيدة القتالية البرية للمغرب، نظرا لمميزاتها الفريدة. سواء من جهة دقتها الجراحية وقدرتها العالية على إصابة الأهداف الثابتة والمتحركة بهامش خطأ شبه منعدم. فضلا عن تمتعها بخاصيتي المرونة والسرعة، لكونها منظومة متنقلة يسهل نشرها وإعادة تموقعها بسرعة. وهو ما يجعل رصدها أو استهدافها من قبل الخصوم أمرا بالغ الصعوبة. كما ان مداها الاستراتيجي يوفر تغطية واسعة لمضيق “جبل طارق” ومحيط الثغور المحتلة. الأمر الذي يمنح القوات المسلحة الملكية المغربية نوعا من التفوق الناري غير المسبوق في المنطقة الشمالية.
مواصفات “هامرز”
يصل وزن “هامرز” إلى 24 ألف رطل وطوله 7 أمتار وعرضه 2.4 مترا، فيما يصل ارتفاعه إلى 3.2 أمتار . ويقود المنظومة طاقم مكون من ثلاثة أفراد، القائد والسائق والمدفعي. فيما يبلغ أقصى معدل إطلاق ناري لستة صواريخ، أما مداها القصير فيصل لـ80 كيلومترا. فيما يبلغ نطاقه التشغيلي 479 كيلومترا وسرعته 85 كيلومترا في الساعة.
تجدر الإشارة، أن منظومة “هيمارس” تصنف على أنها وحدة سلاح متنقلة. حيث يمكنها إطلاق عدة صواريخ بدقة في التوجيه في وقت متزامن.
جدير بالذكر، أن الراجمة الواحدة تحمل 6 صواريخ موجهة بواسطة نظام تحديد المواقع العالمي “جي بي إس”، (GPS)، بمدى يقارب ضعف مدافع “الهاوتزر إم 777″، (M777). التي يمكن إعادة تحميلها في غضون دقيقة بطاقم صغير فقط. كما أنها مزودة بجراب كبير قادر على حمل صاروخ تكتيكي من نوع “إيه تي إيه سي إم إس”، (ATACMS)، بمدى يبلغ 300 كيلومتر.
الأبعاد الجيوسياسية والأمن البحري:
علاوة على الأبعاد الميدانية، تمنح هذه الراجمات المتنقلة الجيش المغربي قدرة ردع استراتيجية، حيث تمكن القوات المغربية من تغطية مساحات واسعة دون الحاجة إلى قواعد ثابتة.
خطوة يفسرها خبراء برغبة “الرباط” في تأمين مجالاتها الحيوية، وحماية حدودها البرية والبحرية ضد أي تهديدات محتملة في ظل التحولات الأمنية المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
وهكذا، فإن أهمية نشر هاته المنظومة لا تقتصر على الجانب الدفاعي، بل تمتد لتشمل حماية المصالح الحيوية للمملكة، من جهة حماية البنية التحتية. أي أنها توفر مظلة دفاعية للموانئ الكبرى، مثل “طنجة المتوسط” و”الناظور غرب المتوسط” والمنشآت الطاقية الحساسة. فضلا عن تأمين الممرات الملاحية وتعزيز دور “المغرب” كقوة إقليمية مسؤولة عن أمن واستقرار الملاحة الدولية في واحد. دون إغفال أن هاته الخطوة تحمل رسالة ردع استراتيجي، ذات صلة بقدرة “الرباط” على حماية سيادتها وحدودها في ظل تحولات أمنية متسارعة.
في سياق متصل، لا ينفصل هذا التحرك العسكري عن الطموحات الاقتصادية للمملكة. إذ يهدف لتطوير القدرات الدفاعية المتقدمة للمملكة بما يساهم في توفير حماية قصوى للموانئ الكبرى والبنية التحتية الطاقية والممرات الملاحية الحساسة. اتصالا بتزايد أهمية الأمن البحري في استقرار إمدادات الطاقة العالمية.
التحديث العسكري رؤية ملكية نحو الريادة الإقليمية
من هذا المنطلق، يندرج اقتناء ونشر منظومة “HIMARS”، ضمن رؤية ملكية متبصرة لمسار تحديث القوات المسلحة الملكية. وهو المسار الذي شمل إبرام عدة صفقات نوعية لتعزيز السيادة الجوية والبحرية والبرية خلال السنوات الأخيرة. ليؤكد المغرب من خلال هاته الخطوة توجهه نحو تكريس تفوقه الدفاعي، كقوة إقليمية صاعدة قادرة على حماية مصالحها القومية، وفرض الاستقرار في محيطها الجغرافي المعقد.
كما تدخل هاته الخطوة ضمن خطة شاملة لتحديث القوات المسلحة الملكية، تحت القيادة العليا لجلالة الملك، “محمد السادس”، نثصره الله. وهو المسار الذي تم تتويجه بمجموعة من الصفقات النوعية، ضمنها طائرات “F-16″، دبابات “Abrams” وطائرات الدرون المتطورة. وذلك بهدف تكريس السيادة الوطنية في الجو والبر والبحر. بغاية بناء جيش عصري قادر على مواجهة حروب الجيل الخامس. بما يفرض الاستقرار في محيط جغرافي يتسم بالتحديات الأمنية المعقدة.
“هيمارس” ثثير قلق “مدريد”
القلق الإسباني من “هيمارس” له ما يبرره من وجهة نظر “مدريد” العسكرية. حيث أن هذا السلاح تحديدا هو الذي غير مجريات حروب حديثة كبرى مؤخرا.
ما يمكن تأكيده والتشديد عليه، أن نشر “المغرب” لهاته المنظومة شمال البلاد، لا يمثل أي تهديد لأي كان. بل ينطلق من قناعة استراتيجية راسخة مفادها “”من أراد السلم فليستعد للحرب”. حيث أن المملكة تؤمن بوابتها المتوسطية التي تضم استثمارات بمليارات الدولارات.
ما يمكن الوقوف حوله، هو توقيت اتخاذ هاته الخطوة. حيث يتزامن هذا النشر مع ما يعرفه “شمال المغرب” من طفرة اقتصادية كبرى. وهو ما يعني أن “هيمارس” يحمي “المصنع” و”الميناء”، ويكرس، في الوقت نفسه، أن “المغرب” قوة لا يمكن تجاوزه في معادلة الأمن الإقليمي.