عشرات القتلى ومئات المصابين في هجوم استهدف مستشفى وأسواق بشمال شرق “نيجيريا”

العدالة اليوم

محمد حميمداني

 

عادت المشاهد المأساوية لتخيم على مدينة “ميدوغوري”، عاصمة ولاية “بورنو”، شمال شرق “نيجيريا”. اتصالا بسلسلة هجمات انتحارية، استهدفت، مساء أمس الاثنين. تجمعات مدنية وحيوية. ما أدى لتسجيل حصيلة ثقيلة من الضحايا، معيدة طرح التساؤلات حول الوضع الأمني في معقل جماعة “بوكو حرام” بـ”نيجيريا”.

وهكذا فقد شهدت مدينة “ميدوغوري”، سلسلة من الانفجارات الدامية التي أودت بحياة 23 شخصا وإصابة 100 آخرين.

يعتبر هذا الاستهداف واحدا من أعنف الهجمات التي عرفتها المدينة منذ سنوات. وأفادت السلطات أن التفجيرات تم تنفيذها عبر هجمات انتحارية. فيما لم تعلن، لحدود الساعة، أي جهة مسؤوليتها عن هاته الهجماعية الدموية.

خريطة الاستهداف 

وفق معطيات ميدانية، فقد استهدفت الهجمات  ثلاثة مواقع استراتيجية لضمان إيقاع أكبر عدد من الضحايا. 

في هذا السياق، فقد استهدف الهجوم مدخل “مستشفى الجامعة التعليمي”، الأمر الذي أربك عمليات الإغاثة الأولية. فضلا عن استهداف الأسواق الشعبية، عبر سلسلة من التفجيرات التي استهدفت سوقي “بوست أوفيس” و”ماندي ماركت”. وهما من أكثر النقاط ازدحاما في المدينة. وهو ما ادى لوقوع هاته الحصيلة الثقيلة من القتلى التي وصلت، في حصيلة أولية، لـ23 شخصا، فضلا عن إصابة أكثر من 100 آخرين. وسط نداءات استغاثة للتبرع بالدم لمواجهة العجز الطبي.

تأتي هاته الهجمات، في وقت تشهد فيه ولاية “بورنو” تصعيدا عسكريا كبيرا ضد الجماعات المسلحة. أبرزها “بوكو حرام” وتنظيم “ولاية غرب أفريقيا” الموالي لتنظيم الدولة الإسلامية.

تجدر الإشارة، أن الجيش النيجيري سبق وأن أعلن، خلال ذات اليوم، أنه صد هجوما على أطراف “ميدوغوري”. فيما أفاد حاكم الولاية، “باباغانا زولوم”، أن تكثيف العمليات العسكرية في غابة “سامبيسا”، القريبة من المدينة. قد يكون أحد أسباب عودة هذه الهجمات الانتقامية.

مشهد أمني نيجيري معقد 

يرى المحللون أن عودة التفجيرات الانتحارية إلى قلب “ميدوغوري”، بعد فترة هدوء نسبي. تعكس قدرة الجماعات المسلحة على اختراق التحصينات الحضرية. كما أن هاته الاستهدافات عابرة للأديان، إذ تؤكد الوقائع الميدانية أن العنف يضرب المجتمعات المسلمة والمسيحية على حد سواء. الأمر الذي يعمق الجرح الوطني. وما عمق جروح الأزمة القائمة تداخل عوامل الفقر والبطالة مع الأيديولوجيات المتطرفة، ما يجعل الحل العسكري وحده غير كاف لإنهاء دوامة العنف.

جدير بالذكر، أن “ميدوغوري”، كانت مسرحا يوميا للتفجيرات، خلال العقد الماضي. لتعيش فترة من الهدوء النسبي، خلال السنوات الأخيرة. قبل أن تشتعل الأجواء وتتفجر الهجمات بشكل متقطع منذ عام 2021. الأمر الذي يعكس هشاشة الوضع الأمني في المنطقة واستمرار قدرة الجماعات المسلحة على تنفيذ عمليات نوعية رغم الضربات العسكرية المتلاحقة.

كما تزامنت هاته التطورات الأخيرة مع تعزيز التعاون الأمني بين “نيجيريا” و”الولايات المتحدة”. إذ بدأ الجيش الأمريكي نشر قوات لتقديم الدعم الفني والتدريب للجيش النيجيري. فيما نفذت القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا، (أفريكوم)، ضربات جوية بالتنسيق مع السلطات النيجيرية. في مؤشر على اتساع نطاق المواجهة مع الجماعات المسلحة، وتحولها إلى ملف دولي بالغ الحساسية.

يرى خبراء في الشأن الأفريقي، أن الأزمة الأمنية في “نيجيريا” لا تستهدف جماعة دينية بعينها، بل تضرب المجتمعات المسلمة والمسيحية على حد سواء. وهو ما يعكس تعقيد المشهد الأمني والسياسي في البلاد. حيث تتداخل عوامل الفقر والبطالة وضعف التنمية مع الصراعات الإيديولوجية لتغذية دوامة العنف التي لا تلوح في الأفق بوادر لنهايتها.

كما أن ما حدث في “ميدوغوري” يشكل “انتكاسة أمنية” مؤلمة بكل المقاييس. فالعودة لأسلوب الانتحاريين في الأسواق والمستشفيات يعني أن الجماعات المسلحة، رغم تراجعها الميداني في الغابات. لا تزال تملك “خلايا نائمة”، قادرة على ضرب العمق المدني. كما ان المثير للقلق في الحدث هو توقيت الهجمات الذي تزامن مع تعزيز التعاون العسكري مع “واشنطن”؛ وكأن هذه الجماعات تبعث برسالة تحدٍ مفادها أن “التدخل الأجنبي لن يمنعنا من الوصول لقلب المدن”. فالوضع في شمال “نيجيريا” يحتاج، اليوم، إلى مقاربة تتجاوز لغة الرصاص، لتعالج الهشاشة الاجتماعية التي تجعل من الشباب وقودا لهذه العمليات الانتحارية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.