ارتبط الوعي الإنساني منذ تشكله بمحاولة مستمرة لفهم العالم وتسخيره. وقد توزعت هاته المحاولات عبر التاريخ من خلال أنماط تفكير متباينة السياقات. بدأت بـ”التفكير الخرافي” كاستجابة لغموض الطبيعة، ثم “التفكير الديني” كنسق كلياني غيبي، وصولا إلى “التفكير العلمي” القائم على التجربة، و”التفكير الفلسفي” المرتكز على النقد التأملي. ليبقى السؤال الجوهري: أين تلتقي هذه الأنماط؟ وأين تتقاطع مع بعضها في رحلة البحث عن الحقيقة؟.
فمع تشكل الوعي الإنساني، لم تتوقف محاولة الإنسان في فهم العالم والسيطرة عليه وتسخيره لخدمة البشرية. فضلا عن إثارة إشكالية حضور الإنسان ضمن هذا الفضاء.
هنا لا بد من الإشارة، أن حضور أشكال التفكير تختلف باختلاق السياقات التاريخية والثقافية المولدة لها. حيث يتوزع هذا الحضور بين التفكير الخرافي كخلاصة طبيعية للمجتمع البدائي وما يكتنفه من غموض.
كما برز التفكير الديني كتفسير كلياني غيبي منظم للإجابة عن تساؤلات الكون وفك طلاسيم الغموض الذي يكتنفه. ليصل الفكر الإنساني لتشكيل فكر علمي في انسجام مع التطور العلمي الذي عرفه العالم، قائم على التجربة والتفكيك. فما الجامع والمنفصل في أنماط التفكير هاته؟ أين تلتقي وأين تتقاطع؟ وما هي مميزات كل منها؟.
البدايات الأولى لمحاولة فهم الطبيعة والمصير
مع عجز الإنسان عن فهم قوانين الطبيعة، والسيطرة على غضبها، كان لا بد من الاستعانة بأنماط تفكير تعوض هذا العجز. لتشكل بالتالي سندا لدرئ هذا الغضب. من هنا فقد استعان الإنسان بالسحر، الأساطير والاعتقادات الخرافية.
في هذا الشأن يقول “أوغست كونت”: إن الإنسان في بداياته فسر الظواهر تفسيرا خرافيا. في هذا الشأن فقد عزا الإنسان المرض إلى الأرواح وقوة البرق إلى غضب الآلهة.
فالتفكير الخرافي إذن كان انعكاسا لسيطرة سلطة العجز عن فك شفرات قوانين الطبيعة، والخوف من غضب الظواهر الطبيعية. فكان لزاما أما هاته الحالة من البحث عن ملاذ يقيه شر هذا الغضب ويتجاوز من خلاله سلطة العجز التي تحتويه. لذلك استعان بالسحر والأساطير كآلية دفاعية لدرئ هاته المخاوف الوجودية. منطلقا في تحقيق هاته الغاية على العاطفة والخيال.
في هذا السياق، قال السوسيولوجي، “أوغست كونت”، ضمن “قانون الحالات الثلاث”: إن البشرية مرت بمرحلة (لاهوتية/خرافية)، فسرت فيها الظواهر عبر قوى خارقة؛ فعزى المرض للأرواح والبرق لغضب الآلهة.
تفكير عكس العجز البشري ومحدودية العقل في فهم هاته الظواهر والسيطرة عليها. مرتكزا في منطلقاته على العاطفة لمعالجة حالة الخوف التي تلازمه.
سلطة العجز والبحث عن الاطمئنان
مع تطور البشرية في رحلة البحث عن الأسئلة الإشكالية التي تؤرقها، انتقل الفكر الإنساني من البحث عن الاجوبة الخرافية إلى الاستعانة بنسق إيماني منظم. يقدم تفسيرا للكون من خلال جوهر روحي. وذلك اعتمادا على النصوص المقدسة، الطقوس الدينية والإيمان.
في هذا السياق، قال “بول ريكور”: إن “الدين يقدم رموزا للمعنى، لا ينبغي تأويلها حرفيا، بل قراءتها قراءة وجودية”، وهو ما يمنح الإنسان توازنا نفسيا وروحيا.
فاللجوء للدين كان تعبيرا عن حالة العجز التي تكبل الفكر الإنساني. في مضمار تقديم أجوبة عن الأسئلة الوجودية الكبرى التي لا يستطيع العلم الإحاطة بها (الغاية، الأخلاق، الموت…).
كل ذلك من اجل البحث عن الطمأنينة والمعنى أمام حالة العجز التي تحتويه. منتقلا بذلك من حالة العشوائية الخرافية إلى “النسق الإيماني المنظم”، الذي يقدم تفسيرا روحيا للكون. وذلك من خلال الاعتماد على النصوص المقدسة والطقوس، أمام حالة العجز عن الإجابة عن الأسئلة الكبرى، (الموت، الغاية والأخلاق) التي يعجز العلم عن الإحاطة بها.
تقابلات
التفكير العلمي بين القبول ومساءلة الظواهر
يقوم التفكير العلمي على التجربة، الملاحظة والاستدلال. رافضا أي شيء غير قابل للاختبار أو التفنيد.
في هذا الباب قال “كارل بوبر”: إن “ما لا يمكن دحضه ليس علما”. حيث يشتغل هذا النمط من التفكير على التفسير السببي للظواهر الطبيعية، معتمدا على قوانين وقواعد قابلة للتحقق تجريبيا.
ففي هذا النمط من التفكير يسود العقل والنقد، ففيه يتم قطع مع كافة التفسيرات الغيبية الجامدة. متبنيا منهجا يقوم على الملاحظة والمساءلة. مشتغلا على السببية كإطار منهجي. أو “القابلية للتنفيذ”، وفق “كارل بوبر”.
حضور العقل في النقد التأملي
يرتكز التفكير الفلسفي على التأمل النقدي العقلاني. متجاوزا بذلك الوقائع المادية إلى البحث عن المبادئ الناظمة لهاته الظواهر. معتمدا على طرح الأسئلة بدل الاكتفاء بإعطاء الأجوبة.
في هذا السياق، قال “إيمانويل كانط”: “الفلسفة هي علم المبادئ العليا للمعرفة والفعل”. أي أنها تدخل في حوار مع كافة الانماط المعرفية الأخرى في رحلة البحث عن الحقيقة.
فهذا النمط من التفكير يتجاوز الوقائع المادية إلى المبادئ الناظمة؛ وهو ما عبر عنه “كانط” بوضوح، معتبرا أن الفلسة تطرح الأسئلة أكثر مما تقدم أجوبة نهائية.
الجامع والمفارق في الانماط المعرفية
كل هاته الأنماط المرصودة تسعى في عمقها لفهم الإنسان والعالم. من جهة البحث عن الغائية بالنسبة للتفكير الديني والفلسفي. والعقل والتحليل المنطقي بالنسبة للتفكير العلمي والفلسفي. فيما يشترك التفكير الخرافي والديني في حضور المقدس والغيب.
كما تختلف هاته الأنماط في سبل الوصول للمعرفة. فالعلم يعتمد البرهان، الفلسفة تقوم على التأمل والإيمان. أما الدين قيقوم على الاعتقاد، فيما الخرافة تعتمد على التسليم غير المبرر.
أما على الصعيد المنهجي فالعلم يعتمد المنهج التجريبي والدين المنهج التأويلي. فيما تعمد الفلسفة المنهج النقدي أما الخرافة فتقوم على المنهج الحدسي أو الاعتباطي.
كما تختلف هاته الأنماط من جهة الوظائف، حيث أن العلم يسعى للسيطرة على الطبيعة. فيما يمنح الدين الطمأنينة الروحية. بينما تسعى الفلسفة للوصول للفهم، والخرافة لتحقيق الراحة النفسية أو التبرير.
تظهر الدراسات الإبستمولوجية المعاصرة أن الفصل بين هذه الأنماط ليس حديا دائما. فوفقا لإحصائيات معهد “بيو”، فإن 51% من العلماء في بعض المجتمعات يؤمنون بقوة غيبية أو دينية. وهو ما يبرز أن الإنسان المعاصر قد يجمع بين “البرهان العلمي” للسيطرة على المادة، و”الإيمان الديني” لتحقيق التوازن الروحي.
ما يمكن الإقرار به، هو أن أنماط التفكير الإنساني تبقى أدوات تكميلية. فبينما يمنحنا العلم “القوة”، تمنحنا الفلسفة “الحكمة”، يمنحنا الدين “المعنى” وتبقى الخرافة جزءا من تاريخ المحاولة الإنسانية الأولى لفهم المجهول.