“الخميسات” بين عراقة التاريخ ومرارة “الفقر التنموي” المعاش

العدالة اليوم / إبراهيم وريط " الخميسات"

العدالة اليوم / إبراهيم وريط ” الخميسات”

 

تعيش مدينة “الخميسات”، رغم عراقتها التاريخية وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، كحلقة وصل بين قطبين حضريين. على وقع حالة من “الفقر التنموي الشامل” والتدهور الحاد في بنيتها التحتية والبيئية.

وهكذا، وأمام اتساع رقعة البطالة وغياب الأفق الاستثماري يجد، ثالث أكبر إقليم في المملكة من حيث عدد السكان. نفسه خارج سياق النهضة التنموية التي تشهدها مختلف جهات المغرب. وسط اتهامات للمسؤولين المحليين بتبني “سياسة الكراسي الفارغة”، والاكتفاء بالوعود الانتخابية الموسمية.

في هذا السياق، نقف حول معاناة بعض أحياء مدينة “الخميسات” من سيادة التدبير العشوائي. وذلك من جهة افتقارها لبنية تحتية صحية، تعكس صورة سليمة عن واقع المدينة.

فمدينة “الخمسات” بعراقة تاريخها وواقعها الجغرافي المتميز، تجد نفسها تعيش في أثون فقر تنموي شامل. مع تسجيل ارتفاع كبير في نسبة البطالة، خاصة وسط الشباب. فضلا عن معاناتها من نقص في المرافق الصحية الضامنة للأمن الصحي.

الجانب البيئي بدوره، يعتبر الحلقة المفقودة في المدينة. حيث تعيش الساكنة وسط واقع تلوث العديد من أحيائها.

وهنا لا بد من استحضار معاناة الساكنة المجاورة للواد الحار بـ”آيت حدو”، مع الروائح الكريهة المنبعثة من الوادي، المهددة للأمن الصحي للساكنة. فضلا عن المعاناة اليومية من تراكم النفايات، “الأزبال”، وسط تجاهل وممارسة الجهات المختصة سياسة إغماض العين عن هاته المعاناة وتقديم استقالتها الميدانية عن تدبير الشأن المحلي.

وهكذا، فالوضع البيئي في “الخميسات” يعتبر الحلقة الأضعف في منظومة التدبير المحلي، وهو ما تعكسه معاناة ساكنة “آيت حدو” والمناطق المجاورة للواد الحار من معاناة من تلوث مزمن. ناتج عن انبعاث روائح كريهة تهدد الأمن الصحي للساكنة بما تسببه من أمراض تنفسية. فضلا عن أزمة النفايات، وتراكم الأزبال، ضمن نقط سوداء تتوزع وسط الأحياء، في ظل عجز تدبيري واضح لقطاع النظافة. إضافة لغياب رؤية استراتيجية للنهوض بالإقليم، على الرغم من توفره على مؤهلات طبيعية غابوية متميزة.

تجدر الإشارة، أن إقليم “الخميسات” يعتبر مجالا فلاحيا بامتياز. إلا أنه وعلى الرغم من ذلك يعاني من غياب أي إقلاع تمنوي فلاحي. مع تسجيل غياب أي سياسة محلية دامجة تستهدف تحقيق التنمية المحلية ومنح للشباب فرصا للاستثمار في مشاريع صغيرة. بما يحقق الإقلاع التنموي ويساهم بالتالي في الحد من نسب البطالة المرتفعة بالإقليم.

فالواقع الميداني بـ”الخميسات” يتسم بغياب مشاريع استثمارية. من جانب انعدام صناعات تحويلية فلاحية تمنح الشباب فرصا للشغل، أو تعمل على تشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة. فضلا عن افتقار الإقليم لبنيات تعليمية عليا. مع تسجيل ارتفاع كبير في مؤشر البطالة، حيث يسجل الإقليم مستويات قياسية من بطالة الشباب. اتصالا بغياب سياسات دامجة تربط التكوين بمتطلبات السوق المحلية.

وهنا لا بد من الوقوف، على حقيقة أن إقليم “الخميسات”، يعتبر ثالث أكبر إقليم في المملكة المغربية من جهة عدد السكان. إلا أنه يفتقر لمؤسسات للتعليم العالي، أو على الأقل لنواة جامعية. تجنب طلاب الإقليم مضاعفات التنقل ومصاريف الإقامة.

واقع يستوجب إعادة النظر في المنظور التنموي المغيب، وإيلاء هاته الأولويات ما تستحقها. لأن التدبير الترابي لا يمكن اختزاله في صناديق الاقتراع أو الحملات الانتخابية الكلامية أو النفخ في طبول مثقوبة، وهو الواقع المرئي للمواطن بالمدينة. والانتقال لإعداد مخطط استراتيجي تنموي قصير ومتوسط وبعيد الأمد بهدف لجعل الإقليم يواكب النهضة التنموية التي تعرفها مختلف أقاليم المملكة المغربية الشريفة. مع العمل على تحسين البنية التحتية، وتوفير المرافق الصحية والتعليمية الضرورية. فضلا عن دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتشجيع الاستثمار  في الإقليم في القطاعين الفلاحي والصناعي. تعزيزا للتنية الاقتصادية المحلية بما يمكن أن تحمله هاته الاستراتيجية من آثار اجتماعية تحد من نسبة البطالة المرتفعة بالإقليم.

كما أن الوضع البيئي المتدهور، يفرض من موقع المسؤولية، وضع تصور تنموي للرقي بالمدينة وجعلها نموذجا متميزا في هذا الباب. بما يضمن الأمن الصحي ويعزز حضور الإقليم كواجهة حضارية متميزة واستثمار الإمكانات الطبيعية المتوفرة لتعزيز السياحة الإيكولوجية.

تجدر الإشارة، أن الدستور المغربي يؤكد على الحق في العيش في بيئة سليمة، والحق في الصحة. مشددا على التدبير الديمقراطي والحر للشؤون المحلية. كما أن “القانون التنظيمي رقم 113.14″، المتعلق بالجماعات الترابية. يلزم المجالس المنتخبة بإحداث وتدبير المرافق العمومية، ووضع مخططات عمل تنموية، (PCD)، قابلة للتنفيذ. مؤكدا على ضرورة ترسيخ الحكامة الترابية، وفق منظور جديد يقوم على “أنسنة المدن” وتحقيق العدالة المجالية، وهو ما يغيب عن المشهد الحالي بـ”الخميسات”.

إن تجاوز هاته “الطبول المثقوبة” والخطابات الإنشائية الممارسة، يستوجب وضع خارطة طريق ترتكز على مخطط استراتيجي، من خلال إعداد رؤية تنموية ثلاثية الأمد (قريب، متوسط، بعيد) تخرج الإقليم من واقع العزلة الذي يعيش تحت ظله. وإصلاح البنية التحتية، من خلال إصلاح شبكات التطهير السائل والمرافق الصحية لضمان الكرامة الإنسانية. فضلا عن دعم المقاولات وتشجيع الاستثمار في القطاعين الفلاحي والصناعي ودعم المشاريع المبتكرة للشباب “الزموري”.

فالتدبير الترابي لا يمكن اختزاله في صناديق الاقتراع؛ لأن المواطن بمدينة “الخميسات” لم يعد يطالب بالوعود، بل ببيئة سليمة، ومشفى لائق، وجامعة تقي أبناءه ذل التنقل. علما أن “الخميسات” تعتبر واجهة حضارية متميزة تمتلك كل مقومات النجاح. إلا أنها تحتاج إلى “إرادة سياسية” تقطع مع العشوائية وتصالح المدينة مع تاريخها وإمكاناتها. بغاية جعلها شريكا حقيقيا في مغرب الجهوية المتقدمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.