كشفت وزارة العدل في “المغرب” توجهها لتطبيق نهج استراتيجي جديد، قائم على فتح باب التوسع في اعتماد “آلية الصلح” في المادة الجنائية، كبديل للمساطر القضائية التقليدية.
تأتي هاته الخطوة، التي أعلن عنها وزير العدل، “عبد اللطيف وهبي”. في إطار مراجعة شاملة لقانون المسطرة الجنائية. والتي تهدف لتخفيف الضغط المزمن الذي تعاني منه المحاكم المغربية. إضافة لتقليص نسب الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية عبر تفعيل العدالة التصالحية.
في هذا السياق، قال وزير العدل، “عبد اللطيف وهبي”: إن هاته الخطوة تندرج ضمن مراجعة تقوم بها الوزارة لمقتضيات “قانون المسطرة الجنائية”.
تهدف هاته الإصلاحات إلى تكريس مقاربة جديدة ترتكز على جبر الضرر وإعادة التوازن للعلاقات الاجتماعية. بخلاف مقاربة التقليدية القائمة على العقاب.
وتقوم هاته المقاربة على توسيع نطاق ممارستها، لتشمل الجرائم والجنح التي تصل عقوبتها إلى سنتين حبسا. فضلا عن الجرائم القابلة للتسوية، أي الجرائم التي تمس الأفراد بشكل مباشر، (الاعتداءات البسيطة، النزاعات المالية المحدودة). الأمر الذي سيمكن من تسوية مجموعة من النزاعات من خارج المسار القضائي التقليدي.
كما تعمل هاته المقاربة أيضا على تفعيل آليات الوساطة، عبر منح النيابة العامة صلاحية عرض الصلح. مع فتح المجال لإمكانية الاستعانة بوسطاء أو محامين لتقريب وجهات النظر بين الأطراف. فضلا عن تبسيط المساطر المعمول بها في بعض الحالات.
وأوضحت الوزارة أن اعتماد هذا النهج، سيساهم في وقف المتابعة القضائية، أو تنفيذ العقوبة عند التزام الأطراف ببنود الاتفاق. الأمر الذي سيمكن من تقليص عدد القضايا المعروضة على أنظار العدالة وتخفيف الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية.
تجدر الإشارة، أن هذا النهج يهدف لتعديل مقتضيات “الفصل 41 من قانون المسطرة الجنائية” الحالي، ليتماشى مع التوجهات الدولية للعدالة البديلة. فنجاح الصلح والالتزام ببنوده سيؤدي حتما لحفظ الملف أو إيقاف تنفيذ العقوبة. فضلا عن تبسيط المساطر واعتماد إجراءات مرنة بما يسمح للأطراف بتلافي “الزمن القضائي” الطويل. إضافة لضمان السيادة القضائية، من خلال إبقاء الصلح، تحت إشراف النيابة العامة، لضمان عدم المساس بالنظام العام وحقوق الأغيار.
جدير بالذكر، أن هاته الإصلاحات تأتي استجابة لمؤشرات مقلقة كشفت عنها تقارير المندوبية العامة لإدارة السجون، والمجلس الأعلى للسلطة القضائية. والتي تفيد بأن أكثر من 40% من مجموع الساكنة السجنية، تتم متابعتها في قضايا جنحية بسيطة. فضلا عن معاناة المؤسسات السجنية المغربية من ضغط كبير، حيث يتجاوز عدد السجناء 100 ألف سجين. وهو ما يجعل “الصلح” حلا جذريا لتقليص هذا الضغط. كما أن التجارب الدولية أظهرت أن العدالة التصالحية تقلل من “حالات العود” للإجرام بنسبة كبيرة مقارنة بالعقوبات السالبة للحرية.
فهل ينحو المغرب صوب صياغة عقد اجتماعي قضائي جديد؟. من خلال تكريس الصلح واعتماده كوسيلة حضارية لجبر الضرر وإعادة إدماج المخالفين. كما أن التوسع في الصلح الجنائي يؤسس لتحول نحو “أنسنة” القضاء. من خلال منح أطراف النزاع فرصة لطي الخلاف وديا. وهو ما يكرس النجاعة القضائية بما يستجيب لانتظارات المتقاضين في سرعة البت وحفظ الروابط الاجتماعية.