“الخميسات” أنين “زمور” الذي لا يتوقف عن الصراخ لاعنا الإهمال

العدالة اليوم / إبراهيم وريط

العدالة اليوم / إبراهيم وريط

 

ليست مدينة “الخميسات” مجرد نقطة جغرافية على خارطة المملكة المغربية. بل حكاية عراقة كبلتها سلاسل التهميش. وصرخة مكتومة في صدر الزمان تنتظر فجرا يفك قيودها.

اليوم، تقف “عاصمة زمور” وحيدة، مثقلة بمرور السنين التي أرهقتها. تئن تحت وطأة إهمال تنكر أبنائها لها قبل الغرباء. صارخة بصوت مبحوح من شدة الصمت، كأنها لم تكن يوما منبعا للنجاح وصانعة للرجال.

“الخميسات”، مدينة أثقلها الجحود، فأتعبها، فلطمت بصراخها على خدود أبناء عصاة كبلوها بسلاسل الصمت والإهمال. فغدا صوتها مبحوحا من شدة الصراخ الذي ملأ المدى، لكن لا من مجيب. صرخات تتطاير في كل الجهات مسائلة صدر الزمان، منتظرة فجرا يفك قيودها ويعيد للحكاية نبضها.

الآن، ونحن نواسيها في محاولة لمسح الدموع من عينيها. نرجو من كل مسؤول أن يخفف الوطأ عنها. وليتذكر أنه عاش بين أدربها وأزقتها وهضابها وسهولها وجبالها، وتخرج من ثانوياتها إلا أنه تنكر لحليب عطائها.

فقد فتحت المدينة بحب لأبنائها، رغم قسوة الظروف، أبواب الأمل، وهم يغادرونها نحو آفاق أوسع. لكنها اليوم، تقف وحيدة، مثقلة بالتهميش، تئن تحت وطأة الإهمال، كأنها لم تكن يوما منبعا للنجاح وصانعة للرجال.

نواسي المدينة بكلماتنا، إلا أن هاته الكلمات لا تكفي، لأنها محتاجة لمن يعيد لها روحها واعتبارها. لمن يمنحها ما تستحق من عناية واهتمام. فهي محتاجة لمن ينصفها، لا من يمر عليها مرور الكرام، ولا من يتذكرها في المناسبات فقط.

واقع المدينة البئيس والأليم يضع كل أبنائها أمام مسؤولياتهم لرد جزء يسير مما منحته لهؤلاء الناكرين لجميل عطائها.

المؤلم في الحكاية ليس قسوة الظروف الطبيعية، بل قسوة “الجحود”. فكم من مسؤول تربى بين أدربها ونهل العلم من ثانوياتها، وتسلق هضابها وسهولها. حتى إذا ما اشتد عوده واعتلى المناصب، تنكر لحليب عطائها. هؤلاء الذين غادروا نحو “آفاق أوسع” بفضل الأمل الذي فتحته لهم المدينة، يقفون اليوم صامتين أمام نزيفها، ممارسين سياسة “المرور العابر” الذي لا يترك أثرا، ولا يتذكر “الأم الرؤوف” إلا في المناسبات الموسمية أو الحملات الانتخابية الباهتة.

إننا اليوم، لا نكتب لنواسي “الخميسات” بالكلمات فحسب، فالمواساة لم تعد تكفي مدينة يغرق حي “آيت حدو” فيها في روائح التلوث. مفتقرة لأبسط المرافق التي تضمن الأمن الصحي والتعليمي لشبابها. إنها مدينة أثقلها “المرور”؛ مرور المسؤولين الذين لم يمنحوها سوى الوعود. ومرور الزمن الذي جعل بنتيها التحتية أثرا بعد عين.

نعلم جيدا أن الكلمات لا تمسح الدموع إذا لم تتحول إلى معاول بناء؛ و”الخميسات” لا تحتاج لمن يمر عليها مرور الكرام، بل لمن ينصفها ويعيد لها روحها المغتصبة.

ستبقى “الخميسات” شامخة بجبالها وسهولها. لكن شموخها يحتاج إلى “سند” من أبنائها البررة. لقد حان الوقت لتتوقف “طبول الزور” عن القرع، ويبدأ العمل الميداني الذي يعيد للمدينة بريقها، حتى لا يظل صوتها مبحوحا في حضرة التهميش.

هذا ليس مجرد مقال، بل “مرثية مدنية” بليغة تفيض بالحرقة والعتاب، عبارة عن ريشة تدرك جيدا معنى الوفاء للأرض والتمسك بالجذور. نجحت في تحويل “الخميسات” من حيز جغرافي إلى “أُم رؤوف” تعاني جحود أبنائها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.