سلطة القاضي في تقدير الواقع والقانون: بين الحكم والإنصاف

العدالة اليوم

شهدت المحاكم المغربية، كما هو الحال في كثير من الأنظمة القضائية، حالات متباينة في طريقة تعامل القضاة مع ملفاتهم، ما يسلط الضوء على عنصر أساسي في منظومة العدالة: سلطة القاضي في تقدير الواقع وتطبيق القانون.
لقد أكدت التجارب القضائية المختلفة، بما في ذلك المرافعات التي يتولاها قضاة مثل الدكتور عبد الرحمان اللمتوني، الوكيل القضائي للمملكة، على أن القاضي ليس مجرد آلة لتطبيق النصوص القانونية حرفيًا، بل هو مرجع لتفسير الواقع وفق القانون وروح العدالة. فالقاضي، في كل قضية، يواجه مسؤولية مزدوجة: تقدير الوقائع الواقعية التي يرويها الطرفان، وتفسير النصوص القانونية بما يضمن تحقيق العدالة.
في هذا السياق، تتجلى سلطة القاضي في مرحلتين متكاملتين: الأولى تقدير الواقع، حيث يقوم بتحليل الأدلة والقرائن والشهادات، والتمييز بين الحقائق الموضوعية وما قد يكون خيالًا أو ادعاءً. هذه المرحلة تتطلب خبرة قانونية ومعرفة عميقة بأساليب الإثبات، وقدرة على موازنة المصلحة العامة والخاصة. والثانية تقدير القانون، وهي المرحلة التي يحكم فيها القاضي بما يراه متوافقًا مع النصوص القانونية، مع مراعاة المبادئ العامة للعدالة والمساواة.
تجدر الإشارة إلى أن القانون المغربي يمنح القاضي مساحة واسعة من التقدير، لكنه في الوقت نفسه يضع حدودًا دقيقة لضمان عدم الانحراف عن روح القانون. فقد أشار الدكتور عبد الرحمان اللمتوني في عدد من مداخلاته القضائية إلى أن السلطة التقديرية للقاضي ليست مطلقة، بل مشروطة بالثوابت القانونية والمعايير الأخلاقية. هذا التوازن الدقيق يجعل القاضي لاعبًا محوريًا في العملية القضائية، إذ يمكنه أن يوازن بين النصوص الجامدة والواقع المتغير للحياة اليومية، بما يحقق العدالة المنشودة.
الأمثلة العملية كثيرة على قدرة القاضي في تقدير الواقع والقانون، سواء في القضايا المدنية التي تتعلق بالعقود والحقوق العائلية، أو في القضايا الجنائية التي تتطلب قراءة دقيقة للنوايا والأفعال. ومن أبرز التحديات التي تواجه القضاة اليوم الضغط المجتمعي والإعلامي، حيث يحاول البعض فرض نتائج مسبقة على مجريات القضية، مما يجعل التمسك بالموضوعية القانونية مسؤولية ثقيلة على عاتق القاضي.
إن ما يميز التجربة المغربية هو تفاعل القاضي مع القانون بروح واقعية وإنسانية، حيث لا يقتصر الحكم على الجانب المادي للحقائق، بل يتجاوزها ليأخذ بعين الاعتبار تأثير الحكم على حياة الأفراد والمجتمع. وهذا ما يجعل سلطة القاضي في تقدير الواقع والقانون أداة مركزية للحفاظ على العدالة، وضمان احترام الحقوق والحريات، وفي الوقت نفسه صمام أمان ضد التعسف أو التفسيرات المجحفة للنصوص القانونية.
ختامًا، تظل سلطة القاضي في تقدير الواقع والقانون عنصرًا حاسمًا في بناء الثقة في القضاء المغربي. فالقاضي، عبر خبرته وفطنته القانونية، يحقق التوازن بين نصوص القانون ومتطلبات العدالة، ويؤكد أن السلطة القضائية ليست مجرد تطبيق للنصوص، بل هي فن يتطلب الحكمة والموضوعية والشجاعة في اتخاذ القرار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.