في اليوم العالمي للإذاعة: وقفة إجلالٍ للموجات التي صاغت وجداننا

العدالة اليوم: صلاح الطاهري / اليمن

العدالة اليوم: صلاح الطاهري / اليمن

 

ثمة أرواح لا تُبصر إلا بقلوبها، وأجيالٌ كُتب عليها أن تجد ضالتها في الصوت قبل أن تلوث العالمَ صرعاتُ الضوء المنبهر بزيفه.

 

من رحم هذا الشجن نستحضر اليوم العالمي للإذاعة، لا كعرسٍ عابرٍ في مفكرة المواعيد، بل كوقفة إجلالٍ لذلك الأثير الذي صاغ وجداننا، ونقش تضاريس وعينا القومي والإنساني على موجاتٍ كانت تعبر الحدود والمسافات لتستقر في سويداء القلوب.

إن الحكاية مع المذياع ليست مجرد سردية تقنية لوسيلة إعلامية صمدت، بل هي ملحمة جيلٍ كامل اتخذ من حفيف الموجات رداء يقيه صقيع العزلة، ومن نبرات المذيعين مناراتٍ ترشده إلى مرافئ الثقافة والسياسة والأدب الرفيع.

 ففي ذلك الزمن الذي كان فيه المذياع سيد البيت غير المنازع، تعلمنا كيف نكون مخرجين بارعين لأحلامنا؛ نؤثث الغرف بالخيال، ونرسم ملامح الوجوه التي لم نلتقِ بها قط، ونبني للحقيقة قصوراً من صوتٍ لا يشوبه تزييف ولا تجميل.

 لقد كانت الإذاعة هي الصدق في أسمى تجلياته، والرفيق الذي لا يقتحم عليك خلوتك، بل يهمس في أذنك كصديقٍ قديمٍ يدرك أسرار انكساراتك وأفراحك.

مع تلاحق الأعوام وتكالب الوسائط التي تقتات على بصر الإنسان وتستنزف لُبه، بقيت الإذاعة شامخةً بحصافتها المعهودة، لا تلهث خلف بريقٍ زائل، بل تحتفظ بوقارها التاريخي كحارسٍ أمين على الذاكرة الوطنية، وناقلٍ حي لروح الشعوب التي لا تموت.

فهي الوسيلة التي لم تخن صمتنا يوماً، ولم تسلبنا حريتنا في التأمل، بل ظلت هي الجسر الذي يربطنا بجذورنا الضاربة في عمق الأرض حين يعصف بنا ريح الاغتراب الرقمي.

إن ما يجمعنا بهذا الأثير هو عشق لا ينتهي؛ عشق يتجاوز حدود الوظيفة الإعلامية ليصبح رابطا وجوديا وتراجيديا في آنٍ واحد.

إذ كيف لآلةٍ صماء أن تبث فينا كل هذا الدفئ؟ وكيف لتلك الذبذبات غير المرئية أن توحد أمةً من المحيط إلى الخليج خلف كلمةٍ أو قصيدةٍ مغناة أو نداء وطن؟.

 إنها قوة الروح التي تفتقدها خوارزميات الذكاء الاصطناعي وشاشات العرض الباردة؛ فالإذاعة لا تخاطب فينا المستهلك، بل تخاطب الإنسان الكامن في أعماقنا، ذلك الذي لا يزال يهتز لصوت الحق، ويطرب لجمال اللغة، ويحن لزمنٍ كانت فيه الكلمة ميثاقا، والصوت أمانةً ثقيلة تنوء بحملها الجبال.

واليوم، ونحن نقف على أطلال الحداثة الموحشة، ندرك أن المذياع لم يكن يوما مجرد جهاز، بل كان وطنا معلقا في الهواء، يسكننا قبل أن نسكنه، ويحمينا من تيه الضياع في غابات البكسلات المتناثرة.

 ليبقى الأثير هو الملاذ الأخير لكل من أراد أن يستعيد إنسانيته، ويصغي إلى نبض الحياة في أنقى صورها، مؤكدا أن الحناجر الصادقة لا تشيخ، وأن صدى الصوت الأصيل سيظل يتردد في ردهات الخلود مهما تطاولت عليه أزمان الصمت أو ضجيج الآلات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.