المغرب يقود مؤتمر نزع السلاح الأممي

محمد حميمداني

محمد حميمداني

 

يقود “المغرب”، ممثلا بسفيره الممثل الدائم لدى “الأمم المتحدة”، “عمر هلال”. “مؤتمر نزع السلاح” وذلك إلى غاية 13 مارس المقبل. في خطوة تعكس حضوره المتنامي داخل المنتظم الدولي، بوصفه فاعلا ملتزما بقضايا الأمن الجماعي والحوار متعدد الأطراف.

يعد “مؤتمر نزع السلاح” الهيئة متعددة الأطراف الوحيدة التابعة للأمم المتحدة، مقرها “جنيف”. المكلفة بالتفاوض في شأن إبرام المعاهدات الدولية في مجال نزع السلاح. حيث تضم الهيئة في عضويتها 65 دولة، ضمنها القوى النووية الكبرى.

سياق دولي متوتر

خطوة تعكس حضور “المغرب” الفاعل والإيجابي في المشهد السياسي الدولي والتزامه بخدمة القضايا العالمية وقضايا الحوار والأمن الجماعي. كما أنها تعكس مصداقيته لدى المجموعة الدولية، فضلا عن انخراطه ونضاله من أجل بناء وترسيخ عالم خال من الأسلحة الفتاكة وأسلحة الذمار الشامل.

عالم مؤسس على القانون الدولي ومبادئ التعاون والاحترام، مؤمن ببناء سلام عادل، من خلال السعي لإيجاد الحلول المناسبة لمواجهة مختلف التحديات المشتركة.

كما تؤكد هاته الخطوة سعي المملكة المغربية، بتوجيهات سامية من جلالة الملك “محمد السادس”، نصره الله، على العمل لفائدة السلم والأمن الدوليين. كما أنها تعكس مكانة “المغرب” كفاعل إيجابي منخرط بحزم في تعبئة تحرك دولي متعدد الأطراف لفائدة نزع السلاح وترسيخ أسس العدل والسلام. انطلاقا من قناعته بأن الدفاع عن السلم والسلام ونزع السلاح يبقى أولوية تقتضي عملا استباقيا، وكفاحا من أجل جعله عنصرا مركزيا في أجندة الهيئات الدولية، لا سيما الأمم المتحدة.

ما يؤكد أهمية هذا الدور، كون “مؤتمر نزع السلاح” ينعقد هذا العام في ظل أجواء جيوسياسية تتسم بالقلق البارز والبالغ نتيجة تأجج الصراعات وارتفاع منسوب لغة الحروب في مجموعة من مناطق العالم. مع تصاعد التوترات الدولية، وتفاقم الخلافات حتى بين الدول الأعضاء داخل مجلس الأمن الدولي. مع ما يصاحب كل ذلك من تآكل تدريجي لإجراءات بناء الثقة، إلى جانب استمرار ديناميات تسلح تضعف أسس بناء نظام للأمن الجماعي. بالتوازي مع تسجيل ارتفاع غير مسبوق في الإنفاق العسكري العالمي.

تجدر الإشارة، أن تقريرا أعده “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)” عن عامي 2024 و2025، أكد أن الإنفاق العسكري العالمي سجل ارتفاعا تاريخيا قياسيا. حيث بلغ 2.72 تريليون دولار، مسجلا بذلك زيادة بنسبة 9.4% عن عام 2023. وهو أعلى ارتفاع سنوي يشهده منذ الحرب الباردة.

جدير بالذكر، أن “الولايات المتحدة”، “الصين” و”روسيا” تتصدر القائمة في مجال التسلح، مدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية والحروب في أوروبا والشرق الأوسط. وسط توجه أكثر من 100 دولة لزيادة ميزانياتها الدفاعية.

إذن فانتخاب المملكة المغربية لهذا المنصب الهام والحساس ضمن منظومة عمل الأمم المتحدة مطبوع بمميزات خاصة. تقتضي عملا ذؤوبا من أجل توحيد الجهود، لاستعادة مناخ الثقة وتعزيز حوار بناء وشامل بين مكونات الأسرة الدولية لفائدة تحقيق الأمن والسلام. انطلاقا من إيمان المملكة الراسخ بأن الحوار هو الأسلوب الوحيد القادر على تحقيق أهداف هذا المؤتمر.

فمن خلال هاته الرئاسة، يجدد المغرب التزامه بالنهوض بعمل متعدد الأطراف وفعال، قائم على المسؤولية المشتركة والإرادة السياسية، بما يساهم في تحقيق سلام عادل ومستدام.

الواقع الحالي بما يعج به من آلام الحروب وويلات الصراعات المسلحة الدامية يتطلب، أكثر من أي وقت مضى. بدل المزيد من الجهود من أجل استعادة هاته الهيئة قدرتها على المبادرة والتفاوض من أجل تقديم حلول ملموسة للتهديدات المتعددة التي تهدد السلم والأمن الدوليين.

كما تشير تقارير أممية، إلى استمرار تحديات الانتشار النووي، وتعثر المفاوضات في شأن معاهدة حظر إنتاج المواد الانشطارية. وهي من الملفات الأساسية المدرجة على جدول أعمال المؤتمر منذ سنوات.

تبعا لذلك، تنتظر الدبلوماسية المغربية مهام صعبة سيكون مدخلها عقد لقاء وزاري رفيع المستوى خلال الفترة الممتدة ما بين 23 فبرار الجاري وإلى غاية 25 منه. سيجمع نحو 40 شخصية بارزة، ضمنهم عدد من وزراء الخارجية والأمين العام للأمم المتحدة. ما يعكس دينامية الانخراط والأهمية التي يكتسيها إعادة إطلاق الحوار والعمل متعدد الأطراف في مجال نزع السلاح.

تجدر الإشارة أيضا، أن عمل مؤتمر نزع السلاح يستند إلى ميثاق الأمم المتحدة، خاصة المادة 26 منه، التي تحدد دور مجلس الأمن الدولي في وضع خطط لتنظيم التسليح. وذلك بهدف إقامة السلم والأمن الدوليين وتوطيدهما بأقل تحويل ممكن لموارد العالم الإنسانية والاقتصادية نحو التسلح، من خلال لجنة أركان الحرب. بغاية تنظيم التسلح وتعزيز السلم والأمن الدوليين.

كما يشكل المؤتمر منصة تفاوضية لمعاهدات كبرى، ضمنها “معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT)” و”معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية (CTBT)”. على الرغم من أن بعضا من هاته النصوص لم تدخل حيز التنفيذ الكامل بسبب غياب المصادقة الشاملة.

وبهاته المسؤولية تؤكد الدبلوماسية المغربية، تحت قيادة جلالة الملك “محمد السادس”، حفظه الله، التزامها بمبادئ الشرعية الدولية والتعاون متعدد الأطراف. انسجاما مع “الفصل 55 من الدستور المغربي”، الذي ينص على سمو الاتفاقيات الدولية المصادق عليها على التشريعات الوطنية، في نطاق أحكام الدستور وقوانين المملكة.

دلالات الرئاسة المغربية

تحمل هاته المسؤولية الأممية رسائل عدة تنطلق من اقتناع أممي بدور المملكة الجامع وقدرتها على ركوب تحديات خفت الصراعات الدولية المشتعلة في أنحاء عدة من العالم. مؤكدة من خلال هاته الخطوة قدرة المملكة على رفع تحدي تجاوز حالة الجمود التفاوضي الذي عاشه المؤتمر، خلال الفترات الأخيرة. نتيجة تباين مواقف الدول الأعضاء. في رهان قوي من المغرب على استعادة مناخ الثقة وتعزيز الحوار الشامل بين مختلف الأطراف، في مسعى لإعادة الزخم للعمل التفاوضي. منطلقة في ذلك ترسيخ تعددية فعالة ومسؤولة باعتبارها الطريق الأوحد والأمثل لمعالجة التحديات الأمنية العالمية. علما أن موضوع نزع السلاح في شمال إفريقيا مرتبط بإرساء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، وهو هدف تدعمه قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة بشكل دوري. كما يعكس انخراط المغرب في هذه الدينامية سعيه إلى تعزيز صورته كشريك موثوق في قضايا السلم والأمن.

في هذا الشأن، يرى خبراء في العلاقات الدولية، أن الرئاسة المغربية تمثل اختبارا لقدرة الدول المتوسطة على لعب أدوار تيسيرية داخل المنظمات متعددة الأطراف، في ظل احتدام التنافس بين القوى الكبرى.

كما يجدد المغرب من خلال هاته الرآسة، تموقعه داخل هندسة الأمن الدولي، مؤكدا من خلالها أن العمل متعدد الأطراف، القائم على المسؤولية المشتركة والإرادة السياسية، يظل المدخل الأساس لبناء سلام عادل ومستدام في عالم تتزايد فيه المخاطر العابرة للحدود.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.