أكد الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بمدينة “الدار البيضاء”، غرب المغرب. وفاة أحد الأشخاص كان موضوعا تحت تدبير الحراسة النظرية، في إطار بحث قضائي منجز. وذلك خلال الساعات الأولى من صباح أمس الخميس. متأثرا بإصابات خطيرة تعرض لها إثر سقوطه من الطابق الرابع بمقر “الفرقة الوطنية للشرطة القضائية” بالعاصمة الاقتصادية.
واقعة فتحت نقاشا قانونيا وحقوقيا واسعا حول ظروف الاحتفاظ بالأشخاص قيد البحث القضائي وضمان سلامتهم داخل مقرات الأمن. فيما أكدت النيابة العامة بالمغرب فتح تحقيق شامل لكشف جميع ملابسات وفصول هاته الواقعة.
تأكيد وفاة موقوف في ضيافة الشرطة
أفاد بلاغ صادر عن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بمدينة “الدار البيضاء” أن الموقوف أصيب بجروح بليغة بعدما أقدم، مساء الأربعاء 18 فبراير الحالي. على القفز من نافذة بالطابق الرابع خلال وجوده بالمقر الأمني. الأمر الذي استدعى نقله على وجه السرعة إلى المستشفى حيث خضع للإسعافات الضرورية، قبل أن يفارق الحياة، صباح الخميس 19 فبراير الجاري، متأثرا بإصاباته.
تشكيك في فرضية الإقدام على إنهاء الحياة
قال والدا الضحية أثناء ظهورهما في مقطع فيديو متداول عبر منصات التواصل الاجتماعي: إنهما لم يتسلما بعد جثمان ابنهما. مشككين في فرضية إقدامه على وضع حد لحياته.
في هذا السياق، أفاد والد الموقوف بأنه قد سبق لابنه أن وضع شكاية ضد أحد عمداء الشرطة. ملمحا لاحتمال وجود صلة بين استدعائه من طرف الفرقة الوطنية للشرطة القضائية وتلك الشكاية. مضيفا أن المشتكى به سبق له أن حاول إقناع ابنه بالتنازل عن الشكاية، إلا أنه رفض ذلك وتمسك بحقه في المتابعة القضائية.
وأوضح الوالدان أن ابنهما ليس لديه سوابق قضائية، وأنه يتابع دراسته الجامعية في شعبة القانون. مضيفين أنه حاصل على شهادة الماستر في نفس التخصص، مؤكدين عدم علمهما بأسباب توقيفه أو طبيعة مذكرة البحث الصادرة في حقه، معتبرين أن ملابسات القضية ما تزال غير واضحة.
تجدر الإشارة، إلى أن هذا المقطع المتداول على منصات التواصل الاجتماعي قد أثار جدلا واسعا. خاصة وأن والدي الضحية يشككان في فرضية إقدام ابنهما على وضع حد لحياته، مؤكدين عدم استلامهما للجثة وعدم معرفتهما بظروف وأسباب استدعاء ابنهما من قبل الفرقة الوطنية للشرطة القضائية.
وطالبت الأسرة بكشف حقيقة ما وقع كاملة وفي شفافية مطلقة ضمانا لحقها وحق الضحية. وترتيب المسؤوليات القانونية والجزاءات إن ثبت وجود تقصير أو إخلال.
تجدر الإشارة أيضا، أن فصول هاته الواقعة تندرج ضمن المساطر القانونية المؤطرة لظروف البحث التمهيدي، حيث يخضع البحث القضائي لإشراف مباشر من النيابة العامة المختصة، وفق مقتضيات قانون المسطرة الجنائية المغربي، الذي يحدد ضوابط الاستماع إلى المشتبه فيهم وضمان سلامتهم الجسدية والنفسية أثناء الأبحاث.
في هذا الشأن، تنص المواد المنظمة للوضع تحت الحراسة النظرية وفق القانون المغربي، على ضرورة احترام الحقوق الأساسية للأشخاص موضوع البحث، بما في ذلك الحق في السلامة الجسدية، وتمتيعهم بحق الاتصال بالمحامي والعرض على الفحص الطبي عند الاقتضاء.
كما يؤكد الفصل 23 من دستور المملكة المغربية على قرينة البراءة ومنع المعاملة القاسية أو المهينة، إضافة لإلزام السلطات العمومية بحماية سلامة الأشخاص الموضوعين تحت مسؤوليتها.حيث يضمن حماية الحرية الفردية، كما أنه يحظر الاعتقال التعسفي أو السري والاختفاء القسري، معتبرا إياها جرائم خطيرة. كما يوجب ذات الفصل إخبار المعتقل فورا بدواعي اعتقاله وحقوقه، وضمان حقه في المساعدة القانونية، الاتصال بأقربائه، وصون قرينة البراءة وظروف الاعتقال الإنسانية.
واقعة فجرت موجة نقاش قانوني وحقوقي، الأمر الذي يقتضي فتح تحقيق دقيق ومستقل للكشف عن الحقيقة المتصلة بالملف، بالنظر إلى المسؤولية القانونية الملقاة على عاتق السلطات المكلفة بالحراسة. علما أن مجموعة من التقارير المؤسساتية تؤكد جهد المملكة لتعزيز آليات الوقاية داخل أماكن الاحتفاظ بالأشخاص. فضلا عن حماية الحق في الحياة كالتزام أساسي للدولة وفق المعايير الدولية. مع احترام مقتضيات اتفاقية مناهضة التعذيب التي صادق عليها المغرب، والتي تفرض مراقبة فعالة لظروف الاحتجاز وضمان التحقيق في أي حادثة وفاة أو إصابة خطيرة تقع أثناء وجود شخص تحت مسؤولية السلطات العمومية.
حادثة تطفو إلى السطح، على الرغم من الجهود التي تبدلها المملكة، خلال السنوات الأخيرة، من أجل تعزيز آليات المراقبة المؤسساتية عبر زيارات تفقدية لمراكز الاحتفاظ، وتوسيع صلاحيات الهيئات الحقوقية في التتبع والرصد، وفق ما تؤكده تقارير وطنية.
وفي انتظار ما ستسفر عنه الأبحاث الجارية، يبقى الرهان الأساسي منصبا على كشف الحقيقة القانونية الكاملة، بما يوازن بين ضرورة إنفاذ القانون وضمان الحقوق الأساسية للأفراد. مع ضرورة تعزيز الشفافية في مثل هذه القضايا باعتبارها مدخلا لتعزيز الثقة في المؤسسات، خاصة في ظل الاهتمام المجتمعي المتزايد بقضايا العدالة الجنائية وحقوق الإنسان.