الترحال الحزبي يسقط “الباكوري” من رئاسة “رأس العين” بإقليم “الرحامنة”

العدالة اليوم

العدالة اليوم

 

قضت المحكمة الإدارية بـ”مراكش” بتجريد “عبد السلام الباكوري”، من عضوية المجلس الجماعي لـ”رأس العين”، بإقليم “الرحامنة”. مع ترتيب الآثار القانونية المترتبة عن الحكم الصادر. في قضية ترتبط بتغيير انتمائه الحزبي خلال الولاية الانتدابية، بعدما انتقل من حزب “الأصالة والمعاصرة” الذي ترشح باسمه في انتخابات 8 شتنبر 2021، إلى حزب “الحركة الشعبية”.

يعيد الحكم الصادر في سياق انتخابي وسياسي حساس، من جديد. ملف “الترحال الحزبي” داخل المجالس المنتخبة، إلى واجهة النقاش القانوني والسياسي. خصوصا وأن النزاع القائم لا يتعلق بمجرد خلاف تنظيمي داخل حزب سياسي. وإنما بمدى استمرار الصفة الانتخابية لعضو غير انتماءه السياسي الذي حصل بموجبه على مقعده داخل المجلس.

وبحسب منطوق الحكم المتداول، فقد قضت المحكمة بقبول الطلب. وفي الموضوع بتجريد “الباكوري” من عضوية المجلس الجماعي لـ”رأس العين”. مع ترتيب الآثار القانونية، فيما رفضت باقي الطلبات وحملت المدعى عليه الصائر.

تبقى مسألة وصف الحكم بأنه نهائي أو قطعي، مرتبطة بوضعية طرق الطعن والآجال القانونية. ما لم يثبت رسميا استنفادها. وهي نقطة تكتسي أهمية خاصة في التغطية القضائية، تفاديا للخلط بين صدور الحكم وبين اكتسابه الدرجة النهائية.

 خلفية الانتقال من ركوب “الجرار” إلى حصاد “السنبلة”

ترتبط القضية، بقرار “الباكوري” تغيير انتمائه السياسي، خلال الولاية الانتدابية الحالية. من حزب “الأصالة والمعاصرة” إلى حزب “الحركة الشعبية”.

في هذا السياق، ووفق معطيات ذات صلة بالملف. فقد تقدم حزب “الأصالة والمعاصرة” بطلب قضائي لتجريده من عضوية المجلس. في وقت أصبح فيه “الباكوري” محسوبا على حزب “الحركة الشعبية”. واستعداده لخوض الانتخابات التشريعية من بوابة “السنبلة”.

من هنا، فالخلاف انتقل من المجال السياسي والتنظيمي للمجال القضائي. ليصبح بالتالي السؤال المرجعي المطروح أمام المحكمة ذا صلة: بما إذا كان تغيير الانتماء الحزبي، خلال مدة الانتداب، يمكن أن يترتب عنه قانونا فقدان العضوية في المجلس الجماعي.

هنا تكمن أهمية الملف، لأن العضوية الجماعية ليست مجرد موقع تنظيمي داخل حزب، وإنما صفة انتخابية ترتبط بنتائج اقتراع وإرادة ناخبين.

متى يصبح تغيير الحزب سببا لفقدان العضوية؟

تنظم “المادة 51 من القانون التنظيمي رقم 113.14″، المتعلق بالجماعات هاته الوضعية. التي تقرر تجريد العضو المنتخب بمجلس الجماعة من صفة العضوية. إذا تخلى، خلال مدة انتدابه، عن انتمائه الحزبي الذي ترشح باسمه.

كما تمنح ذات المادة الاختصاص للمحكمة الإدارية للبت في طلب التجريد. ما يجعل المسألة خاضعة لرقابة القضاء وليس لقرار حزبي داخلي فقط.

إذن، فهاته المادة، تؤكد على تجريد أي عضو من عضويته بمجلس الجماعة، إن تخلى عن انتمائه الحزبي السياسي، الذي ترشح باسمه خلال مدة الانتداب. مشددا على أن دعوى التجريد تقام إما من طرف الحزب السياسي للحزب الذي ترشح المعني بالأمر باسمه، أو من طرف رئيس المجلس الجماعي. مانحة صلاحية الحسم في النازلة للمحكمة الإدارية، القضاء الاستعجالي. للبث في طلب التجريد داخل أجل محدد لا يتجاوز شهرا واحدا.

تبعا لهذ الحكم، يصبح المعني بالأامر، في وضعية انقطاع عن مزاولة مهامه بعد صدور الحكم النهائي بالتجريد. ما يستوجب تعويضه أو انتخاب مكتب جديد عند الاقتضاء.

تكمن فلسفة هذا المقتضى، في محاولته حماية الصلة بين الترشيح الحزبي والتمثيلية الانتخابية. ومنع تحول المقعد الذي حصل عليه المرشح باسم حزب معين إلى ملكية سياسية منفصلة عن الإطار الذي ترشح من خلاله.

غير أن المسألة لا تختزل في علاقة تعاقدية بين المنتخب وحزبه. لأن هناك أيضا مبدأ دستوريا يتعلق بحرية الانتماء السياسي والاختيار السياسي، وهو ما جعل المشرع والقضاء مطالبين بالموازنة بين حماية الإرادة الانتخابية وبين ضمان الحقوق والحريات السياسية.

المجلس الدستوري وحسم جانب من الإشكال

سبق للمجلس الدستوري، أثناء نظره في القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات. أن تعامل مع مقتضيات “المادة 51″، مثيرا أهمية التقيد بالضمانات الدستورية في مسطرة التجريد.

وهنا لا بد من التوضيح، أن من أبرز ما كرسته الرقابة الدستورية، أن إنهاء الانتداب الانتخابي عن طريق التجريد، ليس إجراء يمكن أن يتم بصورة آلية لمجرد إرادة الحزب. وإنما ينبغي أن يستند إلى مقتضى قانوني واضح، وإلى مسطرة تحترم اختصاص القضاء.

خلفية تجعل حكم المحكمة الإدارية بـ”مراكش” أكثر من مجرد نزاع حول منصب رئيس جماعة. لأنه يدخل في إطار أوسع، متصل بحدود الانتماء الحزبي للمنتخب أثناء ممارسة انتدابه.

التجريد ليس عزلا

من الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها التغطية الإعلامية لهذا النوع من الملفات، استعمال كلمتي “التجريد” و”العزل” في نفس السياق، أي باعتبارهما مترادفين. لكن في الحقيقة هما مساران قانونيان مختلفان.

من هنا، فالتجريد من العضوية، في الحالة التي تنظمها المادة 51، يرتبط أساسا بتخلي المنتخب خلال مدة الانتداب. عن الانتماء للحزب الذي ترشح باسمه.

أما “العزل”، فيرتبط بمخالفات أو أفعال يمكن أن تنسب إلى رئيس المجلس أو أحد أعضائه. حيث تخضع لمسطرة أخرى ينظمها القانون التنظيمي للجماعات.

كما تنص “المادة 64 من القانون التنظيمي رقم 113.14″، على مسطرة خاصة، عندما يتعلق الأمر بأفعال مخالفة للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل، أو بأفعال تضر بأخلاقيات المرفق العمومي ومصالح الجماعة.

الأمر ها هنا، يتعلق بارتكاب عضو من أعضاء المجلس الجماعي، (أو الرئيس)، أفعالا مخالفة للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل، تضر بأخلاقيات المرفق العمومي ومصالح الجماعة.

في هاته الحالة يطلب عامل الإقليم أو العمالة أو والي الجهة، أو من ينوب عنه. توضيحا وتفسيرا كتابيا من المعني بالأمر حول الأفعال المنسوبة إليه داخل أجل محدد. فإذا تبين أن تلك الأفعال المرتكبة تبرر العزل، يحيل العامل الملف إلى المحكمة الإدارية المختصة طلب عزل المعني بالأمر. الأمر الذي يترتب عنه إصدار قرار بتوقيف المعني بالأمر مؤقتا عن ممارسة مهامه، إلى حين البت في طلب العزل. مع التوضيح أن هذا القرار لا يشمل توقيف المهام الانتخابية الأخرى، التي لا علاقة لها بالفعل موضوع المتابعة، حسب التفسيرات القضائية والإدارية.

هذا التمييز ليس شكليا، لأن سبب التجريد في ملف “الباكوري” لا ينبغي أن يقدم إعلاميا على أنه عقوبة تأديبية، أو إدانة بسبب سوء تدبير. ما لم يثبت ذلك في الحكم نفسه.

تكشف هاته القضية، أيضا، عن الدور المتزايد للقضاء الإداري في ضبط العلاقات داخل المجالس المنتخبة. فبعد أن كانت العديد من النزاعات السياسية، تنتهي داخل الهياكل الحزبية أو عبر التفاوض. أصبح القانون يضع عددا من القضايا المرتبطة بالعضوية أو الرئاسة أو تنازع المصالح أمام القضاء. باعتباره الجهة المخولة للحسم في مدى احترام القواعد القانونية.

في هذا السياق، فإن تدخل القضاء لا يعني بالضرورة الاصطفاف مع طرف سياسي ضد آخر. وإنما يفترض أن ينصب على مشروعية الوضعية القانونية للمنتخب، وبالتالي مدى انطباق النصوص المنظمة على الحالة المعروضة عليه.

من هنا، تأتي أهمية الأحكام القضائية في تحويل الخلاف السياسي إلى مسألة قابلة للفحص وفق النصوص والأدلة والإجراءات.

“الرحامنة” ورحلة الملفات القضائية

يأتي حكم تجريد “الباكوري” من مهامه، ضمن عدد من الملفات حسم فيها القضاء، خلال السنوات الماضية. وإن كانت أسبابها القانونية مختلفة.

من أبرز هاته الملفات،  ملف رئيسة جماعة “بن جرير” السابقة، “بهية اليوسفي”، ونائبها الثاني. حيث أحيل الملف على القضاء الإداري في إطار مسطرة مرتبطة بتدبير شؤون الجماعة، قبل أن تصدر المحكمة الإدارية بمراكش حكما قضى بعزلهما.

تختلف هاته القضية، من الناحية القانونية، عن ملف جماعة “رأس العين”. لأن الأولى ارتبطت بمسطرة “العزل” فيما الثاثانية متصلة بمسطرة “التجريد” من العضوية.

هذا الاختلاف يؤكد أن تعدد الأحكام القضائية داخل الإقليم، لا يعني بالضرورة وجود سبب قانوني واحد يجمع بينها.

“سيدي بوعثمان”: تضارب المصالح يفجر ملفا قضائيا من فصل جديد

في ملف آخر، برزت قضية رئيس جماعة “سيدي بوعثمان”، “طارق طه”. التي ارتبطت بنزاع حول تضارب المصالح.

وكان القضاء الإداري، قد نظر في طعن يتعلق بقرار ضمني لعامل الإقليم، بعدم اتخاذ إجراءات العزل. قبل أن تدخل القضية مرحلة الاستئناف الإداري.

يقدم هذا الملف، نموذجا آخر لطبيعة المنازعات التي يمكن أن تنشأ حول تدبير الجماعات الترابية. حيث لا يكون موضوع النزاع دائما متصلا بإسقاط العضوية مباشرة. وإنما قد يتعلق بمشروعية قرار إداري، أو بمدى توفر الشروط القانونية لتحريك مسطرة العزل.

الاستقالة: منحى آخر بعد التجريد والعزل

في سياق مختلف، قدم عبد “الحق فائق”، الرئيس السابق لجماعة “سيدي عبد الله”، والبرلماني السابق، خلال شهر غشت من عام 2026. استقالته، من مهامه عبر منصات التواصل الاجتماعي.

هنا تحضر الاستقالة التي تختلف من حيث طبيعتها القانونية عن “التجريد” و”العزل”. فالاستقالة تعبر عن إنهاء طوعي للمهام وفق الشروط والإجراءات التي يحددها القانون. فيما التجريد والعزل يرتبطان بمسطرتين قانونيتين مختلفتين، لا تقومان على الإرادة المنفردة للمنتخب.

من هنا، فإن وضع الحالات الثلاث في خانة واحدة، قد يؤدي إلى قراءة غير دقيقة للمشهد السياسي والقانوني داخل الجماعات الترابية.

ما معنى حكم التجريد بالنسبة لرئاسة “رأس العين”؟

النتيجة المباشرة لحكم التجريد، هي فقدان المعني بالأمر صفته كعضو في المجلس. وهو ما يترتب عنه قانونا أثر مباشر على إمكانية استمراره في ممارسة رئاسة المجلس، باعتبارها مبنية على العضوية.

لكن تفاصيل المرحلة التالية تظل مرتبطة بتنفيذ الحكم. وأيضا بالوضعية القضائية النهائية للملف. ثم بتطبيق المقتضيات التي ينص عليها القانون التنظيمي للجماعات، بخصوص شغور العضوية والرئاسة وتدبير المجلس في المرحلة الانتقالية.

تبعا لذلك، فإن المعركة القانونية لا تنتهي بمجرد صدور الحكم. إذ تبدأ بعدها مرحلة ترتيب الآثار القانونية والمؤسساتية الواجبة اتجاه جماعة “رأس العين”.

إلا أن الملف يكتسب أهمية سياسية إضافية، بالنظر اقترانه بالاستحقاقات التشريعية، المقررة في 23 شتنبر 2026. فإذا كان “الباكوري” يستعد لخوض الانتخابات باسم حزب جديد. فإن إسقاط عضويته من المجلس الجماعي يفتح نقاشا آخر، حول العلاقة بين الوضعية الانتدابية المحلية والاستحقاق التشريعي المقبل. مع ضرورة التمييز بين الأهلية للترشح للانتخابات التشريعية، وبين فقدان العضوية في مجلس جماعي بسبب تغيير الانتماء الحزبي.

فكل واحدة من الوضعيتين تخضع لشروط ونصوص قانونية مختلفة. وبالتالي لا ينبغي استنتاج أثر انتخابي تلقائي من حكم يتعلق بالعضوية الجماعية. إلا بناء على النصوص المنظمة للانتخابات التشريعية ووضعية المعني بالأمر القانونية.

حرية المنتخب والانضباط الحزبي أية مسافة؟

تعيد قضية “رأس العين” سؤالا سياسيا وقانونيا متجددا مفاده: هل المنتخب ممثل للحزب الذي ترشح باسمه، أم ممثل للناخبين الذين منحوه أصواتهم، أم أنه يجمع بين الصفتين؟.

الإجابة في النظام القانوني المغربي ليست بسيطة؛ فالانتخاب يتم في إطار تعددية حزبية، لكن المنتخب يظل في الوقت نفسه ممثلا للمواطنين داخل مؤسسة منتخبة.

من هنا، جاءت قواعد التجريد من العضوية لتضع حدودا معينة أمام تغيير الانتماء الحزبي أثناء الولاية. على اعتبار أن تغيير الحزب قد يؤثر في التوازنات التي أفرزها الاقتراع.

تبقى العبارة الأشهر في الفقه السياسي الديمقراطي: “الانتخابات لا تمنح السلطة فقط، بل تمنح أيضا مسؤولية احترام إرادة الناخبين”. وهي قاعدة معنوية تكتسب أهمية خاصة عندما يصبح الانتماء الحزبي نفسه جزءا من المعطيات التي صنعت الاختيار الانتخابي.

هل يفتح الحكم الباب لمرحلة جديدة؟

فيما تترقب الأوساط السياسية والمحلية بإقليم “الرحامنة” مآل الحكم وإجراءات تنفيذه. فإن قضية عبد السلام “الباكوري” تضع ملف الترحال الحزبي أمام اختبار قضائي جديد. لأن المسألة، ها هنا، لم تعد مجرد انتقال من حزب إلى آخر. بل أضحت مرتبطة بسؤال قانوني واضح مفاده: ما حدود قدرة المنتخب على تغيير موقعه السياسي مع الاحتفاظ بالمقعد الذي حصل عليه باسم حزب آخر؟.

هكذا، فبين نص القانون وسلطة القضاء وحسابات السياسة، تبدو الرسالة الأبرز من ملف “رأس العين” أن العضوية داخل المجالس المنتخبة ليست وضعية سياسية محضة. بل مركز قانوني تحكمه شروط ومساطر وآثار محددة.

ليبقى القضاء، في النهاية، هو الفيصل في تحديد مدى انطباق النص القانوني على كل حالة. فيما تظل الأحزاب السياسية والمنتخبون أمام مسؤولية أكبر في احترام قواعد المنافسة السياسية والتمثيلية التي تبدأ من صناديق الاقتراع ولا تنتهي بمجرد إعلان النتائج.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.