إيطاليا: شرطي متخف يطيح بـ”إمبراطورية” تلغرام

حميمداني محمد

حميمداني محمد

أعلنت السلطات الإيطالية عن توقيف 17 شخصا، يشتبه في تورطهم في إنتاج وتداول وتوزيع مواد مرتبطة بالاستغلال الجنسي للأطفال عبر تطبيق تلغرام. 

تأتي هاته التوقيفات في إطار عملية أمنية وقضائية واسعة، استهدفت شبكة إجرامية عابرة للحدود. فيما تم اعتباره واحدة من أبرز القضايا التي كشفت عن توظيف منصات رقمية مشفرة وشبكات دفع بالعملات الرقمية لتوسيع هذا النوع من الجرائم خارج الحدود.

في هذا السياق، أوضحت النيابة العامة في روما، أن عملية التوقيف استهدفت  شبكة دولية، يوجد مقرها في إيطاليا. كانت تتداول عبر تطبيق تلغرام  محتويات مرتبطة بالاعتداء الجنسي على الأطفال.

العملية الأمنية الناجحة نفذها شرطي إيطالي  بطريقة سرية، حيث تمكن من كسب ثقة أعضاء الشبكة. وبالتالي الوصول لقنواتها الخاصة بصفته أحد المشرفين. ما مكن المحققين من  تتبع نشاط المجموعة وبالتالي توقيف عناصرها.

وقد ضبطت السلطات الأمنية بحوزة الشبكة، نحو 283 غيغابايت من المواد، تضم أكثر من 22 ألف مقطع فيديو و34 ألف صورة لأطفال، بعضهم في الرابعة من العمر.

التحقيقات المنجزة أظهرت أن المجموعة المسماة  New Sagaتضم أكثر من ألف مستخدم حول العالم. وتشترط دفع مبالغ صغيرة بعملات مشفرة، أو تقديم محتويات جديدة مقابل الحصول على صلاحية الدخول.

وقد مكنت الأبحاث المنجزة من قبل السلطات من تحديد 996 حسابا مرتبطا  بحوالي 98  دولة حول العالم. جرى تبادل المعلومات في شأنها مع أجهزة أجنبية مختلفة.

وأفاد ذات المصدر، أن التحقيقات حول عمل هاته الشبكة بدأت عام 2024، إثر تلقي السلطات الإيطالية معلومات عن أنشطتها. قدمتها وكالة التحقيقات التابعة لـوزارة الأمن الداخلي الأمريكية.

العملية، التي حملت اسم فلاي تراب، (Fly Trap). جاءت كثمرة لهذا التحقيق الطويل. والذي تم بتنسيق تام بين المديرية الإقليمية لمكافحة المافيا في روما وشرطة البريد والأمن السيبراني الإيطالية. بناء على معلومات قدمتها وكالة التحقيقات، التابعة لـوزارة الأمن الداخلي الأمريكية، Homeland Security Investigations (HSI). في شأن وجود مجموعة خاصة على تلغرام تحمل اسم New Saga.

في سياق متصل، أكدت السلطات الإيطالية، أن هاته المجموعة تحولت لمجتمع رقمي مغلق، يضم أكثر من ألف مشارك من دول مختلفة. فيما حدد المحققون وجود 996 حسابا مرتبطا بـ98 دولة. تمت إحالة بياناتها إلى سلطات أجنبية عبر قنوات التعاون الشرطي والقضائي الدولي، ضمنها يوروبول والإنتربول.

شرطي متخف داخل الشبكة فك الطلاسيم 

على طريقة الأفلام الهوليودية، فقد جاء تنفيذ هاته العملية النوعية، بعد أن تمكنت المصالح الأمنية الإيطالية من الوصول إلى قلب المجموعة. عبر زرع أحد عناصرها درخلها لمدة تقارب عاما واحدا. ما مكنه من بناء ثقة تدريجية مع القائمين على المجموعة، إلى أن وصل إلى مستوى أوسع وأعمق. إذ أصبح أحد المشرفين على القنوات الخاصة للمجموعة.

طريقة مكنت المحققين من إعادة بناء الهيكل الداخلي للشبكة، وتحديد أدوار المشاركين وطرق إدارة المحتوى والمستخدمين. فضلا عن رصد القنوات التي كانت تستخدم للتنسيق الداخلي بعيدا عن القنوات العامة.

ووفق المعطيات التي أعلنتها الشرطة الإيطالية، فقد كان القائمون على الشبكة يستخدمون مجموعات خاصة للتواصل والتنظيم. ضمنها قناة حملت اسم La Sala dei Re، أي “قاعة الملوك. كما استعانت المجموعة بأدوات تقنية وحسابات آلية وخوادم افتراضية للحفاظ على استمرارية الشبكة وإدارة المستخدمين، حتى في حال إغلاق بعض القنوات.

ضبط 283 غيغابايت من المواد

خلال فترة الاختراق والتحقيق، تمكنت الشرطة من الحصول على ما يقارب 282.9 غيغابايت من المواد غير القانونية. ضمنها أكثر من 22 ألف مقطع فيديو و34 ألف صورة لأطفال، وفق بيانات الشرطة الإيطالية والنيابة العامة في روما.

كما أفادت التحقيقات المنجزة بوجود أطفال في سن الرابعة من بين الضحايا الذين ظهرت صورهم في المواد المضبوطة.

وأوضحت ذات التحقيقات أن المجموعة تلزم الأعضاء على دفع مبالغ محدودة من العملات المشفرة. تم وصفها وسط المجموعة بالتبرعات. أو تقديم مواد جديدة للحصول على حق الولوج أو البقاء ضمن هذا المجتمع المغلق. فيما تحدثت السلطات عن مبالغ تراوحت ما بين 3 و9 دولارا تقريبا.

تبرز هاته المعطيات، أن الشبكة لم تكن مجرد تجمع عشوائي لمستخدمين، بل كانت، وفق توصيف المحققين. منظمة ذات بنية داخلية وأدوار إدارية وآليات لإدارة الأعضاء والمحتوى والحفاظ على استمرارية النشاط الرقمي.

توقيفات وتفتيشات طالت عدة مناطق 

على هامش هاته العملية النوعية، نفذت السلطات الإيطالية مجموعة من التدابير طالت عدة مناطق. ضمنها “لومبارديا”، “فينيتو”، “بوليا” و”كامبانيا”. فيما شارك في هاته الأعملية الأمنية أكثر من 100 عنصر من “شرطة البريد”، إلى جانب الشرطة العلمية. حيث أسفرت عمليات التفتيش عن ضبط نحو 200 جهاز إلكتروني.

وبحسب النيابة والشرطة الإيطاليتين، فقد طالت هاته التوقيفات أشخاصا يشتبه في اضطلاعهم بأدوار إدارية داخل الشبكة. إلى جانب مستخدمين تم العثور بحوزتهم على كميات كبيرة من المواد غير القانونية. مضيفة أن التعاون الأمني امتد إلى سويسرا، حيث ساعدت السلطات المحلية في تحديد أحد المشتبه في تورطهم في إدارة الشبكة.

مباشرة تحقيقات عابرة للحدود 

بدأت فصول القصة، مع تلقي السلطات الأمنية الإيطالية عام 2024 معلومات قدمتها Homeland Security Investigations الأمريكية، تفيد بوجود مجموعة تسمى New Saga تنشط عبر تلغرام.

التحقيقات المنجزة عقب ذلك، أظهرت أن نشاط المجموعة يتجاوز الحدود الإيطالية. الأمر الذي دفع لتوسيع قاعدة التعاون مع أجهزة إنفاذ القانون في دول أخرى.

في هذا الشأن، أعلنت السلطات الإيطالية أن بيانات 996 حسابا مرتبطة بـ98 دولة تم إرسالها للجهات المختصة في الخارج. مضيفة أن التعاون الدولي أفضى لإجراءات واعتقالات أخرى وإغلاق الشبكة.

جانب مهم يبرز الطبيعة العابرة للحدود للجرائم المرتبطة بالاستغلال الجنسي للأطفال عبر الإنترنت. حيث يمكن أن يكون مشغلو الشبكة في بلد، والمنصة الرقمية في فضاء عابر للحدود. فيما الضحايا والمستخدمون في دول مختلفة.

تجدر الإشارة أيضا، أن إيطاليا تتعامل مع إنتاج واستغلال وتوزيع المواد الإباحية، المتصلة بالأطفال، باعتبارها جرائم خطيرة. 

في هذا السياق، تعاقب المادة 600- ثالثا Ter، من قانون العقوبات الإيطالي، (Codice Penale). المتعلقة باستغلال الأطفال في مواد إباحية طفيفة بعقوبات سجنية. فيما تشدد ذات المادة العقوبات إن تم ارتكاب الجرم في حق قاصرين، أي دون سن 18 عاما. وذلك بغاية مواجهة استغلال الأطفال عبر الإنترنت.

النيابة تعرض حجم القضية 

وصف المدعي العام في روما، فرانشيسكو لو فوي. القضية بأنها تكشف عن تجارة بغيضة في حق القاصرين. مبرزا أن التنظيم كان يتمتع ببنية تشبه، في نظر المحققين، بنية شركة متعددة الجنسيات. مع وجود أشخاص يتولون وظائف إدارية محددة داخل الشبكة. مشددا على أهمية عملية الاختراق التي نفذها الشرطي المتخفي. الأمر الذي مكن من الوصول للبنية الداخلية للمجموعة.

في هذا الشأن، قال لو فوي: إن الطبيعة الدولية للشبكة جعلت التعاون مع أجهزة الشرطة والسلطات القضائية الأجنبية عنصرا أساسيا في التحقيق. لا سيما فيما يتصل بتحديد الضحايا المحتملين والعمل على إخراجهم من دوائر الاستغلال التي ظهرت في القضية.

التحقيق لا يزال مفتوحا فماذا سيكشف من معطيات جديدة؟ 

من الناحية القانونية، لا يمكن اعتبار التوقيفات التي تمت صك إدانة، ما لم تثبت المسؤولية الجنائية في حقهم. إذ تظل الاتهامات خاضعة لمراحل التحقيق والمحاكمة والضمانات الإجرائية، المنصوص عليها في القانون الإيطالي.

في هذا الصدد، تؤكد المعطيات المعلن عنها، أن الملف لم ينتهِ عند حدود الأشخاص الذين تم توقيفهم من قبل السلطات. حيث لا تزال البيانات التي جرى تبادلها بشأن الحسابات المرتبطة بالشبكة، قيد المتابعة مع أجهزة دولية.

تبعا لذلك، فقد تحولت فلاي تراب من تحقيق محلي، بدأ بمعلومة أمريكية، إلى ملف شمل العديد من الدول. حيث تتداخل في القضية، التحقيقات الرقمية والعمل السري والتحليل الجنائي للأجهزة والبيانات. كل ذلك في إطار تعاون شرطي وقضائي عابر للحدود.

قضية تكشف عن جانب شديد الحساسية من الجرائم الرقمية. حيث أن التقنيات التي تتيح إنشاء مجتمعات مغلقة وتحويل العملات الرقمية وإدارة المستخدمين عن بعد. قد يتم استغلالها في أنشطة إجرامية عابرة للحدود. ما يجعل تفكيكها مرتبطا بقدرة أجهزة إنفاذ القانون على الجمع بين التحقيق التقليدي، والعمل الاستخباراتي الرقمي، والاختراق السري، والتعاون الدولي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.