استئنافية “الرباط” تؤيد الحكم الابتدائي في حق “بن نسناس” وتغلق قنواته الرقمية

العدالة اليوم

العدالة اليوم

 

لم يقتصر القرار الاستئنافي الصادر بـ”الرباط”، في قضية صانع المحتوى المعروف بلقب “بن نسناس” على تثبيت العقوبة الحبسية والغرامة المالية. بل امتد، لإقرار تدابير إضافية تستهدف نشاطه الرقمي.

وقد شملت هاته الإجراءات إغلاق قنواته على مواقع التواصل الاجتماعي، مع منعه من ممارسة صناعة المحتوى لمدة ثلاث سنوات.

وهكذا، فقد قضت محكمة الاستئناف بمدينة “الرباط”، في وقت متأخر من ليلة الاثنين إلى الثلاثاء. بتأييد الحكم الابتدائي الصادر في حق “بن نسناس”، والقاضي بإدانته بثمانية أشهر حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها 20 ألف درهم.

قرار قضائي يعيد النقاش المتصل بالمسؤولية القانونية لصناع المحتوى وحدود الممارسة الرقمية عندما تتحول المواد المنشورة لموضوع متابعة قضائية.

يكتسي هذا القرار أهمية خاصة بالنظر لطبيعة التدابير المعلن عنها، التي لم تقف عند حدود العقوبة السالبة للحرية والغرامة. بل امتدت إلى النشاط الذي يمارسه “بن نسناس” عبر المنصات الاجتماعية. 

تعود تفاصيل هاته القضية لمقطع فيديو ارتبط بواقعة سلخ كلب نافق بمناسبة عيد الأضحى. وهي الواقعة التي أثارت موجة من الانتقادات والتفاعلات عبر مواقع التواصل الاجتماعي. إذ أعادت إلى الواجهة النقاش المفتوح في شأن طبيعة المحتوى المتداول رقميا، وحدود المسؤولية المترتبة على نشره. مع التمييز بين حرية التعبير والأفعال التي قد تندرج ضمن مقتضيات التجريم القانوني.

تجدر الإشارة، أن المحكمة الابتدائية بمدينة “تمارة” كانت قد أصدرت، في يوليوز الماضي. حكما قضى بإدانة “بن نسناس” بثمانية أشهر حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها 20 ألف درهم. بعد أن قضت بعدم مؤاخذته من أجل تهمة قتل أو بتر حيوان دون ضرورة. مكتقية بإدانته من أجل الإساءة إلى الدين الإسلامي والتهديد بارتكاب جنحة.

يفرض هذا التفصيل التمييز بين الأسس التي اعتمدتها المحكمة لإصدر قرارها بالإدانة، وتلك التي لم تثبت في حق المعني بالأمر وفق الحكم الابتدائي. اعتبارا لكون المسؤولية الجنائية تظل مرتبطة بالأفعال الثابتة والأدلة المعروضة والتكييف القانوني الذي تعتمده المحكمة، وليس بحجم الاستنكار الذي تثيره القضية في الفضاء العام.

تجدر الإشارة، أن التجريم المتعلق بالإساءة للدين الإسلامي، يتصل بمقتضيات “الفصل 267-5 من مجموعة القانون الجنائي المغربي”. الذي ينص على العقوبات المتعلقة بالإساءة إلى ثوابت المملكة أو التحريض ضد وحدتها الترابية. محددا العقوبة الأساسية في الحبس من ستة أشهر إلى سنتين، مع غرامة مالية تتراوح بين 20,000 إلى 200,000 درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين. فيما تشمل الأفعال المجرمة، كل من أساء إلى الدين الإسلامي، النظام الملكي أو حرض ضد الوحدة الترابية للمملكة. وتشدد هاته العقوبة للسجن من سنتين إلى خمس سنوات، وغرامة من 50,000 إلى 500,000 درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين. إذا اقترن ارتكاب هاته الجريمة بالخطب أو الصياح أو التهديدات المتفوه بها في الأماكن والتجمعات العمومية، الملصقات المعروضة على أنظار العموم، البيع أو التوزيع أو أو نقلها عبر أي وسيلة تحقق شرط العلنية، بما في ذلك الوسائل الإلكترونية، الورقية، والسمعية البصرية. فيما يتحدد الإطار القانوني للتهديد بحسب طبيعة الأفعال المنسوبة إلى المتهم ومضمونها والظروف المحيطة بها. ليظل تطبيق هاته المقتضيات خاضعا لشروطها القانونية ولما يثبته الملف القضائي.

أما التدابير التي تستهدف قنوات المعني بالأمر ونشاطه في صناعة المحتوى، فتفتح نقاشا موازيا بشأن حدود الجزاءات التي يمكن أن تطال الحضور الرقمي للأفراد. فإغلاق قناة محددة ليس بالضرورة مرادفا للمنع من استعمال جميع منصات التواصل الاجتماعي. كما أن نطاق المنع ومدته والحسابات المشمولة به لا يمكن تحديدها بدقة إلا بالرجوع لمنطوق القرار القضائي.

قضية تكشف، في بعدها الأوسع، عن التحول الذي باتت تعرفه العلاقة بين صناعة المحتوى والقانون. إذ لم تعد المنصات الرقمية فضاءات منفصلة عن القواعد القانونية العامة، ولا يمنح الانتشار أو عدد المتابعين حصانة من المساءلة.

في المقابل، لا يجوز تحويل ردود الفعل الشعبية إلى أحكام مسبقة، أو اعتبار الجدل الذي يرافق محتوى معينا دليلا قائما بذاته على ارتكاب جريمة.

هكذا، فبين مقتضيات المساءلة القانونية وضمانات حرية التعبير والمحاكمة العادلة. تظل أهمية القرار مرتبطة بما سيكشف عنه نصه الكامل من تعليل للأساس القانوني للتدابير الإضافية، وحدود تطبيقها، وآثارها على نشاط المعني بالأمر في الفضاء الرقمي.

كما أن تداعيات القضية لن تقف عند حدود العقوبة الحبسية والغرامة المالية، بل تمتد، وفق المعطيات المتداولة، إلى مستقبل نشاط “بن نسناس” على المنصات الاجتماعية.

من هنا، يبقى منطوق الحكم الاستئنافي الكامل المرجع الحاسم لتحديد النطاق القانوني الدقيق لهاته التدابير، بعيدا عن التأويلات أو التفاصيل التي لم يثبت ورودها في القرار القضائي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.