الباكالوريا بـ”المغرب” بين طموح النجاح وهواجس الغش وعقم الرؤية الاستراتيجية
محمد حميمداني
محمد حميمداني
انطلقت عبر مختلف “الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين” بـ”المملكة المغربية”، اختبارات الامتحان الجهوي الموحد لنيل شهادة الباكالوريا، (دورة يونيو 2026). وسط أجواء مشحونة تباينت فيها مشاعر مئات الآلاف من المترشحين والمترشحات بين الفرح والدموع. في ظل استنفار أمني وتربوي مشدد لمحاصرة ظاهرة الغش الإلكتروني.
يأتي هذا الاستحقاق الوطني في سياق نقاش مجتمعي وحقوقي محتدم حول مدى نجاعة السياسة التعليمية المنتهجة. ومدى قدرة نظام “التقويم الحالي” على فتح آفاق حقيقية لشباب المملكة، فاتحة قوس نقاس حول فعاليته لتجاوز المعيقا، وتجاوز جوهره المكرس لعقم هيكلي في منظومة التربية والتكوين.
خطاب رسمي يمجد لغة الأرقام
في السياق الرسمي، أكدت “وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة” أن اختبارات الدورة العادية للامتحان الجهوي الموحد للسنة الأولى من سلك البكالوريا، برسم دورة يونيو 2026. جرت في ظروف “جيدة وإيجابية”.
وقدمت “الوزارة”، في بلاغ رسمي، نسبا متعلقة بعدد المترشحات والمترشحين الذين اجتازوا هذه الاختبارات، والتي وصلت لـ570 ألفا و696 مترشحا ومترشحة. يشكل المتمدرسون منهم نسبة 82,2%، في مقابل 17,8% من المترشحين الأحرار. مسجلة نسبة حضور 97,7% لدى المتمدرسين و64,1% لدى الأحرار.
وأوضحت الوزارة أن دورة هاته السنة، عرفت “مواصلة تنزيل مجموعة من الإجراءات الرامية إلى تعزيز مصداقية الامتحانات وضمان تكافؤ الفرص بين جميع المترشحين”. عبر تحيين المساطر التنظيمية، وتحسين جودة إعداد مواضيع الاختبارات، وفق الأطر المرجعية المعتمدة. إلى جانب تعزيز عمليات التصحيح عبر منظومة رقمية تساهم في توحيد المعايير والحد من الأخطاء.
معطيات رسمية ركزت على لغة أرقام على الرغم من أن هاته المحطة حاسمة لبناء مستقبل البلاد، وتكوين أجيال صانعة للأفق التنموي الوطني المشرق. حيث اغفل البلاغ التطرق للواقع التعليمي، بما يحمله من نزيف بنيوي، وما يكتنفه من ضغط نفسي حاد على الأسر المغربية والتلاميذ على حد سواء.
الغش الهاجس الحارق
أنتج النزيف التعليمي البنيوي المسجل، ظواهر مرضية تتحمل مسؤوليتها البرامج التعليمية المعدة وغياب بيداغوجيا فعالة. الأمر الذي ولد الغش في الامتحانات، باستعمال وسائط التكنولوجيا الحديثة (الهواتف الذكية، وسماعات الأذن غير المرئية…). فيما الوزارة الوصية لا تجد من وسيلة للتعاطي مع هاته الاختلالات سوى الحلول الزجرية بالاستعانة بالسلطات الأمنية. والحال أن المشكلة أضحت إشكالية أكثر عمقا، نابعة من العلاقة القائمة بين المتلقي والملقن والمحيط التربوي بشكل عام.
واقع نتلمسه في البلاغ الصادر، الذي تحدث عما أسماه “تأمين الامتحانات”. من خلال تعزيز الوزارة “التدابير الخاصة بحماية مواضيع الاختبارات خلال مراحل الاستنساخ والتخزين والنقل”. إضافة لـ”تكثيف التنسيق بين مختلف المتدخلين ولجان التتبع واليقظة”.
وقدمت الوزارة حلولها الزجرية لحالات الغش، من خلال “تعميم استعمال أنظمة إلكترونية حديثة لرصد حالات الغش”. مضيفة أن هاته العملية أسفرت عن ضبط 4929 حالة غش خلال إجراء الاختبارات. بزيادة بلغت 167% مقارنة بدورة 2025. مرجعة الأمر لما أسمته “يقظة فرق الحراسة والمراقبة وتعميم استعمال النظام الإلكتروني للمساعدة على كشف المخالفات”.
وأوضحت الوزارة، أنه قد تم تزويد مراكز الامتحانات بحوالي 2000 وحدة إلكترونية لرصد الغش. مع توفير الدعم التقني واللوجستي اللازم. فضلا عن تنظيم دورات تكوينية استفاد منها 4014 إطارا تربويا وإداريا لتعزيز كفاءاتهم في تشغيل هذه الأنظمة واستعمالها بشكل فعال.
تجدر الإشارة أن العقوبات التأديبية المتخدة في مثل هاته الحالات تتراوح بين منح صفر نقطة في المادة المشكوك حصول غش فيها. أو الإقصاء نهائيا من اجتياز الامتحان لمدة سنتين متتاليتين. إضافة لمتابعات قانونية. حيث تنص “المادة 8 من القانون رقم 02.13″، على عقوبة حبسية في حق المخالفين، تتراوح بين 6 أشهر و5 سنوات مع غرامة مالية، تتراوح بين 5.000 و 100.000 درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين. كل شخص قام باستعمال أو حيازة وسائل إلكترونية (هواتف، سماعات، وغيرها) داخل فضاء الامتحان. أو أدلى بوثائق مزورة أو انتحل صفة مترشح لاجتياز الامتحان. أو سرب مواضيع الامتحان قبل لحظة الاختبار. أو ساهم في الإجابة من خارج أو داخل مركز الامتحان.
هكذا، يمكن القول أن المقاربة الردعية تبقى دون مستوى حصر هاته الظاهرة. لأن استمرار ظاهرة الغش في امتحانات الباكالوريا، يعكس أزمة قيم مجتمعية بنيوية قبل أن يكون مجرد سلوك معزول لتلميذ يبحث عن النجاح السهل. كما أن القانون الزجري لوحده لا يكفي للحد من الظاهرة. أي أننا بحاجة إلى إعادة بناء الثقة في التحصيل المعرفي والتقويم القائم على الجدارة والاستحقاق.
عقم السياسة التعليمية وأزمة “الآفاق المفقودة”