هدى لبهالة
أصبح مشهد طفل يبكي داخل المنزل، فيضع الأب أو الأم هاتفا في يده من أجل إسكاته، شبه مألوف ومتكرر.
لقد أصبحنا، أمام سمفونية اعتماد الهاتف وسيلة لإسكات طفل يبكي، أو يشعر بالملل، أو يرفض تناول الطعام. من خلال تزويده بوجبة دسمة من الرسوم المتحركة لفتح شهيته للأكل، أو دفعه للنوم.
مع مرور الأيام، يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والعادة إلى روتين يومي. ليصبح الهاتف جزءا من حياة الطفل اليومية.
مع مرور السنوات، يجد الآباء أنفسهم أمام طفل مذمن على الهاتف. يوقف اللعب مع أقرانه داخل أو خارج المنزل. منطو، لا يرغب في الحديث مع أفراد أسرته. باحث عن الهاتف باعتبار دواء إذمانه، فور شعوره بالملل أو القلق. بل، قد يلجأ إليه حتى عندما يعجز عن حل واجب مدرسي، وهنا تبدأ فصول حكاية من نوع آخر.
فالهاتف، ها هنا، لم يعد مجرد جهاز في يد الطفل، بل أصبح بيئة يقضي داخلها جزءا كبيرا من وقته وطفولته.
واقع ينقل للواجهة سؤالا مركزيا، مفاده: هل يساهم الآباء، من دون قصد في إقامة سجن رقمي لأبنائهم؟.
التربية أساس سقوط الطفل في الإذمان الرقمي
لا يولد الطفل ملتصقا بالهاتف، بل أن بيئته الأسرية هي المسؤولة عن إذمانه. حالما تتحول الشاشة لديه لأداة دائمة لإسكات الطفل، أو تهدئته، أو إطعامه، أو مكافأته، أو إلهائه. هنا تتم عملية برمجة الطفل على رفقة الهاتف في جميع الحالات والمناسبات.
مع مرور الوقت، تصبح الأنشطة الطبيعية التي تتطلب الانتظار أو الحركة أو التفاعل معها أقل جاذبية. لكون اللعب يحتاج إلى جهد، كما أن القراءة تحتاج إلى تركيز، والحديث مع الآخرين يحتاج إلى إصغاء. فيما يرى الطفل أن الهاتف يمنحه مساحة متجددة مستمرة، ومن ضغطة زر.
في هذا السياق، حذرت “الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال” من مزاحمة الوسائط الرقمية أنشطة تعتبر أساسية في نمو الطفل. ضمنها اللعب، التفاعل مع الوالدين، النوم والتعلم. مشددة على ضرورة أن تنظر الأسرة إلى استخدام التكنولوجيا في سياقها الكامل، لا باعتبارها مجرد عدد من الساعات أمام الشاشة.
إذن، فالمشكلة لا تبدأ عندما يصبح الطفل مستخدما وبإفراط للتكنولوجيا. وإنما من اللحظة التي تصبح فيها الشاشة هي الحل الأول لكل مشكلة يومية تعترضه.
السجن يبدأ من المنزل
تعتبر الأسرة مساهمة بشكل كبير، ودون قصد منها، في إدخال الطفل سجن الهواتف الذكية. ليس من باب الإيداء، ولكن من بوابة ما يقدمه الهاتف من حلول سريعة لمشكلات الطفل اليومية. ليتحول الهاتف تدريجيا إلى “مربية إلكترونية” تتولى جزءا من الوظائف التربوية التي يؤديها التفاعل الأسري واللعب والاحتكاك بالبيئة.
هنا، تصبح المشكلة أعمق، تطرح مفارقة بين التعلم الإرادي للطفل وتنظيم مشاعره بنفسه وقضاء حاجته. في الجهة المقابلة، تتحول تلك الوسيلة لمحفز خارجي سريع، يشعره بالهدوء والسكينة.
“جيل زد” والعيش داخل الهاتف
إذا كانت الطفولة هي نقطة البداية في مسار تكوين الطفل، فإن “جيل زد”، يمثل مرحلة أخرى أصبح فيها الهاتف والإنترنت جزءا من الهوية نفسها. لكون هذا الجيل لم يعش العالم الواقعي الذي سيشكل شخصيته المستقبلية. بل نشأ، في جزء كبير من حياته، داخل بيئة رقمية، دائمة الاتصال والتواصل.
تكشف بيانات مركز “Pew Research”، عن حجم هذا الارتباط بين المراهقين والتكنولوجيا. حيث أن غالبية المراهقين الأميركيين، في سن ما بين 13 و17 عاما، يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي، كما ان لديهم هاتف ذكي. فيما صرح نحو نصف هؤلاء بأنهم متصلون بالإنترنت “طوال الوقت تقريبا”. جاء ذلك خلال مسح تم إجراؤه عام 2024.
في هذا الشأن، تقول “منظمة الصحة العالمية”. إن 11% من المراهقين الذين شملهم المسح أظهروا علامات استخدام إشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي عام 2022. بعدما كانت النسبة لا تتجاوز 7% عام 2018. فيما قال أكثر من ثلث المراهقين: إنهم على اتصال دائم بأصدقائهم عبر الإنترنت.
هنا بالتحديد، لا يصبح الهاتف مجرد وسيلة للتواصل. بل مكانا دائم للتواصل، والترفيه، وتكوين الصورة الذاتية، والحصول على الاعتراف، ومتابعة الآخرين، ومقارنة الذات بهم. وهي نقلة تجعل تأثير التكنولوجيا على المراهق أكثر تعقيدا.
عندما يتحول “الإعجاب” إلى مقياس للقيمة
في الواقع العام العادي، يحصل الطفل على الاعتراف من الأسرة والمدرسة والأصدقاء. أما في العالم الرقمي الافتراضي، فيتحول الاعتراف إلى لغة أرقام. ذات ارتباط بعدد المتابعين، عدد الإعجابات، عدد المشاهدات، عدد التعليقات…
المشكلة هنا، تتجاوز حضور هاته الأرقام، لتصبح بالنسبة لبعض المراهقين، مؤشرا على قيمتهم الاجتماعية. حيث أن صورة لا تلقى التفاعل المتوقع، قد ينتج عنها الإحباط. كما ان منشورا يتعرض للسخرية، قد يولد أزمة نفسية.
في هذا الصدد، تظهر بيانات “Pew Research”، المعلن عنها عام 2025، أن نحو واحد من كل خمسة مراهقين يقولون: إن وسائل التواصل الاجتماعي أضرت بصحتهم النفسية. فيما ترتفع هاته النسبة بين الفتيات إلى 25%، مقارنة بـ14% بين الفتيان.
هنا تظهر واحدة من أخطر آليات البيئة الرقمية. لأن المراهق لا يقارن حياته بحياة أقرانه كما هو الحال في الواقع. بل بصورة منتقاة من حياة الآخرين.
تحديات من أجل المشاهدة والموت أحيانا
في سباق الحصول على المشاهدات ونيل حظوة الاهتمام، ظهرت ظاهرة أخرى تستوجب الوقوف حولها. متصلة بالتحديات الفيروسية. حيث أن بعضا منها ترفيهي أو بريئ. لكن بعضها الآخر يدفع الأطفال والمراهقين لممارسة سلوكيات خطيرة، بحثا عن المشاهدات، أو نيل الاعتراف، أو إثبات الجرأة أمام الأصدقاء.
هنا، تحذر “الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال”، من أن بعضا من هاته التحديات المنتشرة عبر وسائل التواصل، يمكن أن تكون خطيرة. بحيث تتسبب في إصابات جسدية بليغة، أو تحدث أضرارا طويلة الأمد. مشيرة إلى أن المراهقين قد يكونون أكثر قابلية للانجذاب إلى السلوكيات المتهورة التي تمنحهم الانتباه والمشاهدة من طرف الآخرين.
لم تعد هاته المخاطر افتراضية فقط. ففي “الولايات المتحدة”، توفيت الطفلة “نيلاه أندرسون”، البالغة 10 سنوات، عام 2021. بعد مشاركتها في تحد خطير انتشر عبر منصة “تيك توك TikTok”.،فيما أعادت إحدى محاكم الاستئناف الأميركية عام 2024 إحياء دعوى قضائية كانت قد رفعتها والدتها ضد هاته المنصة. حيث خلصت المحكمة أن الدعوى تتعلق بطريقة توصيل “الخوارزمية” للمحتوى، وليس فقط بالمحتوى الذي ينشره المستخدمون.
في حادثة أخرى، توفي المراهق الأميركي، “هاريس وولوباه”، عام 2023. بعد مشاركته في تحد غذائي انتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي. حيث خلص تقرير تشريح الجثة أن سبب الوفاة راجع لتناوله مادة غذائية عالية التركيز من “الكابسيسين”. مع تسجيل وجود تضخم في القلب وعيب خلقي في أحد الشرايين التاجية.
هنا، لا بد من التوضيح، أن القاسم المشترك بين هاته الحالات ليس الهاتف وحده، بل منظومة رقمية تكافئ المحتوى الذي يجذب الانتباه، حتى عندما يكون السلوك الذي يقف خلفه متهورا أو خطيرا.
عندما تنتقل العزلة إلى الداخل
إذا كان الطفل يستخدم الهاتف، طوال الوقت. فقد يبدو للوالدين أنه أمر عادي، إنه يتحدث مع أصدقائه، يشاهد الآخرين، يرد على الرسائل ويتفاعل مع المنشورات. إلا أن الاتصال الرقمي لا يعني بالضرورة التواصل الإنساني الحقيقي. فقد يصبح المراهق محاطا بمئات الحسابات، لكنه يشعر بأنه غير مفهوم. وقد يتابع حياة عشرات المؤثرين، لكنه لا يجد شخصا واحدا يستطيع الحديث معه نتيجة خوفه أو قلقه. كما انه قد يقضي ساعات في التفاعل الافتراضي، ثم يغلق الهاتف ويجد نفسه وحيدا داخل الغرفة.
في هذا الشأن، أشارت أبحاث صادرة في الموضوع. أن العزلة الاجتماعية والتنمر والاضطرابات النفسية ومشكلات النوم والضغوط الاجتماعية، يمكن أن تتفاعل مع استخدام وسائل التواصل. ما يزيد من مخاطر الانتحار لدى الشباب، خصوصا وسط الفئات الأكثر هشاشة.
هل ترفع الهواتف معدلات الانتحار؟
تشير دراسات منجزة في الموضوع، إلى وجود علاقة مقلقة بين الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل وبعض مؤشرات خطر الانتحار.
هكذا، ووفق بيانات عرضتها “مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها” الأميركية، عام 2023. فقد ارتبط الاستخدام المتكرر لوسائل التواصل الاجتماعي بارتفاع احتمال التعرض للتنمر. والشعور المستمر بالحزن أو اليأس ما يولد تفكيرا جديا في الانتحار.
وقد خلصت دراسة مستقبلية تم نشرها، عام 2025، شملت عينة من 9799 شابا. إلى أن التعرض للتنمر الإلكتروني ولد احتمالات ظهور سلوكيات انتحارية. إلا ان هاته الخلاصة ليست قطعية. إذ يمكن أن تتداخل البيئة الرقمية مع عوامل اخرى لتقود لهاته النهاية المأساوية.
التنمر لا ينتهي عند ولوج منزل الأسرة
سابقا، كان التنمر ينتهي مع عودة الطفل لمنزل العائلة. أما اليوم، فقد أصبحت هاته الظاهرة ترافقه حتى في غرفته.
هكذا، فإن نشر صورة محرجة، قد يحول السخرية، في ثوان معدودة، من موقف عابر إلى تعليقات مستمرة. ما يجعل الطفل أمام جمهور أكبر بكثير من زملائه في المدرسة.
في هذا الباب، تشير بيانات نشرتها “CDC”، أن المراهقين الذين يكثرون من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، يكونون أكثر عرضة للإبلاغ عن التنمر. إضافة لشعورهم المستمر بالحزن أو اليأس، بل وحتى التفكير في الانتحار.
الأخطر من كل ذلك، أن المحتوى الرقمي يمكن أن يتحول، من لحظة نشر، إلى محتوى دائم على الأنترنت. فالتعليق لا يختفي بسهولة، والصورة يمكن إعادة نشرها، والفيديوهات قد يتم ترويجها ومشاركتها.
هكذا يصبح الطفل، أمام شكل من أشكال التنمر الذي لا ينتهي بانتهاء اليوم الدراسي.
المقارنة التي تقتل الرضا
هناك جانب آخر أكثر هدوءا، لكنه قد يكون شديد التأثير: يتعلق الأمر بالمقارنة الاجتماعية. حيث يرى المراهق المؤثر المالك للمال، أو المسافر باستمرار، أو الفتاة التي تظهر بصورة مثالية. فتحصل لديه تمثلات لشباب ناجح، في تعارض مع الفشل الذي يعيش داخله. بآثار كل ذلك على التوازن النفسي. ما قد يدفعه لخيارات عدائية اتجاه الآخر أو اتجاه ذاته. على الرغم من كونه يرى النسخة التي اختاروا نشرها ولم يرى الأصل الواقعي.
هنا، قد تتحول وسائل التواصل من نافذة على العالم إلى مرآة لا يتوقف الطفل أو المراهق عن مقارنة نفسه بها.
عندما يصبح الهاتف مفتاح الحل لدى الطفل
المشكلة لا تقف عند هذا الحد، بل تتجاوزه لمشكلة أخرى لا تقل أهمية عن تلك التي تم التطرق إليها. ذات صلة بالجانب العقلي. حيث يغوص الطفل في رحلة البحث عن الحل الفوري لمسألة رياضية أو موضوع ما. فيلجأ للهاتف لإيجاد الحل. بل والأخطر من ذلك، أنه ومع التطور التكنولوجي، ومع ظهور الذكاء الاصطناعي، يصبح الاعتماد على هاته الوسيلة ضروريا في حياته. بانعكاسات كل ذلك، على مستوى الذكاء وتنمية ملكة النقد لدى الطفل.
المسألة هنا، لا تتصل باعتبار التكنولوجيا مشكلة، بل بتحولها من أداة مساعدة على التفكير إلى بديل عن التفكير نفسه.
فوفق المناهج العلمية، يحتاج الطفل إلى التجربة عن طريق الخطأ، والبحث، والمحاولة، والاستنتاج. وفي حالة تحول الهاتف لأداة لإنتاج المعرفة والحلول. هنا، تحديدا، يخسر الطفل جزءا من العملية التعلمية التي تصنع القدرة على التفكير المستقل.
من اللعب إلى الخمول
تتميز الطفولة، كمرحلة من العمر، بالحركة. مطبوعة بالجري، القفز، اللعب، ممارسة الرياضة، اكتشاف البيئة، اللعب مع أقرانه، ما ينمي المهارات الجسدية والاجتماعية لدى الأاطفال. أما في حالة جلوسه اليومي أمام الشاشة، يصبح الخمول تحصيل حاصل اتصالا بمستنقع النشاط الافتراضي الذي يعيش وسطه.
في هذا الشأن، حذرت “منظمة الصحة العالمية” من السلوك الخامل لدى الأطفال الصغار. داعية لاستبدال جزء من الوقت الذي يقضيه الطفل أمام الشاشة بنشاط بدني ولعب مع اقرانه ونوم كاف. المشكلة هنا تصبح أعقد، لأن الأمر يتجاوز ما يراه على الشاشة، إلى ما يفعله نتيجة ذلك.
صحوة العالم وتشديد القيود