هدى لبهالة
بيدين مرتجفتين تحملان حافظة سوداء للأنسولين، تستعيد “سعاد” تفاصيل خمس سنوات ثقيلة منذ اكتشاف إصابة ابنها “محمد” بالسكري.
تتحدث “سعاد” بنبرة يغلفها الحزن، وهي تتذكر طفلها، الذي كان في السادسة من عمره. نشيطا مفعما بالحياة. يركض داخل المنزل مع إخوته، ويلعب الكرة مع أبناء الجيران، ويأكل ما يشتهيه دون أن يفكر كثيرا في تبعات ما يضعه في فمه.
كان “محمد” الأصغر بين إخوته، لذلك كان مدللا من قبل الجميع. تقول “سعاد”: إنها ووالده وإخوته كانوا يسارعون إلى شراء الشوكولاتة والحلويات التي يحبها، مضيفة بحرقة: أنه كان من الصعب رفض طلباته وهو الطفل الأصغر في البيت.
تتوقف “سعاد” قليلا قبل أن تقول بحسرة: “كان يأكل الحلويات بكثرة، كنا نريد فقط أن نسعده، ولم نكن نعرف أن كل هذا قد يؤثر في صحته”.
لكن “سعاد” لا تعرف، طبيا، ما إذا كانت الحلويات قد لعبت دورا مباشرا في إصابة ابنها. كما أن السكري لدى الأطفال ليس مرضا واحدا. فهناك السكري من النوع الأول، الذي تختلف آليته وأسبابه عن النوع الثاني.
إلا أن قصة “محمد” تفتح بابا على تغير أكبر تشهده صحة الأطفال، في ظل تحول الأنظمة الغذائية وارتفاع معدلات زيادة الوزن والسمنة وتراجع النشاط البدني.
مرض يقترب من جيل أصغر
على المستوى العالمي، ارتفع عدد المصابين بالسكري من نحو 200 مليون شخص سنة 1990 إلى 830 مليونا عام 2022، وفق إحصائيات “منظمة الصحة العالمية”. مؤكدة أن انتشار المرض قد عرف ارتفاعا سريعا أكبر في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، عنها في الدول المتقدمة.
كما تؤكد “المنظمة” أن اتباع نظام غذائي صحي وممارسة النشاط البدني والحفاظ على وزن صحي، يمكن أن يساعد في الوقاية من الإصابة بالسكري من النوع الثاني أو تأخير ظهوره.
لا تقتصر الصورة المقلقة على ارتفاع السكري بين البالغين. فقد ارتفعت نسبة الأطفال والمراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و19 عاما. ممن يعانون من زيادة الوزن من 8% عام 1990 إلى 20% عام 2022، على الصعيد العالمي. فيما ارتفعت نسبة السمنة لدى ذات الفئة من 2% إلى 8%.
تجدر الإشارة، أن زيادة الوزن والسمنة في مرحلة الطفولة تؤدي لارتفاع خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني في سن أصغر.
ضمن هذا التحول، لا يمكن تجاهل البيئة الغذائية الجديدة التي ينشأ فيها الأطفال؛ مشروبات محلاة، حلويات، وجبات خفيفة، أطعمة فائقة التصنيع، ووفرة من المنتجات التي تتنافس على جذب الطفل. في مقابل انخفاض النشاط البدني لدى كثير من الأطفال وزيادة الوقت الذي يقضونه أمام الشاشات.
في هذا السياق، أفادت “منظمة الصحة العالمية” أن الاستهلاك المرتفع للمشروبات المحلاة يقود لزيادة الوزن والسمنة لدى الأطفال. موصية بخفض السكريات الحرة إلى أقل من 10% من إجمالي الطاقة اليومية. مع فوائد إضافية عند خفضها إلى أقل من 5%.
“محمد” طفل تغيرت حياته طولا وعرضا
بالنسبة إلى “محمد”، لم يتوقف الأمر عند التشخيص. في هذا الشأن تقول “سعاد”: إن حياة ابنها تغيرت بشكل كبير منذ إصابته بالسكري. حيث أصبح أكثر عصبية، مع تسجيل تراجع تحصيله الدراسي وبداية زيادة الوزن.
وأضافت “سعاد”: إن طفلها لم يتقبل بسهولة فكرة المرض. حيث ظل يأكل الحلويات خلسة عنها. مبرزة أنه وفي في محاولة منها لفهم سلوكه باعتباره نوعا من رفض المرض وعدم الرغبة في الاعتراف بأنه أصبح مختلفا عن أقرانه.
تزداد مخاوف “سعاد”، عندما تتذكر الوعكات الصحية التي تعرض لها ابنها داخل الفصل الدراسي. وما رافق كل ذلك من تنمر بسبب تغير وزنه.
تقول “سعاد”: إن المدرسة أصبحت بدورها جزءا من معركتها اليومية. كان عليها أن تبقى على تواصل مع الإدارة والأساتذة لمتابعة وضع ابنها. مبرزة أنها، وفي بعض الأحيان، كانت تضطر للذهاب بنفسها إلى المدرسة والدخول إلى الفصل خلال الحصة لإعطائه حقنة الأنسولين.
لاحقا، وبعد تراكم المشكلات، قررت تغيير المدرسة، على أمل أن تساعد البيئة الجديدة “محمد” على تجاوز جزء من أزمته النفسية والبدئ من جديد. لكن التحدي الأكبر ظل داخل البيت.
“وجدت نفسي ممرضة بين ليلة وضحاها”
تستعيد “سعاد” شريط ذكرياتها الأولى بعد اكتشاف المرض. تقول: إنها وجدت نفسها مطالبة بتعلم كيفية إعطاء ابنها حقنة الأنسولين لتوفر قليلا من مصارف العلاج.
وأفادت بغصة كبيرة: كانت ممرضة مختصة تأتي، خلال اليومين الأولين، لتدريبها على الطريقة الصحيحة للتعامل مع حالة ابنها. إلا أن اللحظة الأولى، التي باشرت مهامها العلاجية بقيت عالقة في ذاكرتها. تقول سعاد: “أول حقنة كانت صعبة علي جدا، لكن بعد ذلك تأقلمت”.
تأقلم، وفق “سعاد”، لم يكن سهلا. فقد وجدت نفسها مضطرة لتعلم مراقبة حالة ابنها، الانتباه إلى طعامه، مواعيد علاجه وكل ما يمكن أن يحدث عندما يتأخر عن تناول وجبته أو يبذل مجهودا بدنيا.
ففي بعض حالات السكري، يمكن للنشاط البدني أو تأخر تناول الطعام أن يؤدي لانخفاض مستوى “الغلوكوز”. ما يستدعي التعامل سريعا مع هذا الهبوط، وفق خطة العلاج التي يحددها الطبيب.
لذلك، لم يعد ركض “محمد” أو لعبه بالكرة بالنسبة لوالدته مجرد نشاط طبيعي لطفل. بل أصبح شيئا يستدعي المراقبة والانتباه.
في هذا الشأن، تقول “سعاد”: إن ابنها كان يحب كرة القدم واللعب مع أبناء الحي. لذلك كان من الصعب عليه أن يفهم لماذا أصبح مطالبا بمراقبة مستوى السكر والتعامل بحذر مع المجهود البدني.
حقيبة لا تفارقها
أصبحت حافظة الأنسولين السوداء جزءا من حياة “سعاد” اليومية. لا تخرج من المنزل من دونها، لأنها بالنسبة إليها ليست مجرد حقيبة أدوية، وإنما وسيلة للاطمئنان إلى أن ما يحتاجه ابنها موجود بالقرب منه.
في كل مرة تغادر فيها المنزل، تحمل معها ما أصبح ضروريا لاستمرار حياته اليومية. فيما يبقى في ذهنها سؤال واحد: ماذا لو حدث شيء لـ”محمد” وأنا بعيدة عنه؟.
هكذا تحولت أم الطفل، بحسب وصفها، من أم تراقب ما إذا كان ابنها أنهى واجبه المدرسي أو عاد من اللعب. إلى أم تراقب طعامه ومستوى السكر وعلاجه وحالته الصحية داخل المدرسة وخارجها.
جيل الأمس وجيل اليوم
تطرح قصة “محمد” سؤالا يتجاوز حالة واحدة: هل تغيرت البيئة التي ينشأ فيها الأطفال، إلى درجة جعلت الأمراض المرتبطة بنمط الحياة تقترب أكثر من أعمار صغيرة؟.
هنا لا بد من التوضيح، أن أطفال السبعينيات والثمانينيات، في كثير من البيئات عاشوا في عالم غذائي وحركي مختلف. كانت الوجبات المنزلية أكثر حضورا في الحياة اليومية لدى كثير من الأسر، حيث كانت المنتجات الغذائية الجاهزة أقل تنوعا وانتشارا. فيما كانت الحركة جزءا من اليوم العادي: المشي، اللعب في الشارع، كرة القدم في الأحياء وقضاء ساعات أطول خارج المنزل.
أما طفل اليوم، فيعيش وسط وفرة غذائية غير مسبوقة تقريبا. حيث يجد فيها المشروبات المحلاة والحلويات والوجبات الخفيفة والأطعمة فائقة التصنيع في متناول يده. فيما أصبح جزء كبير من الترفيه مرتبطا بالهاتف والتلفزيون والألعاب الإلكترونية.
خلاصة لا تعني أن الأجيال السابقة كانت محصنة ضد السكري، أو أن كل ما كانت تتناوله صحيا. كما لا يمكن تحميل الحلويات وحدها مسؤولية الإصابة بالمرض. فالسكري مرض معقد، تختلف أسبابه وآلياته باختلاف نوعه.
لكن التحول في النظام الغذائي، ومستويات النشاط البدني، والارتفاع العالمي في السمنة. كلها عوامل تجعل البيئة التي ينشأ فيها الطفل، اليوم، مختلفة بشكل واضح عن تلك التي عرفتها أجيال سابقة.
المغرب: أرقام تكشف تغير المشهد
في “المغرب”، تتزايد مؤشرات مقلقة، حيث قدر “الاتحاد الدولي للسكري” عدد البالغين المصابين بهذا الداء في المملكة المغربية بنحو 2.88 مليون شخصا عام 2024، مقارنة بنحو 385 ألفا عام 2000. فيما قدرت “منظمة الصحة العالمية”، عدد الإصابات بالسمنة لدى الأطفال بين الفئة العمرية من 5 إلى 19 عاما في المغرب بـ5.7% عام 2022.
أرقام تعكس خلاصة أساسية، أن كل طفل يعاني من السمنة سيصاب بالسكري. لكنها تعكس أحد عوامل الخطر المهمة للسكري من النوع الثاني.
في هذا السياق، أكدت “منظمة الصحة العالمية”، أن الأطفال والمراهقين الذين يعانون من زيادة الوزن أو السمنة أكثر عرضة للإصابة بالسكري من صغار السن.
إلا أن الحاجة تبقى ملحة لتوفير بيانات وطنية مفصلة ومحدثة بشكل دائم، حول انتشار السكري بين الأطفال والمراهقين في المغرب، لا سيما السكري من النوع الثاني، حتى يمكن قياس حجم التحول بين الأجيال بصورة أدق.
من قطعة شوكولاتة إلى سؤال أكبر
لا يمكن اختزال قصة “محمد” في قطعة شوكولاتة، كما لا يمكن اختزال ظاهرة السكري لدى الأطفال في السكر وحده.
لكن قصة هذا الطفل، تكشف كيف يمكن لمرض مزمن أن يعيد تشكيل حياة الأسرة بأكملها: أم تحمل الأنسولين أينما ذهبت. طفل يحاول التصالح مع مرض لم يختره، مدرسة مطالبة بفهم احتياجاته، وأسرة تعيد النظر في الطعام والحركة والعادات التي كانت تبدو في الماضي تفاصيل عادية.
مراهقون وشباب يدخلون دائرة الخطر: السكري لم يعد مرضا ينتظر التقدم في العمر