قوات “صنعاء” تقترب من “باب المندب” فهل اشتعلت الجبهة الأخطر؟

العدالة اليوم

العدالة اليوم

 

دخل الصراع اليمني، خلال الأيام الأخيرة، مرحلة تصعيد عسكري غير مسبوقة، منذ الهدنة التي أوقفت المعارك الكبرى في أبريل من عام 2022. عقب تحقيق القوات اليمنية، التابعة لحكومة “صنعاء”، تقدما ميدانيا سريعا، على الساحل الغربي “لليمن”.

تقدم شمل السيطرة على مدينة وميناء “المخا”. ومناطق أخرى في محافظتي “الحديدة” و”تعز”. وصولا إلى جزيرة “ميون” الواقعة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. في تطور يضع “مضيق باب المندب” مجددا في قلب المواجهة الإقليمية.

تكتسب هاته التطورات أهمية، تتجاوز حدود الحرب “اليمنية” لتأخذ أبعادا استراتيجية كبرى. اتصالا بكون “باب المندب” يمثل إحدى أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم. حيث يربط “البحر الأحمر” بـ”خليج عدن” و”المحيط الهندي”. فيما يشكل “البحر الأحمر” الطريق البحري المؤدي شمالا إلى “قناة السويس”.

تبعا لهاته الأهمية الاستراتيجية، فإن أي اضطراب في هاته المنطقة ستكون له، لا محالة، تداعيات سريعةً على حركة التجارة والطاقة وتكاليف النقل والتأمين وأسعار النفط.

السيطرة على “المخا” و”ميون” التحول الأبرز في خريطة الحرب 

أفادت مصادر وتقارير دولية، بأن القوات اليمنية تمكنت، الخميس الماضي. من السيطرة على مدينة “المخا” ومينائها في محافظة “تعز”، بعد تقدمها على امتداد الساحل الغربي. فيما تحدثت مصادر أخرى عن سيطرة القوات اليمنية، التابعة لحكومة “صنعاء”. على مواقع استراتيجية في المنطقة، بينها مدينة “حيس” ومعسكر “خالد بن الوليد”.

في السياق ذاته، أكدت مصادر حكومية يمنية لوكالة “رويترز”، سقوط “المخا” بيد القوات اليمنية. فيما أشارت تقارير ميدانية إلى أن القوات الموالية للسعودية، أعادت تنظيم صفوفها جنوب المدينة. فيما تم وصف الانسحاب بـ”التكتيكي” وأنه جاء بهدف إعادة التموضع، وفق ما نقلته قناة “الجزيرة القطرية”.

تقدم القوات اليمنية لم يقف عند حدود الساحل، حيث انتقلت المعارك لمحيط “باب المندب” الاستراتيجي.

في هذا السياق، أعلنت القوات اليمنية التابعة لحكومة “صنعاء”، سيطرتها على جزيرة “ميون” الاستراتيجية، المعروفة أيضاً باسم “بريم”. وهي جزيرة صغيرة ذات موقع استراتيجي شديد الحساسية في المضيق.

تحول عسكري، يعني أن القوات اليمنية أصبحت أقرب جغرافيا، إلى أحد أهم نقاط التحكم في الملاحة الدولية. الأمر الذي يفسر تصاعد المخاوف “السعودية” و”الأميركية”، في شأن أثر كل ذلك على خطوط التجارة والطاقة في “البحر الأحمر”.

من “الحديدة” إلى “تعز” اتساع رقعة الهجوم 

وفق المعطيات المتداولة، فإن الهجوم لم يكن عملية محدودة في جبهة واحدة، بل جاء ضمن تحرك عسكري أوسع شمل الساحل الغربي ومحاور أخرى.

في هذا الشأن، وفي محافظة “الحديدة”، تحدثت مصادر إعلامية عن سيطرة القوات اليمنية على مديرية “حيس” ومواقعها. فيما شهدت محافظة “تعز” بدورها مواجهات عنيفة، خصوصا في منطقتي “موزع” و”الوازعية”. وسط حديث عن تقدم ميداني وسيطرة على مواقع عسكرية مهمة.

جدير بالذكر، أن محور “الحديدة” يكتسي أهمية خاصة بالنسبة لمستقبل الحرب. على اعتبار أن المحافظة تطل على “البحر الأحمر”، حيث تضم ميناء “الحديدة”، أحد أهم الموانئ اليمنية بالنسبة إلى الواردات التجارية والمساعدات الإنسانية.

تجدر الإشارة أيضا، أن “الأمم المتحدة”، جعلت “الحديدة”، خلال السنوات الأخيرة، محورا رئيسيا لجهود وقف التصعيد. خصوصا بعد توقيع اتفاق “ستوكهولم” لعام 2018، الذي أفضى لوقف إطلاق النار في المحافظة وإنشاء بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق “الحديدة”.

السعودية ترد على التمدد اليمني بالغارات 

أمام التمدد اليمني الكبير والسريع في عدة محافظات يمنية. ردت “السعودية” بتكثيف عملياتها الجوية ضد مواقع القوات اليمنية التابعة لحكومة “صنعاء”.

في سياق متصل، تحدثت مصادر تابعة للجيش اليمني، عن نحو 40 غارة نفذتها طائرا ت سعودية، خلال فترة قصيرة. فيما أفادت تقارير دولية بأن “السعودية” نفذت ضربات جوية على مواقع القوات اليمنية لوقف التقدم الأخير على الساحل الغربي.

وكانت “الرياض” قد كثفت ضرباتها، منذ الأيام الأولى من شتنبر، بالتزامن مع تصعيد يمني ضد الأراضي والمنشآت السعودية.

يأتي ذلك، عقب شن القوات اليمنية، في الثامن من شتنبر. هجمات منسقة بالصواريخ والطائرات المسيرة، استهدفت منشآت ومواقع داخل السعودية. ضمنها منشآت تابعة لشركة “أرامكو” النفطية، ومواقع أخرى في “أبها” و”نجران” و”جازان”، وفق ما أوردته وكالة “رويترز”.

في سياق متصل، أعلنت السلطات السعودية إصابة 73 شخصا، جراء تلك الهجمات وحصول أضرار وحرائق وتعطيلات في بعض المنشآت. فيما اعتبر الجيش اليمني أن هاته الهجمات، جاءت ردا على العمليات العسكرية “السعودية” في “اليمن”، مذرجا إياها ضمن معادلة “القصف بالقصف والحصار بالحصار”.

انتقال المواجهة لتطال الطاقة 

لم تقتصر تداعيات الحرب على الجغرافيا اليمنية فحسب، بل بدأت انعكاساتها تظهر، بصورة مباشرة، على أسواق الطاقة العالمية.

هكذا، ومع تصاعد المخاطر المحيطة بالأحداث، وما تلاها من اضطرابات طالت مضيق “باب المندب”. مع تجاوز سعر النفط الخام حاجز 100 دولار للبرميل الواحد، في بعض التعاملات. وسط مخاوف من احتمال اتساع دائرة استهداف منشآت الطاقة وخطوط الإمداد.

في شأن منفصل، أعلنت “السعودية” إغلاق خط أنابيب الشرق والغرب، بصورة احترازية، بعد هجوم بطائرات مسيرة نسب إلى فصائل تنشط في “العراق”. وهو خط استراتيجي يسمح للمملكة بتصدير النفط إلى ساحل “البحر الأحمر” وتجاوز “مضيق هرمز”.

هكذا تتقاطع أزمتان بحريتان في المنطقة: “مضيق هرمز” في الخليج، و”باب المندب” عند المدخل الجنوبي “للبحر الأحمر”. الأمر الذي يرفع مستوى المخاطر على سلاسل الإمداد العالمية.

“ترامب” يرفض التدخل العسكري المباشر ويعرض الاستخبارات 

في تطور لافت، طلب ولي العهد السعودي، الأمير “محمد بن سلمان” مساعدة عسكرية أميركية لمواجهة التقدم اليمني، وفق مصادر ما نقلته عنه وكالة “رويترز”.

ووفق ذات المصادر، فقد أجرى “ترامب” محادثتين مع ولي العهد السعودي. دون حصول موافقة “واشنطن”، في الوقت الراهن. على تنفيذ ضربات عسكرية مباشرة ضد القوات اليمنية. مكتفية بالمساعدة في مجال تبادل المعلومات الاستخباراتية ودعم الاستهداف.

في الشأن ذاته، أجرى قائد القيادة المركزية الأميركية، “الأدميرال براد كوبر”. مباحثات في “السعودية” في شأن هاته التطورات، وفق ما نقلته “رويترز”.

يعكس هذا الموقف الأميركي معادلة شديدة التعقيد. فـ”واشنطن” تريد حماية حركة الملاحة والطاقة ومنع توسع النفوذ الإيراني. إلا أنها، في الوقت نفسه، تبدو حريصة على عدم فتح جبهة عسكرية أميركية مباشرة جديدة في “اليمن”، في ظل حربها الأوسع مع “إيران”.

هكذا، وفي تصريحات، نقلتها “رويترز”، اليوم السبت. فقد أكد “ترامب” أنه تحدث مع “محمد بن سلمان”. مبرزا أن “الحوثيين” تواصلوا مع الإدارة الأميركية، وأبدوا رغبة في تجنب مواجهة مباشرة مع “الولايات المتحدة”.

ما أهمية “باب المندب” ضمن حلقة الصراع القائم وما موقع هذا التحول؟ 

تكمن أهمية “باب المندب”، في موقعه الجغرافي، الذي يجعل منه بوابة بين “البحر الأحمر” و”خليج عدن” و”المحيط الهندي”.

من هنا تأتي أهميته الاستراتيجية، بالتالي فأي جهة تتمتع بقدرة عسكرية على تهديد الملاحة في محيط “المضيق” تستطيع التأثير في واحد من أكثر طرق التجارة حساسية. خصوصا بالنسبة للسفن المتجهة من “آسيا” إلى “أوروبا” عبر “قناة السويس”.

في هذا الصدد، تشير تقديرات حديثة، إلى أن المخاطر المتزايدة في “البحر الأحمر” أدت بالفعل إلى تراجع كبير في حركة الملاحة عبر هاته النقطة. ما اضطر شركات شحن لتغيير مساراتها أو تحمل تكاليف إضافية بسبب المخاطر الأمنية.

من هنا، فإن سيطرة القوات اليمنية على “المخا” و”ميون”، لا تعني فقط مكسبا عسكريا داخل “اليمن”. بل تمنح هاته القوات ورقة استراتيجية في أي مفاوضات مقبلة. لاقترابها من منطقة تستطيع، من خلالها، التأثير في الحسابات “السعودية” والدولية المتعلقة بأمن الملاحة.

من حرب داخلية إلى صراع إقليمي مفتوح 

الحرب اليمنية ليست وليدة التصعيد الحالي، حيث دخل هذا النزاع مراحله الحاسمة منذ عام 2014. وتحديدا مع سيطرة الحوثيين وحلفائهم على “صنعاء” ومناطق واسعة من البلاد.

في نفس الفترة، وتحديدا في مارس 2015. تدخل تحالف تقوده “السعودية” عسكريا لدعم حكومة “عبد ربه منصور هادي”. من حينها، تحولت الحرب إلى واحدة من أكثر أزمات المنطقة تعقيدا. مع تعدد القوى المحلية والإقليمية المتداخلة فيها.

وفي أبريل من عام 2022، رعت “الأمم المتحدة” هدنة بين الجانبين أثمرت وقف المعارك. قبل أن تدخل العملية السياسية حالة من الجمود، فيما ظلت خطوط التماس قائمة.

الاوضاع الحالية، أشرت على موت هاته الهدنة الهشة أصلا. إذ تواجه واحدة من أخطر الاختبارات منذ إقرارها.

السيادة اليمنية وحماية المدنيين وحرية الملاحة تلازم ثلاثية تحضر في الصراع 

تطرح التطورات الحالية، القائمة في “اليمن” عدة مستويات متداخلة. ففيما تؤكد “الأمم المتحدة” على ضرورة احترام وحدة “اليمن” وسيادته واستقلاله وسلامة أراضيه. وهو ما سبق أن شدد عليه الأمين العام للمحفل الدولي. مذكرا بالتزامات جميع أطراف النزاع، وفق القانون الدولي الإنساني. خصوصا في الشق المتعلق بحماية المدنيين والعاملين الإنسانيين.

على الرغم من ذلك، يظل “قرار مجلس الأمن رقم 2216″، لعام 2015. أحد المراجع الأساسية في الملف اليمني، إلى جانب المساعي الأممية اللاحقة، بغاية إطلاق عملية سياسية يمنية شاملة. علما أن أي عمليات عسكرية في مناطق مأهولة أو ضد منشآت مدنية، تخضع لقواعد القانون الدولي الإنساني. وفي مقدمتها مبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات أثناء الهجوم.

وفيما يتصل بالملاحة الدولية، فإن تعريض الملاحة التجارية للخطر، يثير بدوره مسائل قانونية بموجب قواعد القانون الدولي للبحار والقانون الدولي الإنساني. بحسب طبيعة كل حادثة وهوية أطرافها والظروف المحيطة بها.

“محمد عبد السلام”: السلام خيارنا الاستراتيجي 

في خضم التصعيد القائم، حاول رئيس الوفد الوطني المفاوض، “محمد عبد السلام”. تقديم العملية العسكرية باعتبارها جزءا مما أسماه “فرض السيادة”.

في هذا السياق، قال ذات المتحدث: إن العمليات التي نفذتها القوات المسلحة في بعض المناطق الساحلية، جاءت في إطار مواجهة، ما اعتبره، “تحديات وأطماعا تهدد السلم الأهلي”.

وأضاف: أن السلام العادل والمشرف سيظل، وفق طرحه، خيارا استراتيجيا. مبرزا أن الوصول لتسوية يمثل الطريق الأقل كلفة لإعادة تنظيم العلاقات على أساس حسن الجوار والمصالح المشتركة.

من خلال هاته الرسالة، يحاول الحوثيون، بالتوازي مع التقدم العسكري. تحويل المكاسب الميدانية إلى أوراق تفاوضية. في وقت تؤكد فيه “الأمم المتحدة”، منذ سنوات، على أن الحل العسكري لا يمكن أن ينهي الأزمة اليمنية.

مكسب عسكري للجيش اليمني مع مخاطر استراتيجية متفجرة 

بصرف النظر عما تتداوله كل رواية عن فصول هاته الأحداث. فالمؤكد أن خريطة السيطرة في غرب اليمن شهدت، خلال الأيام الأخيرة، تغيرا استراتيجيا هاما. لأن سيطرة الجيش اليمني على “المخا”، والتقدم في “الحديدة” و”تعز”، وصولا لجزيرة “ميون”. يضع القوات اليمنية في موقع أقرب إلى “باب المندب”. فيما تجد “السعودية” نفسها أمام تهديد مباشر لممرات الطاقة والتجارة، التي تعتمد عليها. في وقت تزداد فيه الضغوط على “الولايات المتحدة” لاتخاذ موقف أكثر وضوحا.

السؤال الأكبر الذي يفرض نفسه، اتصالا بهاته التطورات. لا يتعلق بمن ربح هاته الجولة من المعارك فقط. بل بما إذا كان هذا التقدم سيقود إلى إعادة تشكيل موازين القوى في “اليمن”. أم أنه سيفتح جبهة إقليمية جديدة، تمتد من “اليمن” و”البحر الأحمر” إلى “الخليج” فـ”مضيق هرمز”.

في كل الأحوال، يبدو أن “باب المندب” لم يعد مجرد جبهة عسكرية يمنية، بل تحول لنقطة تقاطع بين الحرب اليمنية وأمن الطاقة والتجارة العالمية والصراع الأميركي الإيراني.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.