“صنع في المغرب” يقلق شركات صناعة السيارات الإيطالية.. هل تغيّر المملكة خريطة الإنتاج الأوروبية؟
هدى لبهالة
هدى لبهالة
لم تعد صناعة السيارات في المغرب مجرد قطاع صناعي صاعد، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى قاعدة إنتاج وتصدير مرتبطة بشكل وثيق بالسوق الأوروبية، مستفيدة من استثمارات كبرى لشركات عالمية وتطور شبكة الموردين والبنية اللوجستية.
هذا التحول بدأ يثير مخاوف داخل قطاع السيارات الإيطالي، في وقت تتزايد فيه المنافسة على الإنتاج والأسواق الأوروبية.
تأتي هذه المخاوف في سياق انتقادات وجهها رئيس جمعية موردي السيارات الإيطالية، روبرتو فافاسوري، للتشريع الصناعي الأوروبي الجديد، محذراً من أن بعض القواعد المقترحة قد تؤدي إلى زيادة واردات السيارات ومكوناتها من دول مثل المغرب وتركيا، بدلاً من تعزيز التصنيع داخل الاتحاد الأوروبي.
وحذر فافاسوري، في الوقت نفسه، من أن صادرات إيطاليا من مكونات السيارات قد تتراجع بنسبة تتراوح بين 40 و50 في المئة بحلول عام 2028، في ظل تصاعد المنافسة العالمية، ولا سيما من المنتجات الصينية، إذا لم تتخذ أوروبا إجراءات إضافية لحماية صناعتها.
المغرب.. قاعدة صناعية متكاملة
تبرز مكانة المغرب في صناعة السيارات من خلال توسع مصانع رونو وستيلانتس، إلى جانب شبكة واسعة من الشركات المتخصصة في تصنيع مكونات السيارات.
وأنتجت منشآت رونو في المغرب، بمصنعيها في طنجة والدار البيضاء، نحو 394 ألفاً و465 سيارة خلال عام 2025. ويستحوذ مصنع طنجة على الجزء الأكبر من هذا الإنتاج بنحو 299 ألفاً و386 سيارة، فيما أنتج مصنع صوماكا بالدار البيضاء نحو 95 ألفاً و79 سيارة.
كما جرى تصدير 82 في المئة من إنتاج مصنعي طنجة والدار البيضاء إلى 63 وجهة، من بينها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا وتركيا، ما يعكس اندماج الإنتاج المغربي بشكل متزايد في سلاسل التوريد والأسواق الأوروبية.
ويمنح الموقع الجغرافي للمغرب، وقرب منشآته الصناعية من ميناء طنجة المتوسط، ميزة لوجستية مهمة في الوصول إلى الأسواق الأوروبية، وهو عامل أساسي في جذب شركات صناعة السيارات وموردي المكونات إلى المملكة.
ستيلانتس تضاعف طاقتها في القنيطرة
في القنيطرة، تتسارع وتيرة توسع مجموعة ستيلانتس، التي رفعت الطاقة الإنتاجية للمصنع من 200 ألف إلى 400 ألف سيارة سنوياً بعد توسعة الموقع وإدخال منصة Smart Car.
ولا يقتصر نشاط المصنع على السيارات، إذ تبلغ طاقته في مجال المركبات الصغيرة للتنقل نحو 135 ألف وحدة سنوياً، ما يرفع الطاقة الإجمالية للموقع، عند احتساب هذه الفئة، إلى حوالي 535 ألف سيارة سنوياً.
كما يتوسع الموقع في إنتاج مكونات مرتبطة بالتنقل الكهربائي، من بينها محطات الشحن، فيما تستهدف المجموعة رفع قيمة مشترياتها من الموردين الموجودين في المغرب إلى أكثر من 6 مليارات يورو بحلول 2030، مع بلوغ معدل إدماج محلي يصل إلى 75 في المئة.
وتكشف هذه الأرقام عن توسع تدريجي في طبيعة الصناعة المغربية، من إنتاج السيارات إلى تطوير منظومة صناعية تشمل السيارات والمكونات والمحركات والميكرو-تنقل الكهربائي والبنية المرتبطة به.
أكثر من 16 مليار دولار من صادرات السيارات ومكوناتها
لا تقتصر قوة قطاع السيارات المغربي على الإنتاج، بل تظهر بشكل واضح في التجارة الخارجية.
فبحسب بيانات التجارة الدولية، بلغت صادرات المغرب ضمن البند الجمركي الخاص بالسيارات والمركبات وقطعها ومكوناتها نحو 16.1 مليار دولار خلال عام 2025.
وتصدرت فرنسا قائمة أبرز الوجهات بنحو 4.24 مليارات دولار، تلتها إسبانيا بحوالي 2.89 مليار دولار، ثم إيطاليا بنحو 1.78 مليار دولار وفق بيانات صادرات المغرب، فيما بلغت الصادرات إلى ألمانيا حوالي 1.52 مليار دولار.
وشملت أبرز الوجهات أيضاً تركيا، والمملكة المتحدة، ورومانيا، والولايات المتحدة، والبرتغال، وبلجيكا، وبولندا والتشيك.
وتؤكد هذه الأرقام أن المغرب لا يعتمد فقط على تصدير السيارات المكتملة، وإنما بات جزءاً من شبكة أوروبية أوسع لتصنيع وتوريد مكونات السيارات.
إيطاليا.. سوق مهمة للمنتجات المغربية
تكتسب السوق الإيطالية أهمية خاصة في هذا السياق، إذ أصبحت واحدة من أبرز وجهات صادرات المغرب في قطاع السيارات ومكوناتها.
وبحسب بيانات التجارة المغربية المسجلة لدى WITS/UN Comtrade، بلغت صادرات المغرب إلى إيطاليا ضمن البند الخاص بالسيارات والمركبات وقطعها ومكوناتها نحو 1.78 مليار دولار في 2025، في حين تسجل بيانات الواردات الإيطالية من المغرب قيمة مختلفة تقارب 901 مليون دولار، وهو اختلاف يمكن أن يرتبط بمنهجيات تسجيل التجارة والتقييم والتوقيت.
وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة لافتة: ففي الوقت الذي تحذر فيه صناعة السيارات الإيطالية من تأثير القواعد الأوروبية الجديدة وتزايد الواردات، أصبحت المنتجات المرتبطة بصناعة السيارات المغربية حاضرة بالفعل في السوق الإيطالية.
هل ينافس المغرب الصناعة الإيطالية؟
لا يعني صعود المغرب أن المملكة تحل محل إيطاليا كقوة صناعية في مجال السيارات، إذ تظل إيطاليا صاحبة قاعدة صناعية واسعة في القطاع.
لكن التوسع المغربي يضيف منافساً جديداً وقريباً من السوق الأوروبية، مستفيداً من تنافسية موقعه الجغرافي والقرب من السوق الأوروبية، واتفاقيات التجارة، وتطور البنية التحتية، إضافة إلى استثمارات شركات عالمية كبرى.
ومن هنا تأتي أهمية النقاش الأوروبي حول مقترحات تعزيز الإنتاج المحلي و«صنع في أوروبا»، إذ تخشى بعض الجهات الصناعية الأوروبية من أن تؤدي الصيغة الحالية للقواعد المقترحة إلى تشجيع الواردات من دول مثل المغرب وتركيا.
وفي المقابل، تواجه صناعة السيارات الأوروبية ضغوطاً أوسع بكثير من المنافسة المغربية، أبرزها المنافسة الصينية والتحول نحو السيارات الكهربائية وارتفاع تكاليف الإنتاج وتغير سلاسل التوريد.
وبينما تسعى أوروبا إلى حماية قاعدتها الصناعية، يواصل المغرب توسيع قدراته الإنتاجية والتصديرية، ليصبح أحد أبرز مراكز صناعة السيارات القريبة من السوق الأوروبية.
وبذلك، فإن قصة «صنع في المغرب» لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع عدد السيارات المنتجة داخل المملكة، وإنما بتحول المغرب إلى حلقة متقدمة في سلسلة صناعة السيارات الأوروبية، وهو تحول يفسر تنامي الاهتمام والمخاوف داخل بعض الأوساط الصناعية في أوروبا، وخصوصاً في إيطاليا.