بين “السلطة” و”السمطة”: يوم انتخابي للصحافيين على صفيح ساخن في “المغرب”

محمد حميمداني 

محمد حميمداني 

 

بعد مسار طويل من الانتظار امتد لسنوات، لا يزال من الصعب فهم أسباب هذا التأخير، وما إذا كان مجرد تعثر في التدبير والتنظيم. أم نتيجة خيارات تم تكريسها، على امتداد هاته المدة. حالة من الانتظار والإرهاق لدى الصحافيين والصحافيات المعنيين بهذا الاستحقاق.

في مختلف جهات المملكة، ولا سيما على مستوى العاصمة “الرباط” وجهة “الرباط-سلا-القنيطرة”، فقد كشفت المعطيات التي عشناها خلال عملية التصويت. عن وجود اختلالات تنظيمية. ما  أثار أسئلة جدية حول مدى ملاءمة تدبير هذا الاستحقاق مع طبيعة المهنة الصحافية ومع القيم الديمقراطية التي يفترض أن تشكل جوهرها.

ففي الوقت الذي كان فيه الصحافيون والصحافيات ينتظرون الإجابة عن أسئلة جوهرية تتجاوز مجرد انتخاب ممثلين. برز سؤال أكبر: أي إعلام نريد، وأي إعلام نطمح إلى ترسيخه في المغرب؟.

سؤال يكتسب أهمية خاصة في ظل ما يعرفه المشهد الإعلامي الوطني من تحولات وتحديات. وما يرافق كل ذلك  من نقاش حول استقلالية المهنة، وتعدد الفاعلين داخلها، وتداخل الاعتبارات الاقتصادية مع مقتضيات العمل الصحافي. فضلا عن الحاجة إلى إعلام مهني قوي قادر على الدفاع عن المصلحة العامة والقضايا الوطنية والمجتمعية.

عندما يصبح التنظيم جزءا من الأزمة

كان من المفترض أن يشكل هذا الاستحقاق الانتخابي مناسبة لتجديد الثقة في الفعل الديمقراطي داخل الجسم الصحافي. وبالتالي فتح نقاش مؤسساتي حول مستقبل المهنة، وسبل بناء مشروع إعلام وطني قادر على مواجهة الإكراهات الجديدة.

غير أن الأخبار والمعطيات المتواترة من عدد من مراكز التصويت أعادت، بالنسبة إلى بعض المهنيين، طرح سؤال التنظيم نفسه. بعدما طغت على المشهد الانتخابي مظاهر متسمة بالارتباك والبطئ في تدبير العملية. ما جعل الممارسة الانتخابية تواجه عراقيل كان يفترض تجاوزها قبل الوصول إلى يوم الاقتراع.

ففي زمن أصبحت فيه التكنولوجيا جزءا أساسيا من الإدارة الحديثة للعمليات الانتخابية والمهنية. يثير الاعتماد المكثف على الإجراءات الورقية سؤالا مشروعا حول مدى جاهزية آليات التدبير لمواكبة طبيعة المرحلة؟. وأيضا حول طبيعة هذا التصرف هل هو عفوي أم مقصود بغاية قلب الموازين؟.

فوتيرة التصويت في بعض المكاتب أثارت علامات استفهام لدى المهنيين، مع تسجيل عدد ضئيل من المصوتين، وفق المعطيات الميدانية، وإلى حدود ساعات متقدمة من اليوم. ما يفرض علينا طرح سؤال جوهري ذا صلة بسبب عكوف الشباب عن التعبير عن رأيهم خلال الاستحقاقات الانتخابية. في ظل ما عشناه اليوم على صعيد انتخاب أعضاء المجلس الوطني للصحافة.

“السلطة” و”السمطة”: مفارقة اليوم الانتخابي

لعل المفارقة الأكثر إثارة للنقاش، أن الجسم الصحافي، الذي يفترض أن يكون من أكثر الفئات دفاعا عن الشفافية والولوج إلى المعلومة وتحديث المؤسسات. وجد نفسه، خلال هذا الاستحقاق، أمام أسئلة تتعلق بتدبير الزمن الانتخابي وبآليات تنظيم التصويت.

من هنا برزت، في أوساط مهنيين، استعارة “السلطة” في مقابل “السمطة”، للتعبير عن الفارق بين ما يفترض أن تمثله المؤسسات والقواعد المنظمة للعملية الديمقراطية. وبين ما قد تنتجه بعض الممارسات البيروقراطية من شعور بالثقل والإقصاء والتهميش.

لا يتعلق الأمر هنا، بمجرد تفاصيل تقنية، لأن طريقة تدبير الانتخابات المهنية يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في ثقة المعنيين بالأمر بالعملية برمتها. نتيجة شعورهم بلا جدوى المشاركة فيها.

أي إعلام نريد؟

السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه بعد هذه التجربة، لا يتعلق فقط بمن فاز ومن خسر. وإنما بطبيعة المشروع الذي ينبغي أن يحمله التمثيل المهني للصحافيين خلال المرحلة المقبلة.

فـ”المغرب” يحتاج إلى إعلام مهني قادر على مواكبة التحولات الوطنية والدولية، وعلى الدفاع عن حرية الصحافة والتعبير. فضلا عن الاضطلاع بدوره في محاربة الفساد، ومراقبة السياسات العمومية. إضافة لنقل انشغالات المواطنين، والمساهمة في ترسيخ ثقافة المواطنة والمؤسسات.

كما يحتاج، في الوقت نفسه، إلى إعلام يمتلك أدوات مهنية وتقنية حديثة تمكنه من مواجهة التحولات المتسارعة التي فرضتها الرقمنة والذكاء الاصطناعي وتغير أنماط استهلاك الأخبار.

ومن ثمة، فإن أي نقاش حول تمثيلية الصحافيين لا يمكن أن ينفصل عن سؤال استقلالية المهنة. وعن قدرة مؤسساتها التمثيلية على الدفاع عن كرامة الصحافي وعن شروط ممارسة المهنة.

من تدبير الاقتراع إلى تدبير المستقبل

المعطيات المتداولة بشأن سير عملية التصويت، بما فيها البطؤ في الإجراءات ومحدودية الإقبال في بعض المكاتب، خلال ساعات معينة. تحتاج إلى وضعها في إطارها الدقيق.

لكن، بصرف النظر عن الحصيلة الرقمية للاستحقاق، فإن النقاش الذي فتحته هاته الانتخابات يتجاوز يوم الاقتراع نفسه.

فإذا كانت الديمقراطية المهنية، تبدأ من صندوق الاقتراع، فإنها لا تنتهي عنده. إذ تبدأ كذلك من ضمان شروط المشاركة، ووضوح الإجراءات، وتكافؤ الفرص، وسهولة ممارسة الحق في التصويت، وشفافية التنظيم. ثم احترام إرادة المهنيين ونتائج اختيارهم.

من هاته الزاوية، فإن ما جرى، بحسب الانتقادات التي عبر عنها عدد من المهنيين. ينبغي أن يتحول إلى مناسبة لمراجعة أساليب التدبير. وليس إلى مجرد واقعة عابرة تنتهي بانتهاء عملية التصويت.

إعلام قوي لمواجهة تحديات المرحلة

إن الإعلام الوطني الذي يراد له أن يكون شريكا في الدفاع عن القضايا الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها القضية الوطنية الأولى. وفي مواكبة قضايا المواطنين والمؤسسات ومحاربة الفساد. يحتاج قبل كل شيء إلى بيئة مهنية سليمة، وإلى مؤسسات تمثيلية قوية ومستقلة ذات مصداقية.

فالصحافي الذي يطلب منه الدفاع عن الشفافية والمساءلة والمحاسبة، من حقه بدوره أن يجد هذه القيم حاضرة في المؤسسات التي تمثله.

وبذلك، فإن السؤال الذي تفرضه انتخابات الصحافيين لا ينبغي أن يكون فقط: من سيمثل الصحافيين؟. بل أيضا: أي نموذج للتمثيل المهني نريد؟. وأي إعلام نريد أن نبني للسنوات المقبلة؟.

ذلك أن قوة الإعلام لا تقاس فقط بعدد مؤسساته أو أصواته، وإنما بقدرته على الحفاظ على استقلاليته، وتجديد أدواته، والدفاع عن المهنة. فضلا عن الارتقاء بمستوى النقاش العمومي، والمساهمة في بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.

من هنا، قد يكون الاستحقاق الانتخابي قد انتهى، لكن الأسئلة التي أفرزها تدبيره ستظل مفتوحة، وفي مقدمتها سؤال واحد: هل نريد مجرد انتخابات للصحافيين، أم نريد ديمقراطية مهنية قادرة فعليا على إنتاج إعلام قوي ومستقل ومسؤول؟.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.