صعدت السلطات الهندية، السبت الفارط، إجراءاتها الأمنية في العاصمة “نيودلهي”. لمنع احتجاج واسع دعت إليه حركة شبابية تحمل اسم “حزب جاناتا الصراصير”. للمطالبة باستقالة رئيس مفوضية الانتخابات الهندية، “غيانيش كومار”. على خلفية اتهامات بوجود اختلالات في مراجعة اللوائح الانتخابية.
خلال هاته الحملة الأمنية، ألقت الشرطة الهندية القبض على مؤسس الحركة ومئات من المتظاهرين، في حملة قمعية قبل احتجاج كبير كان مخططا له في العاصمة الهندية.
هكذا، فقد أوقفت الشرطة الهندية مؤسس حركة “الصراصير”، “أبهيجيت ديبكي”، واثنين من قيادييها فور وصولهم إلى مطار “نيودلهي” على متن رحلة قادمة من “مومباي”. كما تم خلال حملة أمنية باشرتها السلطات الهندية توقيف أكثر من ألفي شخص. وفق ما اوردته تقارير إعلامية استنادا لمصادر أمنية ورسمية. إلى جانب توقيف حوالي 600 شخص في “مومباي”.
في سياق متصل، فرضت السلطات الهندية طوقا أمنيا مشددا على أجزاء واسعة من العاصمة. حيث تم نشر أعداد كبيرة من عناصر الشرطة والقوات شبه العسكرية، فيما تم إغلاق محطات النقل العام. كما تم تقييد خدمات الإنترنت عبر الهاتف المحمول في مناطق بوسط المدينة. إلى جانب إلغاء نحو 245 رحلة قطار من وإلى محطات رئيسية في “نيودلهي”، وفق ما أوردته صحيفة “إنديان إكسبريس”.
تجدر الإشارة، أن حركة “الصراصير” كانت تعتزم تنظيم تجمع في منطقة “جانتر مانتر”، المعروفة باحتضانها مظاهرات سياسية في العاصمة. على الرغم من رفض الشرطة الترخيص لتنظيم الاحتجاج.
في هذا السياق، قالت السلطات: إن تدابير تم اتخاذها لمنع “الإخلال بالنظام العام”. فيما يرى المحتجون أن حجم الانتشار الأمني والاعتقالات التي طالت مناصري الحركة استهدفت منعهم من إيصال مطالبهم للرأي العام.
ولعل التطور الأبرز في هاته المعركة الاحتجاجية، يتمثل في اعتقال قادة الحركة داخل الطائرة قبل مغادرتها المطار، وهو ما وثقته مقاطع فيديو متداولة على منصات التواصل الاجتماعي. حيث أظهرت المشاهد دخول عناصر الشرطة إلى الطائرة واقتياد “ديبكي” ورفيقيه “سوراف داس” و”أشوتوش رانكا”.
توقيف أبطلته إحدى المحاكم التنفيذية في “نيودلهي” التي أمرت بالإفراج عن الموقوفين الثلاثة، أمس الأحد 11 أكتوبر. لدى مثولهم أمامها على خلفية توقيفهم الوقائي.
في الشأن ذاته، أفاد أحد محامو هيئة الدفاع عن الموقوفين الثلاثة بأن السلطات لم تقدم، وفق قوله، مبررات كافية لمواصلة احتجازهم. فيما ربطت المحكمة الإفراج عنهم بتوقيع التزام بعدم “الإخلال بالسلم العام” لمدة عام، وفق ما نقلته وسائل إعلام هندية.
جدير بالذكر، أن جذور هاته الاحتجاجات ترجع لخلاف نشب حول عملية المراجعة المكثفة الخاصة للائحة الناخبين، المعروفة اختصارا بـ”SIR”. حيث تقول المعارضة الهندية: إنها أدت إلى حذف أعداد كبيرة من الأسماء من السجلات الانتخابية، ما قد يؤثر في فرص المشاركة السياسية لفئات من الناخبين.
ووفق تقارير صحافية، فإن عدد الأسماء المحذوفة تجاوز 130 مليون اسم منذ بدء العملية. فيما تضمنت البيانات المتداولة تقديرات بنحو 28 مليون اسم لأشخاص متوفين، و63 مليونا لأشخاص انتقلوا من أماكن تسجيلهم، و30 مليونا تعذر العثور عليهم.
أرقام تثير تساؤلات في شأن دقة اللوائح وآليات التحقق من أهلية الناخبين، لكنها لا تثبت بمفردها أن الحذف جرى بدافع سياسي أو أنه غير نتائج الانتخابات.
في شأن متصل، تتهم أحزاب معارضة حزب “بهاراتيا جاناتا” الحاكم، بقيادة رئيس الوزراء، “ناريندرا مودي”. بالاستفادة من مراجعة اللوائح. معتبرة أن العملية قد تؤثر بصورة غير متناسبة في فئات مكونة من المسلمين والأقليات التي لا يرجح أن تصوت للحزب الحاكم. فيما تنفي مفوضية الانتخابات والحزب الحاكم اتهامات التلاعب. مؤكدة أن الانتصارات الانتخابية تعكس الدعم الشعبي والسياسات الحكومية، وأن من حذفت أسماؤهم بالخطأ يمكنهم طلب إعادة التسجيل وفق الإجراءات المعمول بها.
تجدر الإشارة أيضا، أن المحتجين يطالبون باستقالة رئيس مفوضية الانتخابات، “غيانيش كومار”. معتبرين أن مراجعة اللوائح تستوجب توضيحات وضمانات إضافية بشأن شفافية الإجراءات وحقوق الناخبين. وهي الاحتجاجات التي انضمت إليها شخصيات معارضة ومحامون وصحافيون. في مؤشر على اتساع نطاق الجدل من إطار الحركة الشبابية إلى نقاش سياسي ومؤسساتي أوسع.
وكانت “حركة الصراصير” قد برزت بوصفها حركة احتجاجية شبابية تستخدم اسما ساخرا تحول لرمز للتعبئة والمقاومة في مواجهة ما تعتبره تهميشا سياسيا واجتماعيا. حيث لم تقتصر تحركاتها السابقة على اللوائح الانتخابية، بل شملت قضايا التعليم والتسريبات المرتبطة بالامتحانات وفرص العمل والبنية التحتية للمؤسسات التعليمية.
تنوع مطالب الحركة ساعد على توسيع حضورها، خصوصا بين الشباب الذين يواجهون صعوبات في الولوج لسوق الشغل ويطالبون بتحسين الخدمات العامة.
على الصعيد الرسمي، وصف متحدث باسم حزب “بهاراتيا جاناتا” المحتجين بأنهم “عناصر فوضوية”. معتبرا أن تحركهم لم ينجح في تعطيل سير البلاد.
في الجهة المقابلة انتقدت المعارضة عمليات التوقيف، كما أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن قلقه إزاء الاعتقالات الجماعية التي سبقت الاحتجاجات ورافقتها. داعيا لاحترام الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها حرية التجمع السلمي.
في سياق متصل، لا بد من التوضيح، أن الدستور الهندي، ينص في مادته 19، على ضمان حرية التعبير والتجمع السلمي. مع السماح بفرض قيود قانونية معقولة لأسباب محددة، من بينها حماية النظام العام. فيما يطرح تطبيق هاته المقتضيات، في سياق الاحتجاجات الحالية، تساؤلات حول مدى تناسب التدابير الأمنية مع المخاطر التي تستند إليها السلطات.
تكشف هاته التطورات عن معادلة دقيقة تواجهها المؤسسات الهندية، بين حماية النظام العام وضمان حق المواطنين في التعبير والاحتجاج السلمي والمشاركة السياسية. ليبقى الفصل في ادعاءات التلاعب في اللوائح الانتخابية رهينا بالأدلة والإجراءات المؤسسية والقضائية، بعيدا عن الاكتفاء بالمواقف المتعارضة للحكومة والمعارضة.
وفق هاته الأحداث وما تلاها من توقيفات، لم تعد قضية “حركة الصراصير” مجرد احتجاج شبابي محدود. بل تحولت لمواجهة حول شفافية السجل الانتخابي وحدود استعمال السلطة الأمنية.
هكذا، فبين اتهامات المعارضة ونفي الحكومة، تظل الأسئلة الأساسية مرتبطة بمصير الأسماء المحذوفة من اللوائح. فضلا عن ضمان حق الناخبين في التسجيل والتصويت، واحترام حرية التجمع السلمي.