أسعار اللحوم الحمراء في “المغرب” بين فوضى السوق ومسؤولية الدولة وآلام المواطن
محمد حميمداني
محمد حميمداني
تعيش سوق اللحوم الحمراء في “المغرب” على وقع “انفجار” غير مسبوق في الأسعار. حيث حلقت أثمان لحوم الأبقار والأغنام عاليا لتتجاوز عتبات قياسية، على الرغم من التصريحات الحكومية.
ارتفاع لم يعد مجرد طفرة ظرفية، بل تحول إلى أزمة بنيوية اجتماعية ومعيشية خانقة أثقلت كاهل الأسر المغربية. واستنزفت قدرتها الشرائية المنهكة أصلا.
تأتي هاته الأوضاع في وقت يتبادل فيه الفاعلون الرسميون والمهنيون التهم حول هندسة هذا الغلاء. فيما يطرح المستهلك المغربي سؤالا حارقا حول نجاعة التدابير الحكومية المتخذة وغياب الرقابة الصارمة في ترويض “لوبيات” سلاسل التوزيع والاستيراد.
تأتي هاته الأوضاع المسجلة، بعد الهزة التي عاناها المغاربة في عيد الأضحى المبارك. مع الأسعار المرتفعة للماشية وانعدامها في بعض الأسواق. فيما تتجه الأنظار صوب شكل السوق والأسعار المرتفعة التي تصب في اتجاهها توقعات المهنيين والفاعلين في القطاع بالمغرب.
من الأزمة إلى تعويم الأسباب
تتحمل مسؤوليات أزمة اللحوم الحمراء عدة أطراف. فيما يتقاذف الفاعلون الأسباب بين تبريرات العوامل الطبيعية والاختلالات التدبيرية والممارسات الاحتكارية.
من الجهة الرسمية، تؤكد وزارة الفلاحة أن الأزمة ناتجة عن “إشكال مركب” يجمع بين استنزاف بنيوي حاد للقطيع الوطني مع الارتفاع العالمي في كلفة الأعلاف والتقلبات الدولية.
يأتي هذا التبرير على الرغم من ضخ الحكومة ملايين الدولارات لدعم الكسابة، وفق تقاريرها الرسمية. وأيضا تمديدها عبر قانون المالية الإعفاءات الجمركية والضريبية، إعفاء من الرسوم والضريبة على القيمة المضافة لقطع الطريق على الغلاء واستيراد مئات الآلاف من رؤوس الماشية والأبقار واللحوم المجمدة.
في الجهة المقابلة، يسجل الرأي العام فضلا عن تقارير برلمانية فشل هاته الخطوات في احتواء الأزمة والتبعات.
تعميق اللوبيات والمضاربات من جراح الازمة
توجه جمعيات حماية المستهلك ومنظمات اجتماعية أصابع الاتهام لـ”أصحاب رؤوس الأموال” والوسطاء (الشناقة). الذين يستغلون الأزمة للاستفادة من التسهيلات الحكومية وبالتالي الحصول على دعم الدولة والإعفاء الضريبي. لتتحكم لاحقا في الأسعار وتراكم أرباحا خيالية في الأسواق الوطنية دون حسيب ولا رقيب. مستغلين عدم وجود بند قانوني في شروط الاستيراد يفرض عليهم سقفا محددا للبيع.
غياب الرقابة الحلقة المفقودة التي تقوي الازمة
تكمن المعضلة الأساسية التي يعيشها القطاع وفوضى الأسعار في الاسواق في غياب آليات الربط المباشر بين الدعم العمومي الممنوح للمستوردين وبين السعر النهائي للمستهلك في المجازر ومحلات الجزارة.
كما يساهم تعدد الوسطاء بين الفلاح والمجازر والأسواق في مضاعفة السعر بشكل غير مبرر. فيما تسجل لجان المراقبة الإقليمية والمحلية حضورا محتشما عاجزا عن ضبط السوق وكبح السلوكات الاحتكارية وضبط الأسعار في غياب إجراءات زجرية صارمة من طرف الدولة لإنهاء المتاجرة بقوت المغاربة اليومي.
في هذا السياق، يتوقع مهنيون أن تعرف أسعار اللحوم الحمراء ارتفاعا في أسواق الجملة. محتملة ان تتراوح أسعار لحم الغنم في سوق الجملة ما بين 140 و150 درهما. فيما ستبلغ أسعار لحوم الأبقار المحلية ما بين 110 و120 درهما. أما المستوردة منها فستكون ما بين 85 و95 درهما.
واستبعد المهنيون أن تتراجع أسعار اللحوم الحمراء في ظل الوضع الحالي. مبرزين ان ما يتم ترويجه رسميا عبارة عن “وعود زائفة”. وأن الحديث عن الوفرة هو خطاب “رسمي تضليلي” ليس إلا.
بروتين محرم على الفقراء
تتجاوز أزمة غلاء اللحوم الحمراء الأبعاد الاقتصادية، لتلقي بظلال اجتماعية قاسية وتدميرية على المعيش اليومي للمواطنين. حيث تحولت هات اللحوم إلى “مادة كمالية” شبه محرمة على موائد الأسر ذات الدخل المحدود والوسطى. فيما تم رصد تراجع حاد وعزوف ملحوظ عن شراء هاته المادة. حيث باتت العائلات تكتفي بكميات محدودة جدا أو تستغني عنها نهائيا. ما يهدد التوازن الغذائي وصحة الأطفال، من جهة نقص البروتين الحيواني. وبالتالي عودة أزمة غلاء موازية في قطاع اللحوم البيضاء، الدواجن، كبديل تضاعف عليه الطلب.
أي أفق مقترح لإنقاذ الأمن الغذائي للمملكة