شهدت مدينة “سلا”، الجمعة، شللا جزئيا في قطاع توزيع الأدوية، عقب خطوة احتجاجية تصعيدية من قبل عمال شركة “التوزيع الصيدلي الغرب”، المنضوون تحت لواء “الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب/UNTM”. الذين نظموا وقفة احتجاجية حاشدة أمام مقر الشركة.
تأتي هذه الخطوة الميدانية التصعيدية. تنديدا بما وصفه المحتجون بـ”الأوضاع المزية” التي يعيشونها وغياب الكرامة المهنية. وتنديدا باستمرار الإدارة في إغلاق باب الحوار ومحاربة الحريات النقابية. وهو ما يضع السلم الاجتماعي داخل هذا المرفق الحيوي على صفيح ساخن.
كما أنها تأتي تنديدا بما أسماه المحتجون، محاربة العمل النقابي وغياب الحريات النقابية. فضلا عن إغلاق باب الحوار وانتشار سياسة التمييز داخل الشركة.
توزيع الأدوية بسلا
صرخات ضد “الحكرة” والفساد والتمييز
رفع المحتجون، خلال الوقفة، شعارات مدوية وقوية نقلت بأمانة حجم الاحتقان السائد داخل دواليب الشركة. مركزة على نقاط سوداء تؤرق عيشهم اليومي. ضمنها سياسة “الحكرة” والاستفزاز المنتهجة. مستنكرة ما اسمته، المعاملة الحاطة بالكرامة الإنسانية والمهنية، واعتماد لغة المكاتب المغلقة بدلا من الإنصات لمطالب الشغيلة. فضلا عن ضرب الحريات والتمييز. منددة بما عنونته ب”سياسة التمييز الصارخ” المنتهجة داخل المؤسسة ومحاربة أي تقارب نقابي يسعى للدفاع عن الحقوق الدستورية للأجراء.
وطالبت الشعارات المرفوعة بإقرار العدالة والمساواة، والاستجابة الفورية لملفهم المطلبي الذي يصفونه بالواقعي. مع ضمان التعامل مع كافة العمال على قدم المساواة، وتجاوز منطق تصفية الحسابات المناقي للقواعد المؤسساتية والديمقراطية.
توزيع الأدوية بسلا
تحايل وإهمال يطال عمال خدمة التوزيع
في شهادة صادمة ومؤثرة من قلب الوقفة الاحتجاجية، نقل أحد عمال الشركة الذين تعرضوا لـ”حادثة شغل” تفاصيل معاناته المريرة مع الإدارة. حيث أكد أن الأخيرة واجهت عجزه الصحي من “بوابة الإهمال التام” ووضع العراقيل التعجيزية أمامه، ضدا على مدونة الشغل المغربية.
وأضاف العامل المكلوم، أن الإدارة لم تكتفِ بالإهمال. بل حاولت “التحايل على القانون والدستور” من خلال دفعه للانتساب للشركة بعقد وعنوان جديدين. في خطوة مكشوفة لـ”سرقة خمس سنوات من الأقدمية” أفناها في خدمة هاته المؤسسة. ما يوضح بالملموس غياب الحماية القانونية للأجراء داخل الشركة.
توزيع الأدوية بسلا
السلطات الإقليمية تتدخل ومفتشية الشغل تصف المطالب بالمشروعة
أمام تزايد وتيرة الاحتقان وخوفا من تضرر تزويد الصيدليات بالأدوية، تدخلت السلطات الإقليمية والمحلية بمدينة “سلا” لتهدئة الأوضاع. حيث جرى فتح قنوات حوار أولي سريع ومباشر بين ممثلي العمال المعتصمين، وإدارة الشركة، بحضور مفتش الشغل.
في تصريح له عقب اللقاء، أوضح الكاتب المحلي لنقابة عمال الشركة (UNTM)، أن الاجتماع الأولي كان قصيرا ولم يقدم حلولا ملموسة. لكنه خلص لاتفاق، بوساطة من السلطات، على عقد اجتماع حاسم وموسع غدا الاثنين لمقاربة مشاكل العمال والعمل على إيجاد حلول جذرية لها. علما أن مفتشية الشغل وصفت مطالب العمال بـ”المشروعة والواقعية”.
وحذر الكاتب المحلي، من خطورة استمرار الإدارة في سياسة “الآذان الصماء”. مؤكدا أن قتل الحريات يهدد الاستقرار الاجتماعي بشكل مباشر.
توزيع الأدوية بسلا
أزمة عمال “سلا” تعكس واقع بطالة الإقليم وضياع شبابه
لم تقتصر القضية على جانبها النقابي، بل امتدت لتأخذ أبعادا حقوقية؛ حيث دخلت “الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب” على خط الأزمة مؤازرة للعمال في معركتهم.
في هذا السياق، وصف نائب رئيس المكتب المحلي للجمعية بـ”سلا”، السيد “الشلح المهدي”، مطالب العمال بالعادلة والمشروعة. معتبرا أنه “من العيب في مغرب القرن الحادي والعشرين أن تضطر الشغيلة للاحتجاج في الشارع من أجل انتزاع حقوق أساسية يكفلها الدستور وقوانين المملكة”.
وأكد الفاعل الحقوقي ،أن ما يتعرض له عمال “التوزيع الصيدلي الغرب” هو جزء لا يتجزأ من المعاناة الكبرى التي تعيشها ساكنة “سلا”، وتحديدا فئة الشباب، مع معضلات البطالة، وهضم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. داعيا لإطلاق إقلاع تنموي واقتصادي فعلي بالمدينة ينقذ الشباب من شبح الضياع، البطالة والانحراف. ويضمن بالتالي كرامة اليد العاملة المحلية.
فالوقفة ومعاناة العامل الميدانية تكشف عمق الازمة القائمة والاعتداء الصارخ على مدونة الشغل والمقتضيات الحمائية للعمال. فضلا عن كونه اعتداء على الدستور والقانون. وهو ما نقلته تلك الصرخة المحمولة من قبل أحد عمال توزيع الادوية بالشركة ممن تعرضوا لحادثة شغل صريحة. وكيف قوبلت حالته الصحية بالإهمال التام من طرف الإدارة، التي وضعت العراقيل اللوجستية والقانونية أمامه. محاولة ضرب خمس سنوات كاملة أفناها في خدمة المؤسسة عرض الحائط.
في هذا الصدد، تشير المعطيات المنقولة أن القائمين على الشركة حاولوا ممارسة “التدليس” والتحايل القانوني عبر دفع العامل المصاب للانتساب للشركة تحت مسمى وعنوان تجاري آخر. في مناورة مكشوفة لضرب حقوقه القانونية. وهو ما يعتبر خرقا سافرا للدستور والقوانين الاجتماعية.
وتتجه أنظار المتتبعين للشأن المحلي بمدينة “سلا” صوب مخرجات الاجتماع التفاوضي المقرر إجراؤه الاثنين. في وقت يجمع فيه نقابيون وحقوقيون بالإقليم على أن كبح جماح التغول الاستثماري بقطاع التوزيع الصيدلي بات ضرورة ملحة لحفظ الأمن الاجتماعي بالمنطقة.
فالوقائع المعروضة في ملف عمال شركة “التوزيع الصيدلي الغرب” بمدينة “سلا”، تنقل وجود قرصنة قانونية وعتداء على روح الدستور المغربي و”القانون رقم 65.99″، المتعلق بمدونة الشغل. وكذا “القانون رقم 18.12″، المنظمة لحوادث الشغل.
فالاحتجاج المنظم يكشف عن وجود انتهاكات دستورية ومس بالحريات النقابية، في خرق سافر للفصل 8 من الدستور المغربي. الذي ينص على أن النقابات تساهم في الدفاع عن الحقوق والمصالح الاقتصادية والاجتماعية للفئات التي تؤطرها. وعلى الحق في تأسيسها وممارسة أنشطتها بحرية. كما يضمن الفصل 29 من الدستور بوضوح حريات التجمع والتجمهر والانتماء النقابي.
كما عرت الوقائع المقدمة عن وجود خرق لمدونة الشغل، حيث تمنع “المادة 9 من مدونة الشغل” كل مس بالحق النقابي داخل المقاولة وكل أشكال. فيما تنص المادة 39 من ذات المدونة، على أن طرد الأجير أو معاقبته بسبب انتمائه النقابي أو ممارسة أنشطته النقابية يعتبر طردا تعسفيا موجبا للتعويض الفوري.
كما أن إغلاق الإدارة للمكاتب ورفض الحوار يعد عرقلة صريحة لمنظومة “المفاوضة الجماعية” التي تؤطرها المواد من 92 إلى 103 من مدونة الشغل، كآلية ديمقراطية لفض النزاعات الشغلية وتكريس السلم الاجتماعي.
فيما تعتبر واقعة محاولة دفع العامل المصاب للانتساب لشركة تحت مسمى وعنوان تجاري آخر للتملص من أقدميته، 5 سنوات. أخطر الخروقات القانونية المرصودة في الملف. من جهة كشفها وجود “تدليس” وتغيير للوضعية القانونية. حيث يمنع القانون التغيير القسري لصفة المشغل أو اسم الشركة بصفة عشوائية بهدف هضم الحقوق.
في هذا السياق، تنص “المادة 19 من مدونة الشغل صراحة على أنه: “إذا طرأ تغيير على الوضعية القانونية للمشغل، وعلى الأخص بسبب إرث، أو بيع، أو إدماج، أو انتقال، أو تحويل إلى شركة، فإن جميع العقود الجارية في تاريخ حصول هذا التغيير، تظل قائمة بين الأجراء والمشغل الجديد”.
كما ان الخطوة تكشف عن وجود مناورة تملصية، حيث ان إجبار الأجير على توقيع عقد جديد مع كيان “وهمي” أو فرعي مغاير يحمل مسمى آخر، يعد “تدليساً”، (وفق مقتضيات قانون الالتزامات والعقود)، وطردا مقنعا تعسفيا. تهدف الإدارة من خلاله إلى تصفير “عداد الأقدمية” الخاص بالأجير، وبالتالي إسقاط حقه في التعويض عن الفصل والمهلة والإخطار، وحرمانه من احتساب التعويض الحقيقي المرتبط بـ5 سنوات من العطاء.
في هذا الشأن، لا بد من الإشارة، أن تعرض عامل التوزيع لحادثة شغل ومقابلة الحالة بالإهمال والعراقيل اللوجستية. يعتبر تملصا من المسؤولية القانونية، ما يضعه تحت طائلة ظهير “25 دجنبر 2014″، بتنفيذ “القانون رقم 18.12″، المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل. كما أن المشغل ملزم بالتصريح بالحادثة داخل أجل 48 ساعة من وقوعها إلى السلطات والمؤسسة المؤمنة، مع تحمل كامل المسؤولية المدنية في حال تقاعسه.
هنا، لا بد من الإشارة، أن مفتشية الشغل والشركاء المحليين مطالبون بالتدخل، من باب الاختصاص والصفة، بموجب “المادة 530 من مدونة الشغل”. التي تنص على أن الأعوان المكلفون بتفتيش الشغل مطالبون بالسهر على تطبيق الأحكام التشريعية والتنظيمية المتعلقة بالشغل، وإجراء محاولات التصالح في نزاعات الشغل الجماعية، وفق “المادة 551 وما يليها” من المدونة.
تبعا لذلك، فإن الاجتماع المرتقب عقده بحضور مفتش الشغل والسلطة المحلية يكتسي أهمية قانونية حاسمة. ففي حال التوصل لاتفاق، يتم تحرير “محضر اتفاق” يوقعه الطرفان. يصبح ملزما وله حجية قانونية قاطعة. أما في حال تعنت الإدارة، يحرر المفتش “محضر عدم التصالح”، وهو الوثيقة الرسمية التي تمهد الطريق للعمال لرفع دعاوى قضائية أمام المحكمة الابتدائية، غرفة النزاعات الاجتماعية. أو خوض “إضراب قانوني مشروع” محمي بقوة الدستور.
هكذا، يعتبر تحرك شركة “التوزيع الصيدلي الغرب” بـ”سلا” هذا، خارج النطاق الحمائي لمدونة الشغل. كما أن ممارساتها القائمة على التمييز والتحايل على العقود والتملص من تبعات حادثة الشغل تعتبر أفعالا موجبة للمساءلة القضائية والمدنية. ويمكن للفريق النقابي والحقوقي استغلال شهادات المتضررين ومحاضر تفتيشية الشغل لبناء ملف قضائي متكامل في مواجهة “تغول” إدارة الشركة أمام المحاكم المختصة. صونا للسلم الاجتماعي وحفظا لكرامة الشغيلة.