طريق العودة مسدود؟: مغاربة “سبتة” المحتلة عالقون بين استعداد الرباط وتشدد مدريد

محمد حميمداني

محمد حميمداني

 

دخل ملف المهاجرين المغاربة، الموجودين حاليا في مدينة “سبتة” المحتلة، مرحلة جديدة من التعقيد القانوني والإنساني. وذلك عقب تأكيد وزيرة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة الإسبانية، “إلما سايز”، أن إعادة البالغين المغاربة إلى “المغرب” لا يمكن أن تتم بصورة جماعية أو آلية، حتى في حال وجود استعداد مغربي لاستقبالهم.

في هذا السياق، قالت “سايز”، في مقابلة مع صحيفة “إلباييس” الإسبانية: إن إسبانيا “دولة قانون” وجميع المهاجرين يوجدون تحت مظلة قانونية. مبرزة أن كل حالة تستوجب فتح ملف فردي وتحديد هوية المعني بالامر ودراسة ظروفه ومساره قبل اتخاذ قرار بشأن وضعيته. 

وأكدت الوزيرة أن التعامل مع المهاجرين المغاربة الموجودين في مدينة “سبتة” المحتلة يخضع لإجراءات قانونية فردية. مشددة على أن تحديد هوياتهم ودراسة أوضاعهم لا يمكن أن يتم بشكل جماعي أو آلي.

تأتي تصريحات الوزيرة الإسبانية في خضم أزمة هجرة غير مسبوقة شهدتها مدينة “سبتة” المحتلة، بعدما دخل إليها عشرات الآلاف، خلال موجة هجرة جماعية أواخر يوليوز، قبل أن يغادر معظمهم المدينة. فيما بقي آلاف الأشخاص فيها، ضمنهم قاصرون ومهاجرون قد تكون لديهم مطالب مرتبطة بالحماية الدولية.

في هذا الشأن، تشير تقديرات الحكومة الإسبانية إلى وجود نحو ثمانية آلاف مهاجر في “سبتة” المحتلة. مع تقدير عدد القاصرين بنحو 2500، وعدد الأشخاص الذين قد يكونون مؤهلين لطلب اللجوء بنحو 2500 آخرين. 

لماذا لا تتم إعادة المغاربة بشكل جماعي؟

سؤال مباشر واجهته “سايز” خلال المقابلة مفاده: إذا كان “المغرب” مستعد لاستقبال مواطنيه، فلماذا لا تتم إعادتهم جميعا؟. لترد الوزيرة بالقول: “لأنه يجب فتح ملف وإجراء تحديد للهوية”.

إجابة تنقل جوهر الموقف الإسباني. إذ أن عملية الإعادة لا تبدأ بمجرد تحديد الجنسية، وإنما تتطلب التحقق من هوية الشخص ووضعه القانوني والظروف التي قادته إلى دخول الأراضي الإسبانية. ليتم تحديد المسار القانوني المناسب لكل حالة، لاحقا.

في هذا الصدد، قالت “سايز”: إن الأمر يصبح أكثر تعقيدا عندما يكون الأشخاص موزعين في الشوارع ويتنقلون من مكان إلى آخر. معتبرة أن تجميعهم في أماكن محددة يسهل عملية إعداد اللوائح وتحديد الهويات واستكمال الملفات.

وأضافت ذات المتحدثة: أن السلطات تمكنت من تجميع نحو 1800 شخصا، مع توقع ارتفاع العدد خلال الفترة المقبلة. 

من “التجميع” إلى تحديد الهوية

لا يتعلق الأمر، وفق الرواية الرسمية الإسبانية. بمجرد إحصاء أعداد المهاجرين، بل بإنجاز عملية “فيلاثيون”، أو تحديد هوية تسمح للسلطات بمعرفة من هو الشخص، ومن أين جاء، وما وضعه القانوني. وما إذا كان يحتاج إلى حماية، أو يمكن أن يخضع لإجراء آخر.

وكانت السلطات الإسبانية قد أعطت أولوية خاصة لتحديد هوية القاصرين. في وقت أفادت فيه وزارة الداخلية بإنجاز آلاف عمليات التحقق والتسجيل. وتحدثت “سايز” عن إجراء قرابة 2500 عملية تحديد لهوية للقاصرين.

تعكس هاته المعطيات الفرق بين إعادة شخص بالغ في وضعية هجرة غير نظامية وبين التعامل مع قاصر. حيث تدخل اعتبارات حماية الطفل والمصلحة الفضلى للقاصر والأسرة في تحديد القرار.

القاصرون الملف الأكثر حساسية

يشكل القاصرون المغاربة أحد أكثر جوانب الأزمة تعقيدا. حيث رفضت “سايز” التعامل مع جميع القاصرين ككتلة واحدة. مؤكدة على ضرورة دراسة كل حالة على حدة. مع إمكانية البحث عن لم شمل الأسرة عندما تتوفر الشروط اللازمة وتكون العودة آمنة ومناسبة لمصلحة القاصر.

موقف يتقاطع مع القواعد القانونية الأوروبية والدولية، خاصة تلك المتعلقة بحماية الأطفال. التي تجعل المصلحة الفضلى للطفل عنصرا أساسيا في القرارات المتعلقة بإقامته أو إعادته.

ووفق المعطيات المنشورة حديثا، فقد اصطدمت مطالب إعادة آلاف القاصرين المغاربة بالتزامات الحماية الإسبانية والأوروبية. التي تنص على ضرورة تحديد الهوية وتقييم الوضع الأسري ودراسة ظروف كل طفل قبل اتخاذ قرار نهائي بشأن عودته. 

اتفاق إسباني مغربي من خارج “الترحيل الآلي”

يكتسي التعاون المغربي الإسباني أهمية خاصة في إدارة هذا الملف. مع وجود اتفاق ثنائي ينظم جوانب من إعادة القاصرين والتعاون بشأنهم.

غير أن وجود إطار للتعاون لا يعني، وفق القراءة القانونية التي تطرحها السلطات الإسبانية. إذ أن عملية الإعادة لا تتم بصورة جماعية وفورية. حيث تظل هناك إجراءات ذات صلة بتحديد الهوية والوضع الأسري ومصلحة القاصر التي تعتبر أساسية قبيل تنفيذ العودة.

هنا تبرز إحدى أكثر نقاط الخلاف حساسية. حيث يؤكد “المغرب” استعداده لاستقبال مواطنيه. فيما تشدد “إسبانيا” على أن الاستقبال لا يلغي ضرورة استكمال المسطرة القانونية لكل شخص.

“المظلة القانونية” والموقف الإسباني

كررت “سايز” خلالها حديثها عن مفهوم “المظلة القانونية”. مؤكدة أن “إسبانيا” مطالبة بتطبيق قوانينها على جميع الأشخاص الموجودين على أراضيها. ما يعني أن سلطات “مدريد” لا تستطيع، وفق هذا المنطق. اختزال الوضعية في معيار الجنسية وحده.

فقد يكون شخص مغربي في وضعية هجرة غير نظامية. في الجهة المقابلة قد يكون هناك شخص آخر بحاجة إلى دراسة طلب حماية أو لجوء، أو توجد لديه ظروف شخصية أو قانونية مختلفة.

من هذا المنطلق، تبرز أهمية الفحص الفردي. على اعتبار أن القرار الإداري المتعلق بكل شخص يجب أن يستند إلى ملفه وليس إلى جنسيته.

وشددت “سايز” على أن السلطات الإسبانية مطالبة بالنظر في الظروف الخاصة بكل مهاجر. مبرزة أن شخصا غادر بلده بسبب خطر جدي يهدد حياته، لا يمكن التعامل مع وضعه بالطريقة نفسها التي تتم بها معالجة حالات الهجرة الأخرى.

وردا على سؤال متصل بالمدة التي ستستغرقها إجراءات تحديد هوية المهاجرين المغاربة، والتي قد تمتد لأسابيع؟. قالت الوزيرة: إن العملية تصبح أكثر تعقيدا عندما يكون المعنيون بالأمر موزعين في شوارع “سبتة” المحتلة ويتنقلون باستمرار. ما يجعل عملية حصرهم وتحديد هوياتهم أكثر صعوبة.

أزمة “سبتة” والمعادلة الصعبة

تفجرت أزمة “سبتة” المحتلة عقب موجة هجرة جماعية في اتجاه المدينة المحتلة، أواخر شهر يوليوز من السنة الجارية. حيث قدرت السلطات الإسبانية عدد الوافدين خلالها بعشرات الآلاف. قبل أن يعود الجزء الأكبر منهم أو يغادر المدينة، فيما بقي آلاف الأشخاص فيها. 

هجرة جماعية أفرزت ضغطا على قدرات الاستقبال والخدمات المحلية. ما دفع الحكومة الإسبانية إلى إنشاء مرافق إيواء مؤقتة وإعادة توزيع مئات الأشخاص.

وكانت السلطات الإسبانية قد أعادت، خلال 20 غشت الجاري، توزيع نحو 1800 مهاجر كانوا موجودين في شاطئ “إل ترامبولين”. في إطار إجراءات قالت السلطات الإسبانية: إنها متصلة بالظروف الإنسانية والحاجة إلى تنظيم الاستقبال وتوفير الخدمات الأساسية. 

مدريد والاختبار القانوني والإنساني الصعب

تعكس تصريحات “سايز” محاولة الحكومة الإسبانية إدارة الملف عبر مسارين متوازيين: الأول يتمثل في احتواء الأزمة ميدانيا. والثاني متصل بإخضاع كل حالة للمسار القانوني المناسب.

على الرغم من جهود سلطات “مدريد” لإدارة الأزمة، إلا أنها تجد نفسها أمام اختبار مزدوج. فمن جهة، هناك ضغط سياسي وشعبي لتسريع إجراءات العودة. ومن جهة أخرى، تجد السلطات نفسها التزامات قانونية تتعلق باللجوء وحماية القاصرين ومنع الإعادة التي قد تعرض شخصا لخطر جسيم.

في هذا السياق، أكدت مصادر حكومية إسبانية أن طالبي الحماية الدولية، يجب أن تتم معالجة ملفاتهم “حالة بحالة”، وفق الضوابط القانونية ذات الصلة. 

الرباط ومدريد تعاون تحت ضغط الأزمة

تأتي هاته التطورات المتسارعة في سياق حساس تمر منه العلاقات المغربية الإسبانية. إذ فجرت أزمة “سبتة” ملفا يجمع بين الهجرة والأمن والتعاون الثنائي والبعد الإنساني.

وهكذا، وفي الوقت الذي تؤكد فيه “مدريد” أهمية تعاونها مع “الرباط”، تبرز خلافات سياسية حول طريقة التعامل مع عدد من الملفات المرتبطة بالأزمة. في وقت تستمر فيه الاتصالات بين الجانبين بشأن تدبير تداعيات موجة الهجرة. 

وكانت الحكومة الإسبانية قد أعلنت في 25 غشت الحالي، إنشاء قيادة موحدة لتدبير أزمة “سبتة” المحتلة. وهي خطوة تعكس حجم التعقيد الذي بلغته الأزمة وتعدد المؤسسات المعنية بملفات الهجرة والأمن والاستقبال. 

بين الرغبة في الإعادة وحدود القانون أية مسافة؟

تضع تصريحات “إلما سايز” حدا لفكرة استعداد “المغرب” لاستقبال مواطنيه وإعادتهم جميعا ودفعة واحدة. إذ أن الحكومة الإسبانية تتمسك بقاعدة عرضتها نفس المتحدثة بالقول: إن الجنسية وحدها لا تحسم المسار، وإن كل شخص يحتاج إلى تحديد هوية وملف ودراسة قبل اتخاذ القرار. فيما يصبح الامر بالنسبة للقاصرين أكثر تعقيدا وصرامة. لأن العودة يجب أن ترتبط أيضا بتقييم الوضع العائلي والمصلحة الفضلى للطفل وإمكانية توفير الحماية المناسبة.

من هنا، يتحول ملف المهاجرين المغاربة في “سبتة” المحتلة إلى معادلة دقيقة تتوزع بين رغبة “الرباط” في استعادة مواطنيها. وضغط “مدريد” لتدبير الأزمة وفق القانون الإسباني والأوروبي والدولي.

وكانت الوزيرة الإسبانية، قد رفضت الدعوات المطالبة بالتعامل الجماعي مع القاصرين وإعادتهم دون دراسة ملفاتهم. مؤكدة أن القواعد القانونية الإسبانية تفرض معالجة وضع كل قاصر على حدة. مع إمكانية العمل على لم شمل الأسر متى توفرت الشروط والإمكانيات اللازمة. فيما توجد حالات يتعذر فيها تنفيذ ذلك.

تصريحات تعكس استمرار التعقيدات القانونية والإنسانية المرتبطة بملف المهاجرين المغاربة في “سبتة” المحتلة. في ظل حاجة السلطات الإسبانية إلى الموازنة بين إجراءات تحديد الهوية، والالتزامات القانونية الإسبانية والأوروبية والدولية. ودراسة الظروف الفردية لكل مهاجر قبل اتخاذ أي قرار بشأن وضعيته.

وفي انتظار استكمال عمليات تحديد الهوية ودراسة الملفات. يبدو أن الطريق نحو إعادة المهاجرين المغاربة لن يمر عبر قرار جماعي واحد. وإنما عبر سلسلة من الملفات الفردية التي ستحدد، حالة بحالة، من يمكن إعادته، ومن يحتاج إلى حماية أو مسار قانوني مختلف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.