هل تهز استقالة “نوفيسو” أركان حسابات “السنبلة” في إقليم “طاطا”؟

العدالة اليوم

العدالة اليوم

 

لم تكد تداعيات انسحاب “عبد الرحيم نوفيسو” من خوض الانتخابات التشريعية المقبلة بإقليم “طاطا” تهدأ، حتى جاء تطور آخر أكثر لفتا للانتباه. بعد إعلان الرجل، مساء الجمعة، استقالته من جميع المسؤوليات والهياكل التنظيمية لحزب “الحركة الشعبية”.

ووفق ما أوردته مصادر إعلامية محلية، فقد أعلن “نوفيسو” توجيهه رسالة استقالة إلى الأمين العام للحزب، عبر البريد المضمون. مؤكدا أن القرار لم يكن سهلا. مضيفا: أنه جاء بعد “تفكير عميق ومسؤول”. مؤكدا، في رسالته، على استمرار التزامه تجاه وطنه وأهله في “طاطا”. 

هنا، انتقل الملف من مجرد انسحاب مرشح، كان من المرتقب أن يقود لائحة “السنبلة” في “طاطا”. إلى أزمة سياسية صعبة قبيل الاستحقاقات التشريعية. مع الإعلان عن مغادرة مسؤول حزبي له حضور جهوي من التنظيم بشكل كامل. وهو ما يمنح الخطوة أبعادا سياسية وتنظيمية تتجاوز قرار عدم الترشح.

من الانسحاب إلى الاستقالة

كان “نوفيسو” قد أعلن، في 30 غشت الماضي. انسحابه من خوض الانتخابات التشريعية بإقليم “طاطا”، بعد أن كان مرتقبا أن يقود لائحة “الحركة الشعبية” بالإقليم.

وبرر القيادي الحركي آنذاك قراره هذا، بما قال: إنها ذات صلة بمعطيات وممارسات ميدانية، اعتبر أنها تمس بمبدأي الحياد وتكافؤ الفرص. وتؤثر، وفق روايته، في أجواء التنافس الانتخابي.

كما تحدث عن شهادات ومعطيات قال: إنه تلقاها خلال لقاءاته واتصالاته بعدد من المواطنين بالإقليم. رابطا إياها بتحركات منسوبة لبعض الموظفين وأعوان السلطة. لكنها تبقى مجرد ادعاءات صادرة عن صاحبها، لم تتبث صحتها من مصادر مستقلة ومسؤولة. 

وكان “نوفيسو” قد قال، وفق ما نقلته وسائل إعلام: إنه مستعد لمنافسة أي مرشح، لكنه لا يستطيع منافسة “أشباح تتحرك في الظلام”. 

اللافت في التطور الجديد، هو أن الأمر لم يتوقف عند حدود الانسحاب من السباق الانتخابي، إذ اختار “نوفيسو” بعد أيام قليلة، مغادرة الحزب نفسه.

استقالة في لحظة انتخابية شديدة الحساسية

تأتي هاته الاستقالة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لحزب “الحركة الشعبية”. إذ لم تتبق سوى أيام قليلة، على انتهاء عملية إيداع التصريحات بالترشيح.

وكانت السلطات قد حددت فترة إيداع الترشيحات للانتخابات التشريعية، من الساعة الثامنة صباحا من يوم 31 غشت، إلى الثانية عشرة زوالا، من يوم 9 شتنبر 2026. مبرزة أن الانتخابات ستجري يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026. فيما ستنطلق الحملة الانتخابية رسميا في 10 شتنبر وتنتهي منتصف ليلة 22 شتنبر. 

وهكذا، فإن الاستقالة تأتي في قلب مرحلة تشكيل اللوائح الانتخابية. وهي مرحلة تكون فيها كل مغادرة أو تغيير في مواقع المسؤولين والمرشحين قابلا لإعادة ترتيب الحسابات الحزبية المحلية. أي أنها تأتي في فترة حساسة من عمر الاستحقاقات الانتخابية.

لهذا، فإن أهمية الخطوة لا ترتبط فقط بمستقبل شخص. وإنما بما يمكن أن تتركه من أثر على صورة “السنبلة”. وبالتالي على قدرتها على تدبير المرحلة الانتخابية والمحافظة على تماسكها المحلي والجهوي.

“السنبلة” وسؤال التنظيم قبل المقعد

ما يفرض نفسه، خلال هاته الفترة الحساسة من عمر الانتخابات، ليس فقط: من سيقود لائحة الحركة الشعبية في طاطا؟. بل الإجابة على سؤال أكبر مفاده: كيف سيتعامل الحزب مع خروج أحد الوجوه التي كانت حاضرة في المشهد التنظيمي الجهوي، في هاته اللحظة الانتخابية؟. علما، أن الانتخابات لا يتم خوضها بالأسماء فقط، بل بتنظيم قادر على تعبئة مناضليه، وتنسيق حملته، والتواصل مع الناخبين، وتقديم مرشحين يحظون بالثقة داخل المجال الانتخابي.

من هذا المنطلق، تشكل أي أزمة تنظيمية، مهما كان حجمها. اختبارا حقيقيا لقدرة الحزب على الانتقال من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة إعادة البناء.

وكانت “الحركة الشعبية” قد جددت، في يونيو من عام 2024، هياكلها التنظيمية بإقليم “طاطا”. حيث تم انتخاب “هشام بوقدير”، كاتبا إقليميا للحزب. إلى جانب تأسيس “منظمة شبيبة الحزب” بالإقليم. فيما تم اعتباره حينها محاولة لإعادة تحريك المشهد التنظيمي، بعد فترة جمود. وقد ارتبط اسم “نوفيسو”، حينها، باللقاء التنظيمي الذي ناقش قضايا مرتبطة بالإقليم وتطلعات ساكنته. 

من هاته الزاوية، فإن استقالة “نوفيسو” تطرح سؤالا متصلا بحول مدى قدرة تلك الدينامية التنظيمية على الاستمرار بعد خروج أحد أبرز الوجوه المرتبطة بها.

هل نحن أمام بداية انتقال سياسي جديد؟

تفتح الاستقالة الباب أمام أسئلة حول الخطوة المقبلة لـ”نوفيسو”. حيث بدأت بعض القراءات الإعلامية تربط مستقبله السياسي باحتمال عودته لحزب “الأصالة والمعاصرة”. اتصالا بعمله ضمن صفوفه قبل التحاقه بـ”الحركة الشعبية” عام 2021.

لكن لا يوجد، إلى حدود المعطيات المتاحة حاليا، أي إعلان رسمي موثوق يؤكد عودته إلى “البام”. وبالتالي فإن الحديث عن وجهته المقبلة يجب أن يبقى في إطار الاحتمالات، لا الحقائق.

كما أن تداول انتقال بعض من الوجوه المحسوبة على “الحركة الشعبية” إلى أحزاب أخرى، قبيل الاستحقاق الانتخابي. يظل، ما لم يصدر في شأنه إعلان رسمي، أو تتأكد الترشيحات لدى الجهات المختصة. مجرد معطيات تحتاج إلى التحقق.

تبقى هاته النقطة مهمة جدا في قراءة المشهد السياسي في “المغرب”. لأن الفترة السابقة للانتخابات تعرف، في العادة، تحركات واتصالات حزبية واسعة. وبالتالي لا يصبح الانتقال السياسي حقيقة انتخابية إلا عندما يتجسد في تزكية رسمية وإيداع قانوني للترشيح.

القانون الانتخابي يفرض إيقاعا سريعا على الأحزاب

تكتسب هاته التطورات أهمية إضافية بسبب ضيق الهامش الزمني المتبقي أمام الأحزاب لترتيب لوائحها. فـ”القانون التنظيمي رقم 27.11″، المتعلق بمجلس النواب، كما وقع تغييره وتتميمه. يشكل أحد أهم النصوص المؤطرة للاستحقاق التشريعي. فيما يحدد “المرسوم رقم 2.26.190″، تاريخ الاقتراع وفترات الترشيح والحملة الانتخابية. كما أن المسطرة الحالية لإيداع الترشيحات تتضمن مرحلتين: إيداع التصريح والوثائق عبر المنصة الإلكترونية، ثم إيداع أصل الملف لدى السلطة المكلفة بتلقي الترشيحات، وفق الآجال المحددة رسميا. 

هذا يعني أن الوقت لم يعد يسمح للأحزاب بتأجيل حسم خياراتها، خصوصا وأن أي فراغ تنظيمي أو تغيير في المرشحين، خلال هاته المرحلة، قد ينعكس مباشرة على الاستعدادات الميدانية والاستحقاقات القانونية المرتبطة بالترشيح.

ماذا بعد إعلان استقالة “نوفيسو”؟

الكرة تنتقل، بطبيعة الحال، إلى ملعب “الحركة الشعبية” نفسها. فهل ستنجح في احتواء تداعيات الاستقالة وإعادة ترتيب صفوفها بسرعة؟. وهل ستتمكن من تقديم مرشح قادر على تعويض الانسحاب واستعادة حضورها التنظيمي؟. وهل ستبقى تداعيات القرار محصورة في “طاطا”، أم أن صدى الاستقالة سيمتد إلى المشهد الحركي بـ”جهة سوس ماسة”؟.

في المقابل، يبقى مستقبل “نوفيسو” السياسي مفتوحا على أكثر من احتمال. لكن أي حديث عن انتقاله إلى حزب آخر، يظل سابقا لأوانه، ما لم تؤكده المعطيات الرسمية.

فالانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026 لم تدخل بعد مرحلة الاقتراع، وإيداع الترشيحات نفسه لم ينتهِ بعد. لذلك فإن المشهد الانتخابي في “طاطا” لا يزال قابلا لمزيد من التحولات خلال الأيام القليلة المقبلة. 

عموما، لا تكمن أهمية استقالة “عبد الرحيم نوفيسو” في كونها مغادرة مسؤول حزبي لهياكل “السنبلة” فقط. وإنما في توقيتها وفصول وقائعها. من انسحاب من السباق الانتخابي، أعقبه بعد أيام قليلة إعلان لمغادرته الحزب. في واحدة من أكثر اللحظات حساسية قبل استحقاق 23 شتنبر.

وستكشف الأيام المقبلة ما إذا كانت هذه الخطوة، ستظل حدثا تنظيميا محليا، أم ستتحول إلى محطة لإعادة رسم الخريطة السياسية بـ”طاطا”. لكن الثابت، حتى الآن، هو أن “السنبلة” دخلت مرحلة اختبار حقيقي: اختبار التماسك، والقدرة على إعادة ترتيب الصفوف، والحفاظ على حضورها في دائرة انتخابية لا تزال أبوابها السياسية مفتوحة على كافة المفاجآت.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.