“بوعيدة” يفجر “قنبلة التزكيات” داخل الاستقلال: هل دفع ثمن مواقفه أم خسر معركة كلميم؟

محمد حميمداني

محمد حميمداني

 

أشعل إعلان “عبد الرحيم بوعيدة” استقالته من “حزب الاستقلال” في “المغرب” ومن عضويته بمجلس النواب. على خلفية عدم تزكيته لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة عن “دائرة كلميم”. جدلا سياسيا واسعا داخل الحزب وخارجه. في وقت بدأت فيه خريطة الترشيحات الانتخابية تتشكل على وقع صراعات داخلية وأسئلة متزايدة حول معايير اختيار المرشحين. 

“بوعيدة”، الذي اختار إعلان موقفه، عبر شريط فيديو نشره على حساباته عبر مواقع التواصل الاجتماعي. قدم الاستقالة باعتبارها قرارا مرتبطا بقناعاته السياسية ورفضه، وفق روايته، “التخلي عن مواقفه مقابل الحصول على تزكية انتخابية”.

في هذا السياق، أكد الاستقلالي المستقيل أن مغادرته الحزب لا تعني مغادرته الحياة السياسية. مبرزا أن المرحلة المقبلة ستظل مرتبطة بـ”الدفاع عن المواطنين وقضاياهم”. 

وتساءل بوعيدة، عن المعيار السياسي الذي استند إليه الحزب في تزكية شخص آخر مكانه. لافتا إلى أن الشخص الذي تم اختياره في الدائرة التي ترشح عنها، كان، خلال الولاية السابقة، “متابعا قضائيا”، وفق ادعائه.

وعلى الرغم من تعبيره عن احترامه لحزب “الميزان ومناضليه، فإن “بوعيدة” لم يخف أن الاستقالة شكلت قرارا لا رجعة فيه بالنسبة إليه. مرجعا الأمر لعدم موافقته على الوعود التي منحت له. وعدم رغبته في أن يكون “انتهازيا”، وفق إفادته. بتحويل السياسة إلى منصب أو تزكية أو حسابات انتخابية. مجددا تشبثه بقناعاته.

اتصالا بما طرحه، لا يمكن النظر إلى استقالة “بوعيدة” من موقع كونها مجرد خلاف حول اسم مرشح. لكونها تحولت لاختبار سياسي داخل “حزب الاستقلال”: فهل كانت عدم تزكيته نتيجة لخيارات تنظيمية وانتخابية عادية، أم أن مواقفه النقدية داخل الأغلبية لعبت دورا في اتخاذ القرار؟.

بوعيدة: لن أتخلى عن مواقفي من أجل التزكية

في تقديمه للأحداث، رفض “بوعيدة” اختزال الخلاف في مجرد عدم إدراج اسمه ضمن لائحة المرشحين. رابطا قراره، بما اعتبره، اختلافا بين قناعاته السياسية ومنطق البحث عن التزكية.

وتساءل عن المعيار السياسي الذي اعتمده الحزب في اختيار مرشح آخر بدلا عنه. مبرزا أن الشخص الذي تم اختياره بدائرته، كان متابعا قضائيا خلال الولاية السابقة، وفق تعبيره.

اتهام يبقى ادعاء صادرا عن “بوعيدة” لم يتسن التحقق من صحته بشكل مستقل.

في سياق متصل، قال “بوعيدة”: إنه لا يريد أن تتحول الممارسة السياسية إلى مجرد وسيلة للحصول على منصب أو تزكية. مؤكدا تمسكه بمواقفه حتى لو كان ثمن ذلك مغادرة التنظيم الذي قضى داخله سنوات.

وألمح “بوعيدة” إلى كون انتقاداته الموجهة للسياسة الحكومية، رغم انتمائه إلى حزب مشارك في الأغلبية. قد تكون أحد أسباب الخلاف. متسائلا عما إذا كان المطلوب من النائب المنتمي إلى الأغلبية، أن يتخلى عن مواقفه النقدية مقابل الاستمرار في الحصول على دعم الحزب للترشح.

وأكد البرلماني السابق، أنه يفضل “خسارة التزكية على التخلي عن مواقفه”. معتبرا أن السياسي الذي يصمت حفاظا على موقعه الانتخابي فقط، قد يحتفظ بالترشح، لكنه يخسر، بحسب تصوره، جزءا من استقلاليته السياسية. 

واستطرد بوعيدة قائلا: “إذا كنتم تنظرون إلي على أنني لم أنضبط كنائب في حزب الاستقلال لميثاق الأغلبية. وأنني كنت أنتقد السياسة الحكومية من موقعي في حزب مشارك في الحكومة. فإنني أقبل أن يؤدي ذلك إلى أن أكون شخصا غير مرغوب فيه”.

الاستقالة لا تعني نهاية المسار السياسي

أعلن “بوعيدة” أن مغادرته لحزب “الاستقلال” لا تعني مغادرته العمل السياسي. بل نهاية مرحلة وبداية أخرى، وفق إفادته. دون الكشف، إلى حدود الساعة. عن وجهته السياسية المقبلة. كما لم يحسم فيما إذا كان سيخوض الانتخابات المقبلة باسم حزب آخر، أو سيواصل نشاطه السياسي من خارج التنظيمات الحزبية. 

وشدد النائب البرلماني عن دائرة كلميم، بأن استقالته نابعة من “قناعاته”، المتمثلة في عدم “الاستقالة من مواقفه من أجل الحصول على تزكية”. مضيفا أن استقالته من “الميزان” لا تعني ابتعاده عن السياسة أو عن “الدفاع عن المواطنين”. مؤكدا على أنه شخصيا يفضل خسارة التزكية على خسارة “نفسه ومواقفه”، وفق تعبيره. مضيفا بأن الاستقالة، بالنسبة إليه، “بقدر ما تشكل نهاية لمرحلة، فإنها تمهد لمرحلة جديدة”.

العمراوي يرد: “التزكية لم تكن قرارا انفراديا”

في الجانب المقابل، قدم “علال العمراوي”، رئيس “الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية” بمجلس النواب. توضيحات بشأن ظروف تدبير التزكيات الانتخابية بـ”إقليم كلميم”. اتصالا بالجدل الذي رافق قرار “بوعيدة” مغادرة الحزب. مقدما رواية مختلفة عن تلك التي عرضها الأخير. معتبرا أن تدبير الترشيحات بـ”إقليم كلميم” تم في إطار “التشاور” مع التنظيمات الحزبية المحلية. نافيا أن يكون قرار اختيار المرشح قد تم اتخاذه بشكل انفرادي. 

وأوضح أن اسم “بوعيدة” كان مطروحا للاستمرار في الترشح عن الإقليم، لكنه، وفق رواية العمراوي، اختار تقديم أحد المقربين منه للترشح في الدائرة نفسها، وفق إفادته.

وأضاف “رئيس الفريق الاستقلالي”: أن الحزب اقترح على “بوعيدة”، في وقت لاحق، إمكانية ترشحه بدائرة انتخابية أخرى. إلا أن هذا العرض لم يحظَ بموافقته، لتنتهي الأمور بإعلان استقالته من حزب “الاستقلال”.

هكذا، تقدم هاته الرواية صورة مختلفة عن فكرة “الإقصاء المباشر” التي عرضها “بوعيدة”. إذ حاول الحزب وضع الخلاف كتدبير داخلي للترشيحات، وليس في إطار قرار عقابي بسبب مواقف سياسية معارضة.

العمراوي ينفي وجود أي إقصاء بسبب المواقف 

في سياق حديثه عن علاقة “بوعيدة” بالحزب، أكد “العمراوي” أن الأخير كان يتمتع بـ”حرية التعبير داخل التنظيم”. نافيا أن تكون مواقفه أو آراؤه قد قوبلت، وفق إفادته، بمنع أو تضييق بسبب اختلافها مع مواقف الحزب.

هل كانت مواقف “بوعيدة” سببا في عدم تزكيته؟. هاته هي النقطة الأكثر حساسية في الأزمة. فالأخير يربط عدم التزكية، بخطابه السياسي ومواقفه النقدية للحكومة. فيما يؤكد “العمراوي” أنه كان يتمتع بحرية التعبير داخل الحزب. وأن اختلافه في الرأي لم يكن سببا في منعه من التعبير أو ممارسة دوره السياسي. 

تبعا لذلك، نكون أمام روايتين: الاولى صادرة عن “بوعيدة” مفادها أن “التزكية لا ينبغي أن تكون ثمنا للصمت أو التخلي عن المواقف”. ما يعني أنه يصر على أن حرمانه من التزكية كان نتيجة مواقفه المعارضة لسياسة الحزب والتحالف الحكومي. أما الرواية الثانية فتنفي الأمر، مؤكدة أن اختيار المرشحين تم بـ”التشاور”. وأن “بوعيدة” عرضت عليه إمكانية الاستمرار في الترشح، ثم اقترحت عليه دائرة أخرى، إلا أنه رفض وفضل الاستقالة.

إلا أن الوقائع المعروضة من الجانبين تبقى إنشائية ليس إلا، لعدم وجود معطيات منشورة، حتى الساعة. أو وثيقة مستقلة، تحسم بشكل قاطع في كون عدم تزكية “بوعيدة” جاء كعقوبة مباشرة على مواقفه السياسية.

ملف التزكيات يعري واقع الهشاشة 

تتفجر هاته القضية، في وقت تشهد فيه الأحزاب المغربية سباقا متسارعا لحسم لوائح مرشحيها للانتخابات التشريعية المقبلة.

وتعتبر التزكية الحزبية واحدة من أكثر المراحل حساسية داخل التنظيمات السياسية. لكونها تجمع بين الاعتبارات التنظيمية والشعبية والانتخابية. ما يضع القيادات أمام معادلة دقيقة بين اختيار أسماء قادرة على المنافسة محليا والحفاظ على التوازنات الداخلية. ما يحول عملية اختيار المرشحين لاختبار حقيقي للعلاقة بين القيادة والقواعد المحلية. خاصة عندما يتعلق الأمر ببرلمانيين سابقين أو بأسماء راكمت حضورا انتخابيا وسياسيا.

كلميم.. دائرة تنتظر إعادة ترتيب الأوراق

من المتوقع أن تنعكس استقالة “بوعيدة” بشكل مباشر على المشهد الانتخابي بإقليم “كلميم”. إذ أن خروجه من حزب “الاستقلال” ينقل للواجهة سؤالا مركزيا وأساسيا، حول الوجهة السياسية الجديدة للبرلماني السابق عن دائرة “كلميم”، أم اختياره عدم الترشح أو مواصلة العمل السياسي من خارج التنافس الانتخابي.

في المقابل، سيكون حزب “الاستقلال” مجبرا على الدفاع عن اختياره الانتخابي الجديد في دائرة سبق أن مثلها “بوعيدة”. وبالتالي تحويل القرار التنظيمي إلى نتيجة انتخابية قادرة على الصمود أمام المنافسة. وهنا تحديدا تنتقل القضية من مجرد أزمة داخلية تهز أركان الحزب إلى اختبار انتخابي ميداني.

الاستقالة من الحزب والاستقالة من البرلمان

من الناحية القانونية، يجب التمييز بين الاستقالة من الحزب والاستقالة من عضوية مجلس النواب. فهما مساران مختلفان من حيث الطبيعة والآثار القانونية. حيث تخضع عضوية مجلس النواب للمقتضيات المنصوص عليها في “القانون التنظيمي رقم 27.11″، المتعلق بمجلس النواب. التي تنص على تقديم استقالة عضو بمجلس النواب كتابة إلى رئيس المجلس. الذي يعرضها على مكتب مجلس النواب في أقرب اجتماع لمعاينتها وإحاطة المجلس علما بها. ليحيلها رئيس المجلس، بعد ذلك، للمحكمة الدستورية، داخل الأجل القانوني، للتصريح رسميا بشغور المقعد البرلماني، لتبلغ المحكمة الدستورية، لاحقا، قرارها إلى كل من رئيس الحكومة، رئيس مجلس النواب والطرف المعني لتنفيذ الآثار المرتبطة بذلك.

أما الاستقالة من الحزب، فينظمها القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية، والأنظمة الداخلية للأحزاب وحقوق والتزامات أعضائها.  

وفقا للوقائع المعروضة، فإن هاته الخطوة تتجاوز الخلاف حول التزكية الانتخابية. لتمتد إلى إنهاء المرحلة البرلمانية الحالية بالنسبة لـ”بوعيدة”.

“الميزان” وسؤال إدارة الاختلاف

تطرح أزمة “بوعيدة” وحزب “الاستقلال” سؤالا محوريا يتجاوز “كلميم” مفاده: كيف تدير الأحزاب خلافاتها عندما تتقاطع القناعة السياسية مع حسابات التزكية الانتخابية؟.

ففي الأنظمة الحزبية، تظل حرية العضو في التعبير عن موقفه مرتبطة أيضا بالقواعد التنظيمية والالتزامات التي يفرضها الانتماء إلى الحزب. بينما تمتلك القيادة، في المقابل، صلاحيات واسعة في تدبير الترشيحات، وفق أنظمتها ومساطرها الداخلية.

لكن كلما اقترب موعد الانتخابات، يصبح الفرق بين القرار التنظيمي والقرار السياسي أكثر دقة. حيث تصبح الشفافية في شرح أسباب الاختيار عاملا حاسما في احتواء الخلافات.

المؤكد، أن الحسم النهائي في الملف والكشف عن عمق الصراع، لا يمكن استيفاؤه من تضارب التصريحات، بل فيما ستكشفه الخطوات السياسية المقبلة. فإذا ظهر “بوعيدة” في سباق انتخابي جديد، فإن استقالته ستتحول إلى انتقال سياسي أكثر منها انسحابا. أما إذا اختار الابتعاد عن الانتخابات، فستكون الاستقالة أساسا لموقف سياسي، أراد من خلاله “بوعيدة” تسجيل اعتراضه على طريقة تدبير التزكيات.

في كلتا الحالتين، فإن استقالة “عبد الرحيم بوعيدة” تفتح صفحة جديدة في المشهد الانتخابي بـ”كلميم”. حيث تعيد إلى الواجهة سؤالا أوسع داخل الأحزاب المغربية: هل تستطيع التزكية أن تجمع بين الولاء التنظيمي، والكفاءة الانتخابية، وحرية الموقف السياسي؟. الجواب لن تحدده بيانات الأحزاب وحدها، وإنما ستكشفه خريطة المرشحين وصناديق اقتراع شتنبر. التي من المرتقب أن تشهد حدة في النقاش حول التحالفات والترشيحات وخريطة التنافس الانتخابي بالمنطقة. في ظل صراعات داخلية وتباين في وجهات النظر حول أسماء المرشحين وطريقة اختيارهم. خاصة وأن الغموض الذي يلف الاستقالة يجعلها أكثر أهمية من الناحية الانتخابية. إذ يمكن لأي تغيير في موقع أحد الأسماء البارزة، أن يعيد ترتيب التحالفات وحسابات المنافسة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.