عبد الفتاح العوني يربك حسابات الرباط: هل نحن أمام رسم جديد لخريطة “المحيط”؟

محمد حميمداني

محمد حميمداني

 

أعاد انتقال “عبد الفتاح العوني”، رئيس “فريق الأصالة والمعاصرة” بمجلس مدينة “الرباط”، إلى حزب “الاستقلال”، ترتيب جزء من المشهد السياسي بالعاصمة الإدارية للمملكة المغربية. في خطوة تفتح الباب أمام أسئلة متعددة حول خلفياتها وتوقيتها وانعكاساتها المحتملة على خريطة التنافس الانتخابي. سيما في “دائرة المحيط” التي تعد من أبرز ساحات التنافس السياسي والانتخابي بـ”الرباط”.

لا تكتسب هاته الخطوة دلالتها من تغيير الانتماء الحزبي فحسب. وإنما من الموقع الذي كان يشغله “العوني” داخل المؤسسة المنتخبة للعاصمة الإدارية للمملكة. ما يجعل انتقاله محط اهتمام لدى مختلف الفاعلين، خصوصا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية ودخول الأحزاب مرحلة إعادة ترتيب الصفوف واستقطاب الوجوه التي تتوفر على حضور ميداني وتجربة انتخابية.

انتقال سياسي أم إعادة تموقع انتخابي؟

وفق الحسابات السياسية، يصعب التعامل مع انتقال شخصية منتخبة وذات مسؤولية داخل مجلس المدينة ورآسة مقاطعة “يعقوب المنصور” باعتباره مجرد قرار تنظيمي داخلي. اعتبارا لكون “العوني” ينتقل من موقع قيادي داخل فريق “البام” بمجلس مدينة “الرباط” إلى حزب “الاستقلال”. في ظرفية تشهد فيها الساحة السياسية بالعاصمة تحركات متسارعة. إذ بدأت مختلف التنظيمات في اختبار مواقعها الانتخابية والبحث عن الأسماء القادرة على المنافسة.

من هاته الزاوية، يمكن أن تتم قراءة الانتقال، بدل تناولها كحلقة رقمية وتغيير لون سياسي بلون آخر. فهي في الحقيقة إعادة تموقع سياسي وانتخابي. خصوصا إذا ارتبط حدث ترشيح “العوني”، ضمن دوائر انتخابية محددة، أو بترتيبات تنظيمية جديدة داخل حزب “الاستقلال”.

غير أن الحسم في خلفية الخطوة، يبقى رهينا بما ستكشف عنه المرحلة المقبلة من مواقف رسمية وترتيبات انتخابية. حيث لا يمكن اختزال دوافع الانتقال في زاوية قراءة واحدة، دون معطيات صريحة من المعني بالأمر أو قيادة الحزبين.

“دائرة المحيط” تدخل مرحلة تسونامي انتخابي جارف

تزداد أهمية انتقال “العوني” من حزب “التراكتور” إلى حزب “الميزان”، اتصالا بموقع “دائرة المحيط” في الخريطة الانتخابية للعاصمة الإدارية للمغرب. حيث أنه ومع اقتراب موعد الانتخابات، تتحول الدوائر ذات التنافس القوي إلى ساحات لإعادة ترتيب الحسابات. إذ يصبح حضور المرشح وشبكة علاقاته وقدرته على التواصل الميداني، عوامل مؤثرة إلى جانب القوة التنظيمية للحزب.

من هنا، فمن شأن التحاق شخصية لها تجربة داخل المؤسسات المنتخبة بحزب “الاستقلال” أن يدفع باقي المنافسين لإعادة تقييم حساباتهم. سواء على مستوى الترشيحات أو توزيع الأدوار أو بناء الشبكات الانتخابية. اتصالا بأهمية الدائرة وقوة  المنافسة داخلها، مع وجود أسماء لها حضور انتخابي وتنظيمي قوي. وهو ما يمكن أن يرفع من حدة المنافسة. خاصة وأن “التجمع الوطني للأحرار” يجد نفسه أمام مشهد انتخابي متحرك تتغير فيه موازين القوى بشكل متواصل. فدخول أسماء وازنة السباق الانتخابي، من شأنه أن يجعل المعركة أكثر ارتباطا بقدرة كل حزب على بناء شبكة انتخابية فعالة، وليس فقط بحجم حضوره المؤسساتي.

هنا، لا يتعلق الأمر بعدد المناضلين الذين يمكن أن يستقطبهم حزب معين فقط. بل بمدى قدرة هذا الانتقال على تحويل الحضور السياسي والمؤسساتي إلى قوة انتخابية فعلية.

“الاستقلال” يعزز أوراقه في معركة العاصمة الانتخابية

يمكن أن يشكل استقطاب “العوني”، بالنسبة لحزب “الاستقلال”، إضافة أخرى لرصيده التنظيمي والسياسي في “الرباط”. في حالة تمكن الحزب من توظيف تجربته المؤسساتية ومعرفته بالمشهد المحلي ضمن استراتيجية انتخابية متكاملة.

انتقال، يعكس محاولة من “الميزان” لإعادة بناء موقع انتخابي جديد. واستثمار حضوره التاريخي والتنظيمي الوازن داخل العاصمة السياسية للمغرب. وتعزيز صفوفه بوجوه قادرة على خوض المنافسة الانتخابية بقوة. كما أن انتقال شخصية من موقع مسؤولية داخل فريق “الأصالة والمعاصرة” إلى “حزب الاستقلال” يطرح سؤالا مركزيا حول مستقبل العلاقة بين الحزبين محليا. في ظل تواجدهما إلى جانب حزب “التجمع الوطني للأحرار” ضمن الأغلبية الحكومية.

غير أن الانتقال في حد ذاته لا يكفي للقول بوجود تحالف سياسي جديد بين “الأصالة والمعاصرة” و”الاستقلال”. إذ إن التحالفات الانتخابية لا تقاس فقط بانتقال أشخاص، وإنما تحددها مواقف القيادات، وطبيعة التنسيق الميداني، وترتيبات الترشيحات، وما ستفرزه النتائج الانتخابية.

مع ذلك، لا يمكن قياس قوة أي استقطاب انتخابي بالاسم وحده. وإنما بقدرة هذا الاسم على الاندماج داخل التنظيم المحلي. وأيضا بمدى قبول القواعد والفاعلين الحزبيين لحضوره، وبقدرته على العمل ضمن استراتيجية موحدة للترشيح والحملة.

لذلك، فإن الاختبار الحقيقي للانتقال سيبدأ مع اتضاح خريطة الترشيحات. فضلا عن طريقة توزيع الأدوار داخل الدائرة، وليس بمجرد الإعلان عن تغيير الانتماء الحزبي.

“الأصالة والمعاصرة” وسؤال تدبير المرحلة

يضع انتقال “العوني”، في الجهة المقابلة، حزب “الأصالة والمعاصرة” أمام أسئلة مرتبطة بتدبير المرحلة المقبلة داخل مجلس مدينة “الرباط”. وأيضا بكيفية الحفاظ على تماسك فريقه المؤسساتي وتنظيمه المحلي. لأن خروج شخصية تتولى رئاسة الفريق، يفرض عمليا إعادة ترتيب الأدوار. ما قد يفتح نقاشا حول القيادة الجديدة للفريق وطبيعة المرحلة التي سيقبل عليها الحزب داخل المجلس.

مع ذلك، فإن أثر الانتقال على قوة “البام” انتخابيا لا يمكن تقديره بشكل نهائي، إلا بعد معرفة مدى انعكاس الخطوة على التنظيم المحلي. وما إذا كانت ستتبعها انتقالات أخرى، أو ستبقى في حدود حالة فردية.

الأغلبية الحكومية والانتخاب المحلي

ينقل انتقال “العوني” من حزب “الأصالة والمعاصرة” لحزب “الاستقلال” سؤال العلاقة بين الحزبين على المستوى المحلي. لأن وجودهما معا ضمن الأغلبية الحكومية لا يعني تلقائيا وجود تحالف انتخابي بينهما في كل دائرة أو جماعة. اعتبارا لكون التحالفات الانتخابية المحلية تخضع لحسابات مختلفة. ذات صلة بالترشيحات وتوزيع المقاعد وطبيعة المنافسة ونتائج الانتخابات. 

من هنا، فإن انتقال شخص من حزب إلى آخر لا يكفي وحده لإثبات وجود تفاهم انتخابي بين التنظيمين.

تبعا لذلك، فإن أي حديث عن تحالف أوسع سيحتاج إلى مؤشرات أكثر وضوحا. ضمنها التنسيق الرسمي، أو إعلان ترتيبات مشتركة، أو ظهور تفاهمات ميدانية مرتبطة بالترشيحات والحملة الانتخابية.

انتقال من لون حزبي إلى آخر، يتم فيما حزب حزب “التجمع الوطني للأحرار”، الذي يمثل أكبر مكونات المشاهد السياسي في العاصمة الإدارية للمغرب، يراقب المشهد عن كثب. فأي إعادة تموقع بين “البام” و”الاستقلال” يمكن أن تؤثر، بدرجات متفاوتة، على الحسابات الانتخابية لباقي الأحزاب. في حالة ما نتج عنها إعادة توزيع لجزء من شبكات الدعم والأصوات.

ومع ذلك، فالتأثير الفعلي لن يكون قابلا للقياس، إلا بعد انكشاف الخريطة الكاملة للمرشحين. لأن الانتخابات لا تحسمها الانتقالات السياسية وحدها. بل تتداخل فيها عدة عوامل، ضمنها قوة التنظيم، الحضور الميداني، البرامج، القدرة على التواصل مع الناخبين والسياق العام الذي ستجرى فيه الانتخابات.

الفيصل يكمن في صناديق الاقتراع

تكتسب هاته الحلقة الانتقالية من لون سياسي إلى لون آخر بعدا مؤسساتيا أيضا. لأن انتقال المنتخب بين الأحزاب لا يعني بالضرورة زوال صفته الانتدابية داخل المجلس. حيث أن المركز القانوني للمنتخب يرتبط بالقواعد المنظمة للانتخابات والجماعات الترابية. فيما يظل الانتماء الحزبي ومسؤولية المنتخب داخل فريق المجلس موضوعا تنظيميا وسياسيا له قواعده الخاصة.

من هنا، فإن التداعيات المباشرة لهذا الانتقال على تركيبة المجلس، تحتاج إلى النظر في الوضعية القانونية والتنظيمية “للعوني” داخل المؤسسة. وفي القرارات التي قد تتخذها مختلف الأجهزة الحزبية والمجلسية بعد انتقاله.

هل نحن أمام خريف بطريك انتقالات؟

يبقى السؤال، الأكثر إثارة، الذي يفرض نفسه الآن هو: هل سيكون انتقال “عبد الفتاح العوني”، حالة منفردة، أم بداية لتحولات أوسع في خريطة الاستقطاب السياسي في العاصمة؟.

تجدر الإشارة، أن المرحلة التي تسبق الانتخابات، تعرف، في غالب الاحيان، تحركات للمنتخبين والمرشحين. سواء بسبب اختلافات حول الترشيحات أو بسبب إعادة تقييم المواقع السياسية أو البحث عن فرص انتخابية جديدة. إلا أن استشراف ما ستؤول إليه الخريطة السياسية لمدينة “الرباط” يظل سابقا لأوانه، ما لم تتضح أسماء المرشحين النهائية ومواقعهم الانتخابية والتحالفات التي ستتشكل قبيل الاقتراع.

“الرباط” وسباق مسافات الانتخابات المتحرك 

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يبدو أن المشهد السياسي في “الرباط” يدخل مرحلة أكثر حساسية، عنوانها إعادة التموضع واستقطاب الأسماء ذات حضور محلي.

من هنا، فانتقال “عبد الفتاح العوني” من حزب “الأصالة والمعاصرة” إلى حزب “الاستقلال” يضيف عنصرا جديدا لهاته المعادلة، خصوصا داخل “دائرة المحيط”. إلا أنه لا يقدم بمفرده صورة نهائية عن موازين القوى القائمة. حيث أن الاختبار الحقيقي سيحصل لحظة تحول التحركات الحزبية إلى ترشيحات رسمية وحملات انتخابية. والأهم حينما يصبح الناخب هو الطرف الذي يحسم قيمة كل اسم وكل حزب.

الأكيد، أن الخطوة حملت رسالة أبرز، مفادها أن المعركة الانتخابية في “الرباط” بدأت قبل فتح صناديق الاقتراع بكثير. كاشفة حقيقة أضحت جزءا من المشهد السياسي المغربي مفادها. أن الأحزاب لا تتنافس على الأصوات فقط، وإنما على استقطاب الوجوه القادرة على تحويل الحضور السياسي إلى نفوذ انتخابي أيضا.

ويبقى السؤال مفتوحا: هل سينجح حزب “الاستقلال” في تحويل انتقال “العوني” لمكسب انتخابي حقيقي. أم أن “دائرة المحيط” ستعيد خلط الأوراق مرة أخرى عندما تبدأ المنافسة الفعلية؟.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.