هل تفتح زيارة “فيليبي السادس” لـ”سبتة” و”مليلية” أبوابها وتعيد خلط الملفات مع “المغرب”؟

العدالة اليوم

العدالة اليوم

 

كشف رئيس الحكومة الإسبانية، “بيدرو سانشيز”، عن وجود ترتيبات لزيارة مرتقبة للملك “فيليبي السادس”، لمدينتي سبتة ومليلية. في خطوة، ستكون الأولى من نوعها، منذ اعتلائه العرش عام 2014، إذا ما تمت فعلا، وفق الترتيبات التي يجري بحثها.

في هذا السياق، قال “سانشيز”، في مقابلة مع إذاعة “كادينا سير”: إن هناك “حججا وأسبابا كافية” تبرر قيام العاهل الإسباني بهاته الزيارة. موضحا أنه سبق له أن ناقش الموضوع مع الملك “فيليبي السادس”. مضيفا، أن الزيارة ستتم عندما “تتوافر الظروف المناسبة لتنظيمها”، من دون تحديد موعد رسمي أو الكشف عن تفاصيل برنامجها.

تكتسي تصريحات رئيس الحكومة الإسبانية، أهمية سياسية ورمزية، خصوصا وأن آخر زيارة قام بها ملك إسباني إلى المدينتين تعود لشهر نونبر من عام 2007. عندما زار الملك السابق، “خوان كارلوس” والملكة “صوفيا” “سبتة” و”مليلية” المحتلتين. في خطوة أثارت آنذاك اعتراضا مغربيا قويا.

زيارة مؤجلة منذ 2014

منذ توليه العرش، في يونيو من عام 2014، لم يقم “فيليبي السادس” بزيارة رسمية إلى “سبتة” أو “مليلية” المحتلتين. رغم صدور دعوات متكررة من مسؤولين محليين وقوى سياسية إسبانية بتنظيم زيارة ملكية.

من هنا، فإن تنفيذ هاته الزيارة سيكون، في حال تأكدها. أول حضور رسمي للملك “فيليبي السادس” إلى المدينتين المحتلتين منذ بداية عهده. ما يمنحها دلالة تتجاوز الطابع البروتوكولي المعتاد للزيارات الملكية إلى الطابع السياسي.

يأتي الحديث عن هاته الزيارة، في ظرفية دقيقة، سواء بالنسبة للوضع الأمني في المدينتين المحتلتين. أو بالنسبة للعلاقات المغربية الإسبانية، التي عرفت، خلال السنوات الأخيرة، تحولات مهمة. حيث تخللتها محطات تعاون وثيق في ملفات الهجرة والأمن والاقتصاد، إلى جانب استمرار الخلاف السياسي حول الوضع القانوني والسيادي لـ”سبتة” و”مليلية”.

سبتة ومليلية ملف يتجاوز الحسابات المحلية

تعتبر “الرباط” مدينتي “سبتة” و”مليلية” محتلتين. فيما تعتبرهما “مدريد” جزءا من التراب الإسباني وتخضعان للإدارة والسيادة الإسبانية.

لذلك، فإن أي زيارة ملكية إليهما تحمل بطبيعتها رسائل سياسية ورمزية، سواء داخل إسبانيا أو في علاقاتها مع “المغرب”.

كما تكتسب هاته المسألة حساسية إضافية، بالنظر للموقع الجغرافي للمدينتين المحتلتين، المحاطتين بالأراضي المغربية. فضلا عن ارتباطهما المباشر بملفات ذات صلة بالهجرة غير النظامية وحماية الحدود والتعاون الأمني بين “الرباط” و”مدريد”.

على المستوى الدستوري الإسباني، يمثل الملك رأس الدولة ورمز وحدتها واستمراريتها. فيما تتولى الحكومة مسؤولية توجيه السياسة الداخلية والخارجية للدولة. ومن ثم، فإن الزيارة الملكية، إذا تمت، ستندرج في إطار ممارسة الملك لمهامه الدستورية والرمزية. مع ارتباطها بالسياسة العامة التي تحددها الحكومة.

أزمة الهجرة تعيد الملف المدينتين المحتلتين إلى الواجهة

تأتي تصريحات “سانشيز”، في سياق توتر أمني وسياسي مرتبط بملف الهجرة غير النظامية في “سبتة” المحتلة. عقب الأحداث التي شهدتها المنطقة نهاية يوليوز، ما دفع السلطات الإسبانية لتعزيز إجراءات المراقبة الحدودية.

وكان رئيس الحكومة الإسبانية، قد نفى، في وقت سابق، وجود مسؤولية مغربية عن الأحداث التي شهدتها المدينة المحتلة. مؤكدا أن أجهزة الاستخبارات التي تتعاون معها “مدريد” لم تقدم مؤشرات تفيد بوجود ضلوع مغربي في ما حدث.

وفي الشأن ذاته، دافع وزير الداخلية الإسباني، “فرناندو غراندي مارلاسكا”، عن مستوى التعاون القائم مع “المغرب” في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية. معتبرا أن التنسيق بين البلدين في هذا الملف عنصرا أساسيا قائما على الثقة.

معطيات، تجعل توقيت الحديث عن زيارة ملكية محتملة لمدينتي “سبتة” و”مليلية”، بالغ الحساسية. إذ يأتي في وقت تحاول فيه “مدريد” الجمع بين تشديد حماية حدود المدينتين المحتلتين والحفاظ على قنوات التعاون مع “الرباط”.

زيارة “خوان كارلوس” للمدينتين المحتلتين عام 2007

تعود آخر زيارة لملك إسباني إلى “سبتة” و”مليلية” إلى شهر نونبر من عام 2007. عندما زار الملك السابق، “خوان كارلوس” وعقيلته الملكة “صوفيا” المدينتين المحتلتين.

وكانت هاته الزيارة لـ”سبتة”، لافتة للانتباه بشكل خاص. لأنها جاءت بعد أكثر من ثلاثة عقود على اعتلائه العرش. في رسالة تحمل تعبيرا رسميا إسبانيا عن استمرار احتلال المدينتين.

في هذا الشأن، فقد أثارت تلك الزيارة اعتراضا مغربيا، بالنظر للموقف الرسمي للمملكة، من وضع المدينتين. قبل أن تتطور العلاقات المغربية الإسبانية، لاحقا، عبر محطات سياسية وأمنية واقتصادية متعددة.

زيارة “سبتة” المحتلة وحساسية التوقيت

يأتي الكشف عن الترتيبات الخاصة بالزيارة المرتقبة، قبل الاحتفال بما يسمى “اليوم الرسمي لمدينة سبتة”، في 2 شتنبر. وفي وقت تستعد فيه قوى سياسية إسبانية، ضمنها “الحزب الشعبي”، لتنظيم أنشطة وتجمعات ذات صلة بالتطورات الأخيرة.

كما أن من شأن تزامن هاته التطورات، أن يمنح أي زيارة ملكية محتملة بعدا سياسيا إضافيا، داخل “إسبانيا”. خاصة وأن “سبتة ومليلية” تحضران في الخطاب السياسي الإسباني، في الغالب، باعتبارهما نقطتين استراتيجيتين في منظومة الأمن الحدودي.

مع ذلك، تحديد موعد الزيارة وبرنامجها رهينا بالإعلان الرسمي عنها. خاصة وأن “سانشيز” لم يقدم، حتى الآن، تاريخا محددا لها. بل اكتفى فقط بالتأكيد على أن الأمر سيتم عندما تكون الظروف مناسبة.

الزيارة بين رسالة الداخل وحسابات العلاقات المغربية الإسبانية

يمكن أن نقف، اتصالا بزيارة “فيليبي السادس” للمدينتين المحتلتين من خلال أكثر قراءة.

فعلى مستوى الداخل الإسباني، قد تشكل الزيارة رسالة دعم للمؤسسات والسلطات المحلية في المدينتين المحتلتين. كما قد يتم استخدامها لإبراز حضور “إسبانية” داخلهما.

أما على المستوى الخارجي، فإن توقيتها سيجعلها مرتبطة بشكل مباشر بالعلاقات المغربية الإسبانية. خاصة وأن “الرباط” و”مدريد” قطعتا، خلال السنوات الماضية، أشواطا هامة في مجالات التعاون الاقتصادي والأمني والهجرة.

في الجهة المقابلة، لا يعني الحديث عن زيارة ملكية مرتقبة بالضرورة حدوث تغيير في الموقف الإسباني من القضايا السيادية العالقة مع “المغرب”. كما لا يمكن اعتبارها، في غياب تصريحات رسمية إضافية، مؤشرا على حصول تحول في السياسة الخارجية الإسبانية.

خطوة رمزية في انتظار التحقق 

فيما كشف “سانشيز” عن وجود ترتيبات ومشاورات بشأن الزيارة. يبقى موعدها وبرنامجها غير معلنين رسميا، حتى الآن.

لكن، فإن مجرد الإعلان عن إمكانية قيام الملك “فيليبي السادس” بزيارة إلى “سبتة” و”مليلية” المحتلتين، معناه إعادة الملف إلى واجهة النقاش السياسي في “إسبانيا” و”المغرب”. بالنظر لرمزية المدينتين وحساسية وضعهما الجغرافي والسياسي.

تبعا لذلك، وفي انتظار اتضاح التفاصيل، تبدو الزيارة المرتقبة، في حال تأكيدها وتنفيذها، واحدة من أكثر المحطات الرمزية أهمية في عهد “فيليبي السادس”. ليس لكوها أول زياره له للمدينتين المحتلتين منذ اعتلائه العرش. بل لأنها ستتم في سياق إقليمي وسياسي شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات السيادة والأمن والهجرة مع المصالح الاستراتيجية للعلاقات المغربية الإسبانية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.