محمد حميمداني
تواصل أسعار اللحوم الحمراء، لا سيما لحم الأغنام، الضغط على القدرة الشرائية للأسر المغربية. بعدما بلغ سعر الكيلوغرام الواحد لنحو 180 درهما في بعض نقاط البيع بالتقسيط، مقابل حوالي 130 درهما في سوق الجملة، وفق ما أوردته معطيات مهنيين. في وقت لا تظهر فيه مؤشرات، واضحة على عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، على الأقل على المدى القريب.
مهنيون يحملون ضعف العرض وذبح الإناث مسؤولية استمرار غلاء لحم الغنمي
يضع هذا المستوى السعري المسجل، أزمة اللحوم في صلب النقاش المجتمعي، حول وضعية القطيع الوطني، خصوصا وأن المعروض من الأغنام لا يزال محدودا مقارنة بالطلب. فيما لم يؤد استئناف استيراد الأغنام من “إسبانيا”، بحسب مهنيين، إلى إحداث أي انخفاض ملموس في الأسعار.
هكذا، وفيما يرى بعض التجار، أن ضعف الاستيراد وارتفاع الأسعار في الأسواق الخارجية، يقللان من فعالية هذا الخيار. يعتبر ممثلو المستهلكين، أن أصل المشكلة يكمن في تراجع العرض الوطني وتداعيات سنوات الجفاف على الثروة الحيوانية. مبرزين أن إعادة بناء القطيع الوطني تحتاج إلى وقت أطول، وليس مجرد بضعة أشهر.
130 درهما في الجملة و180 درهما للمستهلك أين يكمن الخلل
أكد مهنيون أن سعر لحم الغنم يبلغ حاليا قرابة 130 درهما للكيلوغرام الواحد في سوق الجملة. فيما يصل إلى حوالي 180 درهما للكيلوغرام الواحد عند البيع بالتقسيط.
وأضاف ذات المصدر: أن إعادة فتح باب استيراد الأغنام من “إسبانيا” لم تعكس أثرا إيجابيا على الأسعار المحلية. مرجعين الأمر لاستمرار ضعف وتيرة الاستيراد وارتفاع أسعار الأغنام في السوق الإسبانية، والتي وصلت إلى مستويات تقارب الأسعار في “المغرب”.
معطيات تكشف أن الاستيراد، رغم كونه أحد الأدوات التي يمكن أن تستخدمها الدولة لتغطية العجز في العرض. لا يؤدي بالضرورة لانخفاض الأسعار. خاصة إن كانت تكلفة المستورد مرتفعة أصلا.
مطالب بتخفيف كلفة استيراد لحم الغنمي وتسريع إعادة بناء القطيع الوطني
في هذا السياق، طالب مهنيون باتخاذ مجموعة من الإجراءات لإيقاف نزيف الأسعار المشتعل. ضمنها إلغاء الضريبة على القيمة المضافة، المتصلة باستيراد الأغنام. ما سيمكن، من وجهة نظرهم، من تخفيض السعر بقرابة 10 دراهم للكيلوغرام.
مقترح يظل تقديرا مهنيا، وليس نتيجة رسمية صادرة عن الحكومة، أو عن دراسة علمية، منشورة تثبت مقدار الانخفاض المتوقع.
المشكلة تتجاوز القطيع لتحط رحالها في بوابة المستهلك
يبدو أن الإجراءات التي انتهجتها الحكومة لضبط أسعار اللحوم وموازنة السوق لم تحقق النتائج المرجوة والمطلوبة.
المهنيون يربطون فشل الخطوة الحكومية باستمرار ذبح إناث الأغنام. معتبرين أن ذلك يهدد قدرة القطيع على إعادة إنتاج نفسه. ما سيولد ضغطا على العرض، مستقبلا. مقترحين إعادة فرض منع ذبح إناث الأغنام وتشديد مراقبة تطبيقه. مطالبين بأن تتجاوز المعالجة، مجرد فرض غرامات إلى إجراءات زجرية أكثر صرامة في حق المخالفين.
ودعا ذات المصدر، إلى ممارسة رقابة صارمة على المجازر التي لا زالت تشهد، يوميا، ذبح أعداد كبيرة من إناث الأغنام، وفق إفادتهم.
الجفاف الفاتورة التي لم يتم دفعها بعد بالكامل
حماة المستهلك، من جهتهم، لم يستغربوا استمرار ارتفاع أسعار اللحوم. معتبرين أن الأمر ليس مفاجئا في ظل ضعف العرض. مؤكدين أن استعادة القطيع الوطني لعافيته لن تتم بسرعة. محملين الأزمة لتوالي سنوات الجفاف بآثارها السلبية على الثروة الحيوانية.
طرح ينسجم مع حقيقة اقتصادية أساسية مفادها، أن القطيع الحيواني لا يمكن تعويضه بالسرعة نفسها التي يمكن بها استيراد سلعة مصنعة. لأن إعادة بناء القطيع تتطلب الحفاظ على الإناث، وتوفير الأعلاف والمياه، وتحسين ظروف التربية. فضلا عن انتظار دورات التكاثر والنمو قبل أن يظهر أثرها في حجم العرض بالسوق.
من هنا، فإن انخفاض الأسعار بشكل مستدام لا يرتبط فقط بإجراء حكومي آني، بل بعودة التوازن بين الإنتاج الوطني والطلب.
الاستيراد وكسر حاجز الأسعار
اقتصاديا، يمكن أن يخفف الاستيراد من الضغط على السوق عندما يكون العرض المحلي غير كاف. لكن فعاليته تبقى مرتبطة بعدة عوامل. ضمنها أسعار الأسواق المصدرة، كلفة النقل، الشروط الصحية والبيطرية، الضرائب والرسوم وهوامش مختلف حلقات التسويق.
لذا، فإن فتح باب الاستيراد لا يعني تلقائيا انخفاض الأسعار. وهو ما تظهره المعطيات الحالية وبوضوح. فقرب سعر الأغنام في بلد المصدر من السعر المحلي، معناه أن المستورد لن يجد هامشا كبيرا يسمح له بطرح المنتج في “المغرب” بسعر منخفض، ما لم تتدخل الدولة لتقليص بعض من عناصر هاته الكلفة.
أمر دفع المهنيين للمطالبة بإعادة النظر في الضرائب والتكاليف المرتبطة بالاستيراد. وهو طرح منطقي للتغلب على حمى أسعار اللحوم الحمراء.
فالحكومة ليست مطالبة بالسماح بالاستيراد، كإجراء شكلي فقط، لكن، وهو الأهم والأنجع، دراسة أثر الإجراء على المستهلك وعلى المنتج المحلي والميزانية العمومية.
السوق العالمية تدخل على خط الأزمة
لا تقتصر الأزمة على العوامل الداخلية فحسب، بل تتجاوزها إلى أبعد من ذلك. لأن أسعار اللحوم تتأثر أيضا بتطورات الأسواق الدولية وكلفة الأعلاف والطاقة والنقل والتغيرات المناخية. فضلا عن السياسات البيئية الجديدة التي بدأت تؤثر في بعض سلاسل الإنتاج الحيواني والتجارة الدولية. غير أن ربط الأسعار في “المغرب” مباشرة بـ”ضريبة الكربون” يحتاج إلى قدر من الدقة.
هنا لا بد من الإشارة، إلى أن آلية تعديل الكربون على الحدود الأوروبية (CBAM) تستهدف، في مرحلتها الحالية. قطاعات محددة عالية الانبعاثات ولا يتم تطبيقها على اللحوم والأغنام باعتبارها منتجا مشمولا مباشرة بالنظام. لذا فالمطلوب تمييز التأثيرات البيئية والمناخية على قطاع تربية المواشي عن الضرائب الحدودية الأوروبية المباشرة.
من الناحية القانونية، لا يفرض القانون المغربي سعرا موحدا للحوم في الظروف العادية. حيث أن “المادة الثانية من القانون رقم 104.12، المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة. تنص على أن أسعار السلع والمنتجات والخدمات تحدد، كأصل عام، عن طريق المنافسة الحرة، مع وجود استثناءات محددة قانونا. أي أن أسعار السلع والمنتوجات والخدمات يتم تحديدها بناء على قواعد السوق وتفاعل آلية العرض والطلب. فيما يستثنى، من ذلك، الحالات التي تدخل فيها الإدارة لتحديد الأسعار أو تقنينها. من خلال نص قانوني واضح أو وفقا للتنظيم الجاري به العمل. كما في حالات المواد ذات الطابع الاستراتيجي أو الاجتماعي، التي يتم تحديد قوائم أسعارها بقرارات تنظيمية.
في شق متصل، تتيح المادة الثالثة من نفس القانون للإدارة، في قطاعات أو مناطق تكون فيها المنافسة بالأسعار محدودة، أو تواجه صعوبات دائمة في التموين. تنظيم الأسعار بعد استشارة مجلس المنافسة. على ألا تتجاوز مدة التدبير ستة أشهر، قابلة للتمديد مرة واحدة، وفق الشروط القانونية.
إطار يوضح أن الدولة تملك أدوات للتدخل عند تحقق شروطها القانونية. إلا أن هذا التدخل في الأسعار ليس قاعدة دائمة، بل مرتبط بظروف وضوابط محددة.
بين حماية المستهلك وحماية “الكساب” أية مسافة؟