«إندرايف» ومخاطر الاستدراج.. توقيف خمسيني بآيت ملول يفتح ملف سلامة الزبناء والسائقين بالمغرب
هدى لبهالة
هدى لبهالة
لم يعد التنقل عبر تطبيقات النقل الذكية مجرد خيار ثانوي بالنسبة إلى كثير من المغاربة، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى خدمة يعتمد عليها عدد متزايد من المواطنين في مدن مختلفة، بفضل ما توفره من سرعة في العثور على سيارة، ومرونة في اختيار الرحلة، وأسعار تنافسية، وراحة في التنقل على مدار اليوم.
ومن بين أكثر التطبيقات حضوراً في هذا المشهد يبرز «إندرايف»، الذي أصبح جزءاً من تفاصيل التنقل اليومي لدى عدد من المستخدمين.
لكن خلف هذه السهولة الرقمية تبرز أسئلة أكثر حساسية كلما وقعت جريمة استُعمل فيها التطبيق للوصول إلى الضحية، أو تعرض أحد السائقين لاعتداء أثناء مزاولة نشاطه.
فالمشكلة لا ترتبط بالتطبيق باعتباره أداة تقنية في حد ذاته، بقدر ما ترتبط بمدى صرامة آليات التحقق من هوية السائق والزبون، وضمان سلامة الطرفين، وتحديد المسؤوليات في نشاط لا يزال يشتغل في ظل فراغ تنظيمي واضح.
خمسيني متهم باستدراج سيدتين عبر «إندرايف»
في أحدث واقعة تعيد هذه الأسئلة إلى الواجهة، تمكنت عناصر الشرطة بالمنطقة الأمنية بآيت ملول، بتنسيق مع مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، مساء أمس الجمعة 4 شتنبر الجاري، من توقيف شخص في عقده الخامس، من ذوي السوابق القضائية، للاشتباه في تورطه في قضية تتعلق بالاحتجاز والاغتصاب والسرقة تحت التهديد باستعمال السلاح الأبيض.
حسب المعطيات الأمنية، باشرت مصالح الشرطة أبحاثها بعد شكاية تقدمت بها سيدتان يوم الأربعاء 2 شتنبر الجاري، أفادتا فيها بأن المشتبه فيه أوهمهما بممارسة نشاط نقل الركاب عبر تطبيق إلكتروني، قبل أن يستدرجهما على متن سيارة خفيفة إلى منطقة غابوية بضواحي بآيت ملول.
وتشير المعطيات نفسها إلى أن المشتبه فيه عرض السيدتين للسرقة والاعتداء الجنسي، قبل أن تقود الأبحاث التقنية والتحريات الميدانية إلى تحديد هويته وتوقيفه.
وقد أخضع الموقوف للبحث القضائي تحت إشراف النيابة العامة المختصة، بهدف الكشف عن جميع ظروف وملابسات وخلفيات القضية، وتحديد باقي الأفعال الإجرامية المنسوبة إليه.
عندما يتحول التطبيق من وسيلة تنقل إلى وسيلة للاستدراج
تكشف واقعة آيت ملول عن إحدى أكثر نقاط الضعف حساسية في خدمات النقل عبر التطبيقات، وهي الثقة التي يفرضها التطبيق بين طرفين لا يعرف أحدهما الآخر مسبقاً.
فالزبون يطلب سيارة بضغطة زر، والسائق يتوجه إلى نقطة محددة، فيما يفترض الطرفان أن المعلومات المتبادلة عبر المنصة كافية لتأمين الرحلة. لكن عندما تكون هوية أحد الطرفين أو نواياه الحقيقية مختلفة عما يظهر في التطبيق، يمكن أن تتحول هذه الثقة إلى مدخل للاستدراج أو الاعتداء.
ولا يعني ذلك أن كل رحلة عبر التطبيقات تحمل خطراً، أو أن التطبيق مسؤول عن الجريمة، وإنما يسلط الضوء على الحاجة إلى آليات تحقق أكثر صرامة، وتدابير واضحة للتبليغ والاستجابة للطوارئ، ومسؤوليات محددة بين المنصة والسائق والزبون.
سائقون في دائرة الاستهداف
لا تسير المخاطر المرتبطة بهذا النمط من النقل في اتجاه واحد. فالسائقون بدورهم يمكن أن يتحولوا إلى ضحايا لطلبات وهمية أو لاستدراج ينتهي بالسرقة أو الاعتداء.
في هذا السياق، تعتبر قضية الشاب ياسين، البالغ من العمر 22 سنة والمنحدر من منطقة سيدي الطيبي بإقليم القنيطرة، المثال الأكثر مأساوية نظراً لتفاصيلها.
فبحسب المعطيات كان ياسين يشتغل سائقاً عبر تطبيق «إندرايف»، قبل أن يختفي إثر استجابته لطلب رحلة. وكشفت التحقيقات لاحقاً تعرض ياسين للاستدراج من طرف عصابة إجرامية كانت تضم فتاة، بهدف سرقة سيارته من نوع “رينو كليو” سوداء اللون، لتنقطع أخباره تماماً بعد آخر اتصال له مع أسرته.
القضية انتهت بالعثور على جثة الشاب مشوهة ومحروقة بضواحي الدار البيضاء، فيما أوقفت مصالح الدرك الملكي عدداً من المشتبه فيهم، وعُثر على سيارة الضحية بمدينة سلا.
وتطورت القضية قضائياً، بعد تكمن السلطات الأمنية من توقيف وإيداع ستة متهمين السجن الاحتياطي، مقابل متابعة ثلاثة آخرين في حالة سراح، في انتظار استكمال التحقيقات وتحديد المسؤوليات الجنائية لكل طرف.
وهكذا، لا تبدو معادلة الأمان في النقل عبر التطبيقات مرتبطة بالزبون فقط؛ فالسائق أيضا يتجه بسيارته نحو المجهول لأنه لا يعرف تماماً هوية الزبون الذي يقله ولا كيف ستنتهي الرحلة.
أزمة أوسع من «إندرايف».. فراغ قانوني يثير أسئلة السلامة
تأتي هذه الوقائع في وقت لا يزال فيه النقل عبر التطبيقات الذكية يواجه إشكالاً تنظيمياً بالمغرب.
فوزارة النقل واللوجستيك أوضحت في أكتوبر 2025، أن المقتضيات القانونية والتنظيمية المعمول بها في مجال النقل الطرقي للأشخاص لا تتضمن مقتضيات تؤطر بشكل واضح خدمات النقل عبر التطبيقات الذكية، مشيرة إلى أن هذا النشاط يهم بالخصوص المجال الحضري الذي يدخل ضمن اختصاصات وزارة الداخلية.
كما عاد الموضوع إلى البرلمان خلال 2026، حيث طُرحت أسئلة بشأن تسريع تقنين خدمات النقل عبر التطبيقات، وربط نواب بين غياب إطار واضح وبين إشكالات تتعلق بالسلامة والأمن والمسؤولية القانونية وحقوق المهنيين والمستعملين.
وفي سؤال برلماني آخر، أثيرت مسألة مآل مشروع قانون ينظم النقل عبر الوسائط الرقمية، مع طرح قضايا المنافسة الشريفة والعدالة الضريبية وحماية المعطيات الشخصية لمستعملي هذه التطبيقات.
التقنين.. من مطلب مهني إلى ضرورة لحماية الطرفين