محمد حميمداني
دخلت قضية الرئيس الفنزويلي، “نيكولاس مادورو”، مرحلة قانونية أمام القضاء الأمريكي. بعدما طلب فريق دفاعه من قاض فدرالي في “نيويورك”، إسقاط التهم الجنائية الموجهة إليه. استنادا للحصانة التي يتمتع بها رؤساء الدول، بموجب قواعد القانون الدولي. مع تقديم اعتراضات على الطريقة التي تم بها اعتقاله ونقله للولايات المتحدة.
تجدر الإشارة، أن “مادورو” يواجه اتهامات أمريكية، ضمنها “التآمر المرتبط بالإرهاب، بالمخدرات، الكوكايين”. فضلا عن “حيازة أو استخدام أسلحة” مرتبطة بمؤامرات مزعومة.
في هذا السياق، تؤكد وزارة العدل الأمريكية، أن هاته الاتهامات، هي ادعاءات في لائحة اتهام. مضيفة أن المتهم يظل بريئا إلى أن تثبت إدانته أمام القضاء.
دفاع “مادورو”: لا اختصاص للقضاء الأمريكي
يركز دفاع “مادورو” على أن موكله كان رئيسا لـ”فنزويلا”، وهي دولة ذات سيادة. ما يحول من الناحية القانونية، دون إخضاعه للملاحقة الجنائية أمام المحاكم الأمريكية عن أفعال، يقول الدفاع: إنها تمت أثناء ممارسته لمهامه الرسمية.
في هذا الشأن، أوضحت مذكرة الدفاع، أن المحكمة الأمريكية لا تملتك الاختصاص لمحاكمة “مادورو”. وذلك لكونه رئيس دولة “فنزويلا” المعترف به.
وأوضحت هيئة الدفاع، أن “الولايات المتحدة” لا تستطيع، من خلال قرار سياسي منفرد. أن تسلب الحصانة، التي يمنحها القانون الدولي لرؤساء الدول، عن زعيم دولة. وفق ما أوردته صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية.
الرئيس الفنزويلي السابق يطعن في القضية من بوابة الحصانة السيادية، ومحاموه يصفون عملية اعتقاله ونقله إلى الولايات المتحدة بأنها غير قانونية
حجج، تصطدم بموقف سياسي وقانوني. اتصالا بكون “الولايات المتحدة”، لا تعترف، منذ سنوات، بـ”مادورو” رئيسا شرعيا لـ”جمهورية فنزويلا البوليفارية”. ما يجعل مسألة الاعتراف بالحكومة الأجنبية عاملا مركزيا في المعركة القضائية حول الحصانة. وفق ما نقلته وكالة “رويترز”.
طعن في شرعية عملية الاعتقال
إلى جانب تعليل عدم الاختصاص التي اعتمدها الدفاع لإسقاط المتابعة. تقدم محامو “مادورو” أيضا، بطعن متصل بالطريقة التي وصل بها الرئيس الفنزويلي إلى الأراضي الأمريكية. معتبرين أن العملية العسكرية التي نفذتها القوات الامريكية، التي أدت إلى اعتقاله، وبالتالي نقله لـ”نيويورك”، غير قانونية.
الأمر الذي يجعل القضية تدخل منطقة نزاع قانوني معقد. اتصالا بتعامل القضاء الامريكي، مع حالات مماثلة، تم فيها إلقاء القبض على متهمين خارج الأراضي الأمريكية، بطرق أثارت، حينهأ، جدلا واسعا. فيما لم يكن خرق القانون الدولي، أو طريقة إلقاء القبض، عناصر كافية لإقناع العدالة الأمريكية، وبالتالي إسقاط الاختصاص الجنائي الأمريكي.
هنا، لا بد من الرجوع لقضية الرئيس “البنمي” الأسبق، “مانويل نورييغا”. باعتبارها إحدى الشواهد، التي قد يستند إليها الادعاء في مواجهة حجج “مادورو”، المتصلة بطريقة إلقاء القبض عليه. وفق ما أوردته “روينرز”.
السند القانوني للدفع بقضية الحصانة الرئاسية
يستند دفاع “مادورو”، في مواجهة “الولايات المتحدة”، إلى قرار “المحكمة العليا الأمريكية”، الصادر عام 2024، في قضية “ترامب”.
وهو القرار الذي تناول حدود الحصانة الجنائية للرئيس السابق، بالنسبة للأفعال الرسمية التي قام بها أثناء توليه منصبه.
في هذا الشأن، فقد أقرت “المحكمة العليا”، خلال شهر يوليوز من عام 2024. أن الرؤساء السابقين، يتمتعون بحصانة جزئية من الملاحقة القضائية الجنائية عن بعض أفعالهم الرسمية. فيما لا تمتد الحماية إلى الأفعال غير الرسمية. مؤكدة على ضرورة التمييز بين طبيعة السلوك الرئاسي الرسمي والسلوك الشخصي.
وأكد القرار أن الرئيس يتمتع بحصانة تامة مطلقة، ولا يمكن ملاحقته قضائيا عن الأفعال التي تقع ضمن صميم صلاحياته الدستورية الخالصة. كما يحظى الرئيس بحصانة مبدئية أو مفترضة على الأقل، فيما يتعلق ببقية أعماله الرسمية ضمن نطاق مسؤولياته العامة. فيما تسقط الحصانة عن الأفعال والأعمال ذات الطابع الشخصي أو غير الرسمي.
بناء على هاته الوقائع، قررت المحكمة أعادت القضية للمحاكم الابتدائية، لتحديد ما إذا كانت الأفعال المنسوبة لـ”دونالد ترامب”، تكتسي طابعا رسميا أم شخصيا.
في هذا السياق، يرى محامو “مادورو” أن المنطق الذي اعتمدته المحكمة العليا، في حماية بعض الأفعال الرئاسية الرسمية، ينبغي أن تكون له صلة بقضيته. فيما تحاول النيابة الأمريكية تحويل أفعال تمت أثناء ممارسة السلطة الرئاسية، لجرائم جنائية.
أوجه المقارنة في الحالتين
في قضية “ترامب”، تم الاستناد للحصانة التي يوفرها “القانون الدستوري الأمريكي” لرئيس “الولايات المتحدة”. لكن وفيما يتصل بقضية “مادورو”، فهو رئيس دولة أجنبية يمثل أمام القضاء الأمريكي. ما يجعل مسألة “الحصانة السيادية لرؤساء الدول الأجنبية” وموقف السلطة التنفيذية الأمريكية من الاعتراف بالرئيس “مادورو”، عناصر إضافية مستقلة.
الادعاء الأمريكي: التهم الموجهة لـ”مادورو” تعود لسنوات
تستند لائحة الاتهام الأمريكية الموجهة لـ”مادورو”، لقضية تعود جذورها لعام 2020. حينما وجهت “وزارة العدل الأمريكية” اتهامات إليه، إلى جانب عدد من المسؤولين الفنزويليين السابقين والحاليين.
في هذا الشأن، فقد اتهم الادعاء “مادورو” وآخرين بما أسماه، “التآمر”، في إطار ما وصفته السلطات الأمريكية بـ”الإرهاب المرتبط بالمخدرات”. فضلا عن “مؤامرة استيراد الكوكايين إلى الولايات المتحدة”. إضافة لاتهامات أخرى مرتبطة بالأسلحة.
هنا لا بد من التوضيح، أن العقوبات المتصلة ببعض من هاته التهم الموجهة لـ”مادورو”، وفق القانون الأمريكي طبعا. توقع أحكاما قاسية. لكن ورود هذه التهم في لائحة الاتهام لا يعني ثبوتها في حق “مادورو”. ليبقى الحسم النهائي بيد المحكمة.
قضية “مادورو” اختبار للقانون الدولي
تتجاوز قضية “مادورو”، في أبعادها، شخص رئيس فنزويلا، أو التهم الجنائية الموجهة إليه. لأن قبول القضاء الأمريكي حجية الدفاع المتصلة بالحصانة، يعني إسقاط الدعوى. كما أنه سيفتح نقاشا واسعا حول حدود قدرة دولة على محاكمة رئيس أو رئيس سابق لدولة أجنبية. اعتبارا لكون تلك الأفعال تمت أثناء ممارسته لمهامه الرسمية. أما في حالة رفض المحكمة الحجية. فسيفرض سؤال جوهري نفسه في القضية، مفاده: إلى أي مدى يمكن لدولة أن تلاحق قضائيا مسؤولا أجنبيا كانت تعتبره في مرحلة معينة رئيسا غير شرعي لدولته؟.
هنا نصل لثلاث تقاطعات متصلة بالقضية، ذات صلة ب: القانون الجنائي الأمريكي، قواعد الحصانة السيادية والقانون الدولي المتعلق بعلاقات الدول والاعتراف بالحكومات.
محاكمة مفتوحة على كافة الاحتمالات
تتجه القضية، خلال الأشهر المقبلة، لمحطة حاسمة. حيث أن الجدول القضائي، الذي تم الإعلان عنه. حدد جلسة، يوم 17 نونبر من عام 2026، للاستماع للمرافعات الشفوية. في شأن طلب تقدم به “مادورو”، من أجل إسقاط القضية. فيما تم تحديد تاريخ المحاكمة، في حالة استمرارها، في فاتح يونيو من عام 2027.
ومن المرتقب، أن ترد النيابة الأمريكية على طلب الدفاع، قبيل جلسة المرافعات. الأمر الذي يعني أن المعركة المقبلة، لن تكون حول تفاصيل الاتهامات فقط. بل للإجابة عن سؤال جوهري: هل يملك القضاء الأمريكي صلاحية محاكمة “مادورو”، في ضوء وضعه السابق كرئيس لـ”فنزويلا”، والظروف التي وصل بها إلى “الولايات المتحدة”؟.
معركة قانونية بين السيادة والاختصاص
تضع قضية “مادورو” القضاء الأمريكي أمام اختبار بالغ الحساسية. حيث يتمسك الدفاع بـ”مبدأ سيادة الدول” و”الحصانة” التي تحمي رؤساء الدول من الملاحقة أمام المحاكم الأجنبية. مشددا على أن “الولايات المتحدة” لا تستطيع نزع هاته الحماية، بمجرد رفضها الاعتراف بشرعية رئيس أجنبي.
في المقابل، تتمسك النيابة العامة الأمريكية بكون القضية “جنائية”، تتضمن اتهامات خطيرة. مفيدة، وفق ادعائها، أن “الحصانة لا تمثل بالضرورة حاجزا أمام الملاحقة القضائية”.
بين هذا الموقف وذاك، سيجد القاضي “ألفين هيلرشتاين” نفسه مجبرا على الحسم، من خلال تحديد الإطار القانوني الذي يمكن أن تستمر داخله القضية. قبل مناقشة جوهر الاتهامات المقدمة.
قضية “مادورو” وسؤال الحاسم