المغرب: “الاتحاد الستوري” يدق باب الانتخابات من خلال شعار “مغرب بسرعة واحدة”
محمد حميمداني
محمد حميمداني
وضع حزب “الاتحاد الدستوري” التشغيل والقدرة الشرائية والإنتاج والاستثمار في صدارة برنامجه الانتخابي للاستحقاقات التشريعية، المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026. مقدما تصورا يقوم على أربعة التزامات كبرى تحت شعار “من أجل مغرب بسرعة واحدة، من أجل دولة صاعدة”.
وقد جرى تقديم البرنامج، يوم 7 شتنبر الحالي بمدينة “الدار البيضاء”، بحضور قيادة الحزب ومرشحيه وممثلي وسائل الإعلام، حيث عرض الحزب رؤيته للمرحلة المقبلة. رابطا بين النمو الاقتصادي وخلق فرص الشغل وتحسين مستوى العيش وتوسيع الحماية الاجتماعية.
يتمحور التصور الانتخابي المقدم حول أربعة التزامات كبرى: “اقتصاد منتج”، “فرص شغل أكثر”، “قدرة شرائية أقوى” و”دولة الإنصاف والحماية الاجتماعية”. فضلا عن “مغرب الجهات والعدالة المجالية” ثم “مغرب الثقة والإشعاع”. التي تتفرع عنها عشرة محاور تشمل الاقتصاد والاستثمار والتشغيل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والجهوية والرقمنة والذكاء الاصطناعي والموارد المائية والحكامة والثقافة والرياضة ومغاربة العالم.
“مغرب بسرعة واحدة”: من الشعار إلى برنامج متعدد المحاور
يقدم “الاتحاد الدستوري” برنامجه باعتباره انتقالا، وفق تصوره، من “منطق التدبير المتفرق إلى منطق المشروع الواضح”. ومن الإصلاحات الجزئية إلى مشروع شامل، يجمع بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي.
في هذا السياق، يقول الحزب في وثيقته الرسمية: “لا نعد بالمستحيل، ولا ننافس في توزيع الأوهام”. مقدما برنامجه باعتباره مشروعا وطنيا يصفه بـ”الواقعي والطموح”.
خلال اللقاء، قدم الأمين العام للحزب، “محمد جودار”. البرنامج في سياق انتخابي يضع قضايا الاقتصاد والتشغيل والقدرة الشرائية والحماية الاجتماعية في صدارة النقاش العمومي.
التشغيل: الرهان المركزي في الاقتصاد
في الالتزام الأول، يدعو الحزب للانتقال من اقتصاد يعتبره “متفاوت الفرص” إلى اقتصاد وطني منتج وتنافسي، يقوم على تكافؤ الفرص ويوازن بين المبادرة الخاصة ودور الدولة، باعتبارها فاعلا منظما وضامنا للمنافسة. مع توجيه الاستثمار نحو القطاعات الأكثر قدرة على خلق فرص الشغل.
كما يقترح البرنامج ربط جزء من التحفيزات الاستثمارية بإحداث مناصب عمل، وتشجيع التشغيل الذاتي والمقاولة.مع تطوير التكوين المستمر وإعادة التأهيل المهني، وتيسير ولوج الشباب إلى أول فرصة عمل. إلى جانب دعم المقاولات الناشئة والمشاريع المبتكرة.
تكتسب هاته الأولوية أهمية خاصة بالنظر لوضعية سوق الشغل. حيث أظهرت أحدث المعطيات السنوية “للمندوبية السامية للتخطيط”: أن الاقتصاد الوطني خلق 193 ألف منصب شغل خلال عام 2025. فيما بلغ حجم البطالة 1.621 مليون شخص. مع تسجيل تراجع معدلها وطنيا من 13.3% إلى 13%. إلا أن هاته النسبة ترتفع لدى الشباب بين 15 و24 عاما، من 36.7% إلى 37.2%. بينما تبلغ لدى النساء 20.5%. فضلا عن ارتفاع عدد الأشخاص في حالة نقص شغل إلى 1.19 مليون شخصا.
تبعا لذلك، لا يرتبط النقاش حول التشغيل بعدد المناصب المحدثة فقط. وإنما أيضا بقدرة النمو على إنتاج وظائف مستدامة وملائمة للمؤهلات، وهي نقطة تتقاطع مع تقييم “صندوق النقد الدولي” الذي جعل خلق فرص شغل مستدامة أولوية ملحة. مؤكدا على ضرورة ربطها بدينامية أكبر للقطاع الخاص وإصلاحات إضافية في سوق العمل.
القدرة الشرائية: الإنتاج والمنافسة في مواجهة غلاء المعيشة
يضع “الاتحاد الدستوري”، ما اسماه، “حماية القدرة الشرائية” في قلب التزامه الاقتصادي الأول. مقترحا معالجة كلفة المعيشة عبر مزيج من التحكم في التضخم، وتعزيز الإنتاج الوطني، وتقوية المنافسة، وتتبع أسعار المواد الأساسية. فضلا عن الحد من الممارسات الاحتكارية والوساطة غير المنتجة.
كما يطرح الحزب تعزيز الأمن الغذائي والطاقي، وتحسين العلاقة بين المنتج والمستهلك، وتقوية قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة تقلبات الأسواق الخارجية.
تأتي هاته المقاربة في سياق اقتصادي سجل فيه “المغرب” نسبة تضخم منخفضة خلال عام 2025. إذ قدر “صندوق النقد الدولي” متوسط التضخم بـ0.8%. متوقعا تحقيق نمو حقيقي بنسبة 4.4% خلال عام 2026. مع استمرار البطالة في كونها تحديا بارزا.
الاستثمار والإدارة: تبسيط المساطر وتوسيع دور المقاولة
يولي البرنامج أهمية لإصلاح مناخ الأعمال وتحرير الاستثمار ودعم المقاولة الوطنية. من خلال تبسيط المساطر، ورقمنة الخدمات الاقتصادية. فضلا عن تقليص آجال معالجة الملفات، وتحسين ولوج المقاولات الصغرى والمتوسطة إلى التمويل والصفقات العمومية.
في هذا الشأن، تم تقديم مجموعة من المقترحات، ضمنها اعتماد الموافقة الضمنية في بعض المساطر، وإحداث آليات جهوية لمواكبة المستثمرين. فضلا عن تعزيز الرقمنة وتتبع الملفات، وتحسين قدرة المقاولات المغربية على المنافسة والتصدير.
يرتبط هذا الجزء من البرنامج بإطار قانوني قائم، في مقدمه “القانون رقم 55.19″، المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية. الذي وضع مبادئ وقواعد لتنظيم المساطر الإدارية، بما في ذلك تحديد الآجال القصوى لمعالجة طلبات المرتفقين وتوثيق ونشر القرارات والوثائق المطلوبة.
المنافسة ومحاربة الريع: رهانات مرتبطة بالمؤسسات
يقترح “الاتحاد الدستوري” تقوية المنافسة ومحاربة، ما يصفه، بالريع والامتيازات غير المبررة والممارسات الاحتكارية. مع تعزيز شفافية الصفقات العمومية وتوسيع ولوج المقاولات الصغرى والمتوسطة إليها.
من هنا، تتحول هاته النقطة من مجرد اختيار سياسي إلى ملف يرتبط بأدوار مؤسساتية وقواعد قانونية قائمة. ضمنها منظومة المنافسة والصفقات العمومية، التي تؤطرها نصوص تشريعية وتنظيمية مستقلة.
في هذا الصدد، يضع البرنامج الرقمنة في صلب خدمة تحسين الشفافية وتتبع الصفقات. من خلال الدعوة لتعزيز آليات التبليغ والتصدي للممارسات التي يمكن أن تؤثر في المنافسة والأسعار.
الصناعة والغذاء والطاقة: تقليص التبعية وتعزيز الإنتاج
في المجال الصناعي، يدعو الحزب لتطوير صناعات ذات قيمة مضافة أعلى، وربط الصناعة بالبحث العلمي والجامعة. مع رفع مستوى الإدماج المحلي في سلاسل الإنتاج، وتطوير المناطق الصناعية.
أما في المجال الفلاحي، فيقترح توجيه جزء أكبر من الإنتاج نحو تلبية الطلب الداخلي، ودعم الفلاحين الصغار والمتوسطين. مع تطوير الصناعات الغذائية وتقليص الفاقد، وربط السياسة الفلاحية بالتدبير المستدام للماء.
في المجال الطاقي، يتضمن البرنامج مقترحات لتسريع تطوير الطاقات المتجددة، وتحسين النجاعة الطاقية وتنويع مصادر التزود وتطوير قدرات التخزين.
تتقاطع بعض من هاته الرهانات، مع تقييم “صندوق النقد الدولي” الذي أشار إلى أن الاستثمار في البنية التحتية ومشاركة القطاع الخاص، يمكن أن يدعما النمو. مع استمرار تعرض الاقتصاد المغربي لتقلبات أسعار السلع والطاقة عالميا.
القطاع غير المهيكل: إدماج تدريجي بدل الإقصاء
من الملفات التي يحضر فيها البعد الاقتصادي والاجتماعي معا، إدماج القطاع غير المهيكل.
من هنا، يقترح الحزب تبسيط المساطر، وتقديم حوافز ضريبية مرحلية ومواكبة الأنشطة القابلة للاستمرار. بالتوازي مع محاربة التهرب الضريبي وحماية المقاولات المهيكلة من المنافسة غير العادلة.
خيار يطرح إشكالية التوازن بين توسيع قاعدة الاقتصاد المهيكل، وعدم جعل الانتقال إلى القطاع المنظم عبئا إداريا أو جبائيا على الأنشطة الصغيرة.
دولة الإنصاف: من الدعم إلى جودة الخدمات
الالتزام الثاني الذي يقدمه الحزب ينتقل من الاقتصاد إلى، ما أسماه، “دولة الإنصاف والحماية الاجتماعية”. من خلال الدعوة لوضع المواطن في صلب السياسات العمومية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.
في مجال التعليم، يقترح إصلاح المنظومة التعليمية وتطوير الجامعة والبحث العلمي وربط التكوين بحاجيات سوق الشغل. مع تعزيز المهارات الرقمية واللغوية وإدماج الذكاء الاصطناعي.
أما في مجال الصحة، فيدعو إلى تحسين الولوج إلى العلاج، وتقوية البنيات الصحية والموارد البشرية والرعاية الصحية الأولية. مع تعزيز الرقمنة والسيادة الدوائية. كما يتضمن البرنامج مقترحات بشأن التطبيب الأسري، والوقاية، وتقليص ما يتحمله المواطن من مصاريف مباشرة.
كما يشمل هذا التصور دعم الأسرة والطبقة المتوسطة، وتسهيل الولوج إلى السكن، وتطوير النقل العمومي والفضاءات العمومية. إلى جانب إصلاح منظومة التقاعد، وتحسين أوضاع المتقاعدين، وإدماج الأشخاص في وضعية إعاقة، وإعادة إدماج السجناء والمفرج عنهم، وحماية الطفولة.
“مغرب الجهات”: العدالة المجالية في صلب البرنامج
أما الالتزام الثالث، فيحمل عنوان “مغرب الجهات والعدالة المجالية”. حيث يقترح الحزب من خلاله توسيع الاختصاصات التنفيذية للجهات، وتوفير موارد مالية مستقرة، وتحسين الحكامة الجهوية.
كما يدعو إلى إنشاء أقطاب اقتصادية جهوية منتجة، وربطها بمؤهلات كل جهة. ما يسمح، وفق تصور الحزب، بخلق الثروة وفرص الشغل محليا. مع إيلاء اهتمام خاص للعالم القروي والمناطق الجبلية والواحات وفك العزلة وتحسين الخدمات الأساسية.
هنا يبرز أحد الأسئلة العملية للبرنامج: كيف يمكن تحويل الجهوية المتقدمة من إطار مؤسساتي إلى آلية فعلية لتوزيع الاستثمار والفرص والخدمات؟.
الرقمنة والذكاء الاصطناعي محور جديد في البرنامج
يخصص “الاتحاد الدستوري” محورا مستقلا لـ”التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية”. معتبرا إياهم أدوات لتحديث الإدارة والخدمات العمومية، وتعزيز الأمن السيبراني وتقليص الفجوة الرقمية.
في هذا السياق، يضع الحزب الرقمنة أيضا في خدمة التعليم والصحة والاقتصاد. مع إدماج المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي في التكوين والبحث العلمي.
الماء والمناخ: اقتصاد أمام اختبار الاستدامة
يشمل البرنامج كذلك تدبير الندرة المائية، وتطوير التخزين وتحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه العادمة، وتحسين كفاءة استخدام الموارد المائية. إلى جانب دعم الاقتصاد الأخضر والأزرق والاستعداد للأزمات والكوارث.
يكتسي هذا المحور أهمية خاصة في ضوء ارتباط الماء بالفلاحة والأمن الغذائي والاستثمار والتنمية الترابية. وهي ملفات أشار “صندوق النقد الدولي” بدوره إلى أهميتها. خصوصا فيما يتصل ب”تعزيز صمود القطاع الفلاحي ومعالجة ندرة المياه”.
“مغرب الثقة”: تعزيز الحكامة وسيادة القانون
الالتزام الرابع يحمل عنوان “مغرب الثقة والإشعاع” ويتضمن، وفق الوثيقة الرسمية. ترسيخ سيادة القانون والحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز الشفافية. إلى جانب تثمين كفاءات مغاربة العالم وتقوية موقع المغرب إقليميا ودوليا.
يأتي هذا الطرح في سياق دستوري يحدد للأحزاب السياسية وظيفة تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي وتعزيز مشاركتهم في الحياة الوطنية وتدبير الشأن العام. فضلا عن المساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين والمشاركة في ممارسة السلطة على أساس التعددية والتناوب والوسائل الديمقراطية.
البرنامج داخل الإطار القانوني للانتخابات
يأتي تقديم البرنامج في إطار الاستحقاقات التشريعية التي يؤطرها “القانون التنظيمي رقم 27.11″، المتعلق بمجلس النواب. إلى جانب “القانون التنظيمي رقم 29.11″، المتعلق بالأحزاب السياسية وتعديلاته.
من البرنامج إلى الاختبار العملي