من نيسله إلى دانون.. روسيا تصعّد حربها الاقتصادية ضد أوروبا وتضع 135 شركة أجنبية تحت إدارتها المؤقتة

العدالة اليوم

العدالة اليوم 

لم تعد الحرب بين موسكو والغرب تقتصر على ساحات القتال والعقوبات الاقتصادية فقط. فروسيا توسّع تدريجياً جبهة مواجهة أخرى داخل أراضيها، عبر تشديد قبضتها على أصول الشركات الأوروبية العاملة في السوق الروسية، في إجراءات طالت أسماء عالمية مثل “نيسله” و”أوشان”و”مترو”، وسبق أن شملت “دانون” وكارلسبرغ.

وتشير هذه الخطوات إلى استخدام موسكو للأصول الأجنبية كورقة ضغط في مواجهة العقوبات والسياسات الأوروبية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا. وسط تحذيرات روسية من أن شركات أوروبية أخرى قد تواجه إجراءات مماثلة.

ونقلت وكالة رويترز عن مصدر حكومي روسي رفيع المستوى، أن موسكو تتجه إلى اتخاذ ما وصفها بـ«إجراءات غير متكافئة» رداً على العقوبات والسياسات الأوروبية تجاه روسيا. مشيراً إلى احتمال توسيع نطاق الاستهداف.

نيسله وأوشان ومترو تحت الإدارة المؤقتة

خلال سبتمبر، صعّدت السلطات الروسية إجراءاتها ضد شركات أوروبية كبرى، بعدما نقلت أصول وحدات روسية تابعة لنيسله السويسرية، وأوشان الفرنسية، ومترو إيه جي الألمانية إلى إدارة مؤقتة.

وفي حالة مترو، نُقلت الأصول إلى شركة روسية تأسست في سبتمبر الماضي ويملكها يوهانس تولاي، الرئيس التنفيذي لعمليات الشركة في روسيا.

وأكدت المجموعة الألمانية أنها فقدت السيطرة التشغيلية على وحدتها الروسية، وأنها تعمل على تقييم تداعيات القرار.

وتدير مترو 91 متجراً للبيع بالجملة في روسيا، ويعمل لديها نحو 9 آلاف موظف في البلاد.

أما نيسله وأوشان، فقد سبق أن طالت أصولهما إجراءات مماثلة خلال الشهر نفسه. وبررت موسكو خطواتها بما تصفه بأعمال «عدائية» من جانب الدول التي تصنفها ضمن قائمة «غير الصديقة».

موسكو تلوّح بتوسيع دائرة الاستهداف

يثير اتساع هذه الإجراءات قلق الشركات الأوروبية التي لا تزال تنشط في السوق الروسية، خصوصاً مع عدم استبعاد مسؤولين روس اتخاذ خطوات مماثلة بحق شركات أخرى.

وعندما سُئل مصدر حكومي روسي عن احتمال وضع الوحدات الروسية التابعة للبنك الإيطالي «يوني كريديت» والمصرف النمساوي «رايفايزن» تحت الإدارة المؤقتة، لم يؤكد استهدافهما، لكنه قال إن الشركات الأوروبية يجب أن تكون مستعدة لما قد يأتي.

وقال مسؤول تنفيذي رفيع في شركة أوروبية لا تزال تعمل في روسيا إن الشركات تتوقع استمرار الوضع الحالي على المدى القريب، بالتزامن مع تراجع عدد الشركات الأجنبية الموجودة في السوق الروسية.

الكرملين يربط الإجراءات بالحرب في أوكرانيا

من جانبه، ربط المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف الإجراءات الجديدة بما وصفه بارتفاع مستوى انخراط الدول الأوروبية «غير الصديقة» في الأعمال القتالية ضد روسيا.

وقال بيسكوف إن هذه الإجراءات يمكن التراجع عنها، لكنه أضاف أن موسكو لا ترى في الوقت الحالي أسباباً للقيام بذلك، مشيراً إلى أنها لا تسمع «أصواتاً معقولة» تدعو إلى الحوار أو تغيير الوضع القائم.

ولم يقدم بيسكوف تفاصيل أو أدلة على طبيعة المشاركة العسكرية الأوروبية التي تحدث عنها.

 وتعتبر موسكو أن الدعم العسكري والاستخباراتي الأوروبي لأوكرانيا يجعل الدول الأوروبية طرفاً في الحرب.

كما قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن استخدام الأسلحة الأوروبية ضد روسيا يدفع موسكو إلى اعتبار الحرب موجهة ضدها من جانب أوروبا.

135 شركة تحت الإدارة المؤقتة منذ بداية الحرب

تكشف بيانات جمعتها وكالة «تاس» الروسية أن السلطات الروسية فرضت منذ بداية الحرب إدارة مؤقتة على نحو 135 شركة مرتبطة بشركات أجنبية، غالبيتها من دول الاتحاد الأوروبي.

ومن أبرز الشركات التي سبق أن تعرضت لإجراءات مماثلة مجموعة الأغذية الفرنسية دانون وشركة صناعة الجعة الدنماركية كارلسبرغ.

وبحسب رابطة الشركات الأوروبية، تراجع عدد الشركات الأعضاء التي لا تزال لديها عمليات في روسيا إلى نحو 330 شركة، مقارنة بنحو 400 شركة قبل عام، في مؤشر على تقلص الوجود الأوروبي داخل السوق الروسية.

مصادرة الأصول تهدد الاستثمارات الأجنبية

لا تقتصر تداعيات هذه الإجراءات على الشركات التي فقدت السيطرة على أصولها، بل تمتد إلى قرارات الشركات الأجنبية التي ما زالت تدرس الاستثمار أو مواصلة أنشطتها في روسيا.

وكان أندريه كوستين، الرئيس التنفيذي لبنك «في تي بي» الروسي المملوك للدولة، قد حذر من أن مصادرة الأصول تثير مخاوف بشأن حقوق الملكية، وقد تدفع رجال الأعمال إلى إعادة توجيه استثماراتهم بعيداً عن أنشطتهم الأساسية خشية تعرضها للمصادرة.

وقال كوستين إن السلطات الروسية صادرت منذ عام 2022 أصولاً تقدر قيمتها بنحو 7.6 تريليون روبل، أي حوالي 89.5 مليار دولار، لأسباب تشمل الأمن القومي ومكافحة الفساد.

الشركات الأميركية خارج دائرة التصعيد الأوروبي

في الوقت الذي اتسعت فيه الإجراءات الروسية ضد الشركات الأوروبية، لم تستهدف موسكو حتى الآن شركة أميركية كبرى بإجراء مماثل.

وتشير تقديرات غرفة التجارة الأميركية في روسيا، إلى أن نحو 300 شركة أميركية لا تزال تعمل في البلاد هذا العام، بالتزامن مع اتصالات روسية أميركية بشأن فرص تجارية محتملة، خصوصاً في قطاعات الاقتصاد والطاقة، في مرحلة ما بعد الحرب.

ومع ذلك، طالت الإجراءات الروسية بعض الشركات الأميركية الأصغر، من بينها صندوق الاستثمار الخاص NCH Capital الذي يمتلك أصولاً مرتبطة بالقطاع الزراعي في روسيا.

ويضع ذلك التصعيد ضد الشركات الأوروبية في سياق أوسع من المواجهة الاقتصادية بين موسكو والاتحاد الأوروبي، حيث تتبادل الجانبان العقوبات والإجراءات المضادة، بينما تحولت أصول الشركات الأجنبية إلى إحدى أبرز ساحات الضغط المتبادل منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.