أزمة السكن في إسبانيا تُسقط آخر أوراق المناورة وتدفع سانشيز إلى حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة
العدالة اليوم
العدالة اليوم
هزّت أزمة السكن أركان الحكومة الإسبانية، ودفعت رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، إلى اتخاذ قرار سياسي حاسم بإنهاء الولاية البرلمانية قبل موعدها، في خطوة تفتح الباب أمام انتخابات مبكرة قد تعيد رسم موازين القوى في البلاد.
وأعلن سانشيز، اليوم الاثنين، حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة في 29 نوفمبر المقبل، وذلك عقب رفض مجلس النواب مرسومين حكوميين يهدفان إلى مواجهة أزمة السكن المتفاقمة، في ضربة سياسية كشفت محدودية قدرة حكومته على تمرير إصلاحاتها.
وتضمنت الإجراءات الحكومية المقترحة، تمديد الحماية من بعض عمليات الإخلاء حتى عام 2030، إلى جانب تنظيم الإيجارات المؤقتة وتأجير الغرف، في محاولة للحد من الضغوط المتزايدة على سوق السكن.
غير أن المرسومين سقطا بعد تصويت أحزاب “الشعب” و”فوكس” اليميني، إلى جانب حزب “معا من أجل كتالونيا” (جونتس)، ضد الإجراءات الحكومية، ما حرم سانشيز من الأصوات اللازمة لتمريرها داخل البرلمان.
وأصبح ملف السكن خلال الأشهر الأخيرة أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى الإسبان، في ظل ارتفاع الإيجارات وأسعار المنازل مقابل محدودية العرض، ما فجّر موجة احتجاجات في عدد من المدن.
في هذا السياق، شهدت نحو 50 مدينة إسبانية احتجاجات واسعة للمطالبة بإيجاد حلول عاجلة لأزمة السكن، فيما شارك نحو 70 ألف شخص في مظاهرة بالعاصمة مدريد وحدها.
وأعلن اتحاد المستأجرين عزمه الدعوة إلى إضراب عام للمطالبة بخفض تكاليف السكن، في وقت تضاعفت الإيجارات تقريباً خلال العقد الأخير، وبلغ متوسط الإيجار نحو 1,176 يورو شهرياً، ما يعكس حجم الضغوط التي باتت تواجه الأسر والمستأجرين في مختلف أنحاء البلاد.
كما تصاعد الغضب الشعبي بشكل خاص عقب طرد امرأة تبلغ من العمر 87 عاماً من منزلها المستأجر في مدريد، بعد نحو سبعة عقود من الإقامة فيه، في واقعة تحولت إلى رمز للأزمة التي يواجهها المستأجرون في إسبانيا.
حكومة بأغلبية شديدة الهشاشة
لم تقتصر الضغوط التي واجهتها حكومة سانشيز على أزمة السكن والمأزق البرلماني فقط، إذ شكلت أزمة الهجرة في سبتة المحتلة ملفاً إضافياً أثقل كاهل الحكومة خلال الأشهر الأخيرة، بعد التدفق الكبير للمهاجرين نحو المدينة، وما خلفه من ضغط على مرافق الاستقبال والخدمات المحلية وتوتر سياسي مع المعارضة اليمينية.
وتحولت الأزمة إلى ملف سياسي حساس بالنسبة إلى سانشيز، خصوصاً مع استمرار الجدل بشأن القاصرين غير المصحوبين وسياسة توزيعهم على باقي المناطق الإسبانية، في وقت بقيت فيه تداعيات موجة الوصول الجماعي حاضرة في النقاش السياسي والوطني.
ورغم تمكن سانشيز منذ توليه رئاسة الحكومة عام 2018 من بناء تحالفات أبقته في السلطة، فإن الخلافات بين حلفائه اتسعت خلال ولايته الثالثة، ما جعل تمرير القوانين والقرارات الحكومية أكثر صعوبة.
وتجلى ضعف الحكومة أيضاً في عدم تمكنها من إقرار موازنة جديدة منذ عام 2023، رغم الأداء القوي نسبياً للاقتصاد الإسباني.
وجاء فقدان دعم حزب “معا من أجل كتالونيا” الذي كان أحد الأطراف التي ساهمت في تأمين الأصوات اللازمة لبقاء سانشيز في السلطة عقب انتخابات يوليوز 2023، ليزيد من تعقيد المشهد، بعدما أصبح من الصعب على الحكومة تأمين الأصوات اللازمة داخل البرلمان، وهو ما ظهر بوضوح في التصويت الأخير على مرسومي الإسكان.
وبعد الهزيمة البرلمانية، أمضى سانشيز عطلة نهاية الأسبوع في دراسة الخيارات المتاحة أمام حكومته، قبل أن يحسم قراره بالعودة إلى الناخبين والدعوة إلى انتخابات مبكرة.
سانشيز يطلب تفويضاً جديداً
برر رئيس الوزراء الإسباني قراره بالحاجة إلى أغلبية برلمانية أقوى تسمح لحكومته بتمرير الإصلاحات التي تعثرت بسبب الانقسامات السياسية.
وقال سانشيز، في خطاب ألقاه من قصر مونكلوا، إن تنفيذ “الإصلاحات العميقة العالقة” يتطلب الحصول على “غالبية تقدمية أكبر بكثير”، بما يسمح للحكومة بمواصلة سياساتها وتحقيق مكتسبات اجتماعية جديدة.
وفي الوقت نفسه، أقر رئيس الحكومة بوجود حالة من عدم الرضا داخل جزء من القاعدة الاجتماعية التي دعمت حكومته، مع اعترافه بارتكاب أخطاء وعدم الوفاء ببعض الوعود الانتخابية.
ويبدو أن سانشيز يسعى من خلال الانتخابات المبكرة إلى نقل المواجهة من برلمان باتت فيه قدرة حكومته على المناورة محدودة، إلى صناديق الاقتراع، أملاً في الحصول على أغلبية أكثر استقراراً تمكنه من مواصلة الحكم وتنفيذ برنامجه.
كما وضع رئيس الوزراء الانتخابات المرتقبة في إطار مواجهة سياسية أوسع، داعياً الإسبان إلى الاختيار بين استمرار السياسات التي ينتهجها أو انتقال السلطة إلى اليمين واليمين المتشدد.
انتخابات محفوفة بالمخاطر
يحمل قرار العودة إلى صناديق الاقتراع مخاطر كبيرة بالنسبة إلى سانشيز، في ظل تقدم حزب الشعب في استطلاعات الرأي وتراجع الحزب الاشتراكي الذي يقوده رئيس الوزراء.
وتشير نتائج الاستطلاعات إلى إمكانية حصول حزب الشعب على عدد من المقاعد يسمح له بتشكيل ائتلاف مع حزب فوكس، في سيناريو قد يفتح الباب أمام دخول اليمين المتشدد إلى الحكومة المركزية للمرة الأولى منذ عودة الديمقراطية إلى إسبانيا عقب وفاة الجنرال فرانسيسكو فرانكو.
ورغم ذلك، يمتلك سانشيز خبرة طويلة في تجاوز الأزمات السياسية والانتخابية، إذ تمكن في مناسبات سابقة من البقاء في السلطة رغم افتقاره إلى أغلبية مطلقة، مستفيداً من تحالفات مع أحزاب متعددة.
وهكذا، تدخل إسبانيا مرحلة انتخابية جديدة وسط تزامن أزمات سياسية واجتماعية، في مقدمتها أزمة السكن، التي تحولت إلى شرارة فجّرت احتجاجات واسعة، بالتزامن مع اتساع الخلافات داخل البرلمان وتراجع قدرة حكومة سانشيز على تمرير قراراتها.