فرنسا تحت النار: احتجاجات تهز عدة مدن ومواجهات دامية تعيد شبح “السترات الصفراء”
محمد حميمداني
محمد حميمداني
أظهرت المعطيات المنشورة، المرتبطة باحتجاجات اليوم السبت 17 أكتوبر 2026 في “فرنسا”. مفارقة واضحة، بين اتساع التعبئة الاجتماعية، التي رفعت مطالب مرتبطة بالقدرة الشرائية والتعليم والخدمات العمومية. وبين أعمال العنف والتخريب التي رافقت بعض التجمعات.
هكذا، ووفق حصيلة أولية، نقلتها وسائل إعلام فرنسية، عن وزارة الداخلية. فقد بلغ عدد الموقوفين لحدود الساعة 272 شخصا. فيما أعلنت “الكونفدرالية العامة للشغل” مشاركة أكثر من 500 ألف شخص في هاته الاحتجاجات. إلا أن هاته التقديرات النقابية لا تتوافق مع التقديرات الرسمية.
هكذا، فقد شهدت “فرنسا”، اليوم السبت، تفجر احتجاجات واسعة ضد غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية ونقص الموارد المخصصة للخدمات العمومية. تحولت في عدد من المدن لمواجهات عنيفة مع قوات الأمن. تخللتها أعمال تخريب ونهب وحرائق طالت ممتلكات خاصة ومرافق عامة.
في سياق متصل، أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية، عن توقيف 272 شخصا، في حصيلة أولية. فيما أكدت “الكونفدرالية العامة للشغل” الفرنسية، مشاركة أكثر من 500 ألف متظاهر في مختلف أنحاء البلاد.
وقد امتدت هاته التعبئة إلى “باريس” و”مرسيليا” و”ليون” و”ليل” و”تولوز” و”بوردو”، ومدن أخرى. كما عرفت مشاركة تلاميذ وطلبة ونقابيين وأنصار حركة “السترات الصفراء”. فضلا عن ناشطين من تيارات بيئية وسياسية مختلفة.
وبالرجوع لهاته المسيرات، فبينما مرت العديد منها في أجواء سلمية. شهدت أخرى صدامات مع الشرطة التي استخدمت الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه. فيما عرفت بعض من هاته التظاهرات إحراقا للسيارات وتخريبا لمحلات تجارية ومبان عمومية.
مارسيليا وشعارات الثورة الفرنسية
تصدرت مدينة “مرسيليا” مشهد هاته الاحتجاجات، حيث تم رفع شعارات استحضرت الثورة الفرنسية. ضمنها “إنها الثورة.. نقتحم الباستيل”.
يأتي ذلك تزامنا مع اقتحام محتجين مقر البلدية وإلحاق أضرار به. فيما شهدت مدينة “ليل” أحداثا مماثلة. حيث تم الإبلاغ عن حريق طال مكتب السياحة في “ليون”. بينما تركزت التوثرات في العاصمة “باريس” في محيط ساحة الجمهورية وشوارع مجاورة. تزامنا مع انتشار أمني مكثف ومنع مسيرة غير مرخصة من التقدم نحو محيط “قصر الإليزيه”، وفق المعطيات الميدانية الواردة.
تأتي هاته التطورات في سياق اجتماعي وسياسي حساس متسم بتصاعد المطالب ذات الصلة بتكاليف الحياة وتمويل التعليم والخدمات العمومية.
أحداث تتصاعد وتتواثر اتصالا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية، المرتقب إجراؤها عام 2027. ما يعيد إلى الواجهة أسئلة العلاقة بين الاحتجاج الاجتماعي والتدبير الأمني وحدود حرية التظاهر.
مرسيليا وليل تفجر احتجاجات طالت مقرات عمومية مع أعمال تخريب
في “مرسيليا”، تمكنت مجموعات من المحتجين من دخول بهو مقر البلدية بعدما حطمت الباب الرئيسي. قبل أن تتدخل قوات الأمن لإخلاء المبنى. فيما تحدثت تقارير إعلامية عن نهب عشرات المحلات التجارية في وسط المدينة. في وقت طالب فيه رئيس البلدية، “بينوا بايان”، بتقديم توضيحات في شأن الإجراءات الأمنية التي سمحت بوصول محتجين إلى المقر وإلحاق أضرار بمرافقه.
خلال هاته الاحتجاجات، ردد بعض المشاركين شعارات تستحضر اقتحام “سجن الباستيل” في “باريس”، يوم 14 يوليوز من عام 1789. وهو الحدث الذي أصبح رمزا تاريخيا لانطلاق الثورة الفرنسية. غير أن استدعاء هذا الرمز التاريخي في الاحتجاجات الحالية لا يعني تطابق السياقات. فالمظاهرات الراهنة ترتبط بمطالب اجتماعية واقتصادية. فضلا عن الاعتراض على السياسات العمومية. فيما تظل أعمال التخريب والاقتحام أفعالا منفصلة تخضع للتقييم القانوني بحسب ظروف كل واقعة.
في مدينة “ليل”، أفادت تقارير إعلامية، بقيام محتجين بتهشيم أبواب زجاجية في مقر البلدية ودخول البعض منهم إلى بهوها. قبل مغادرتهم وتدخل قوات الأمن لتأمين المكان. فيما عرف وسط المدينة حدوث مواجهات. في مشهد يعكس اتساع رقعة الاضطرابات لتطال مرافق إدارية ورمزية محلية.
باريس حاويات مشتعلة ومسيرة ممنوعة قرب الإليزيه
عرفت العاصمة الفرنسية “باريس” توترات في محيط “ساحة الجمهورية”، حيث أضرم محتجون النيران في حاويات النفايات والأكشاك. مع تسجيل تصاعد أعمدة الدخان وسط انتشار مكثف للشرطة.
لمواجهة هاته الاحداث استخدمت الشرطة الفرنسية الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه بغاية تفريق مجموعات من المحتجين.
في سياق متصل، تحدثت تقارير ميدانية عن إحراق سيارة وتخريب محلات تجارية في “شارع سيباستوبول”. بينها متاجر تابعة لسلسلتي “مونوبري” و”ماكدونالدز”. في المقابل، واصلت مسيرة رئيسية سلكت مسارا مصرحا به تقدمها نحو ساحة “كليشي” في أجواء أكثر هدوءا.
وكانت الشرطة الفرنسية قد منعت مسيرة غير مرخصة من الوصول إلى محيط “قصر الإليزيه”. في ظل إجراءات أمنية مشددة حول المواقع الحساسة بالعاصمة.
يأتي هذا الإجراء في سياق التدابير التي تتخذها السلطات الفرنسية لتنظيم التجمعات في الفضاء العام. مع استمرار الجدل في شأن التوازن بين حماية النظام العام وضمان ممارسة حرية التظاهر.
حدوث إصابة خطيرة في “سانت إتيان”
من أخطر الوقائع المسجلة خلال احتجاجات السبت، إصابة متظاهر بجروح بالغة في يده بمدينة “سانت إتيان”، إثر انفجار قنبلة أطلقتها قوات الأمن، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية، عن مصدر قريب من الملف.
في هذا الشأن، أفادت تقارير أولية، بأن المصاب ربما التقط المقذوف قبل انفجاره. فيما أكدت سلطات منطقة “اللوار” إصابة شاب بالغ بجروح خطيرة من دون تقديم تفاصيل نهائية بشأن ظروف الحادث. وقد تم نقل المصاب إلى المستشفى الجامعي بالمدينة.
بدورها عاشت مدينة “ليون” على وقع مواجهات دارت في محيط ساحة “بيلكور”، حيث تم الإبلاغ عن اندلاع حريق بمكتب السياحة، بعدما تعرضت واجهته لهجوم. ما اقتضى تدخل قوات الأمن. كما سجلت مدن أخرى، من بينها “تولوز” و”بوردو”، حدوث مواجهات وأعمال تخريب متفرقة.
وقد تفاوتت تقديرات حجم المشاركة بحسب المدن والجهات التي أصدرتها. حيث أعلنت “الكونفدرالية العامة للشغل” أن عدد المشاركين في التعبئة الوطنية تجاوز 500 ألف. فيما حملت تقارير محلية تقديرات متفاوتة للحشود في “تولوز” و”ليون” و”بوردو”.
غلاء المعيشة والتعليم تفجر احتجاجات التلاميذ لتصل للتعبئة الوطنية
تعود جذور التعبئة الحالية، وفق التقارير المنشورة، إلى احتجاجات طلابية وتلاميذية بدأت خلال الأسابيع الماضية.
الأحداث اللاحقة رفعت المطالب المتصلة بظروف الدراسة والموارد المتاحة للمؤسسات التعليمية. لتتسع دائرة المشاركة لاحقا، لتشمل مطالب اجتماعية أوسع. في مقدمتها الاحتجاج على ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار المحروقات والمواد الأساسية والسكن. فضلا عن الاعتراض على تراجع جودة بعض الخدمات العمومية.
كما ساهمت الدعوات المتداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي في توسيع التعبئة، مع انضمام نقابات عمالية ومجموعات من حركة “السترات الصفراء”، التي برزت بقوة في احتجاجات 2018 و2019. إلى جانب ناشطين طلابيين وبيئيين ومناهضين لليمين المتطرف.
في هذا السياق، اعتبرت الأمينة العامة للكونفدرالية العامة للشغل، “صوفي بينيه”، أن المطالب المتعلقة بغلاء المعيشة تتقاطع مع مطالب الشباب. في موقف يعكس مسعى النقابات لربط الاحتجاجات الاجتماعية المتفرقة بتعبئة أوسع.
في المقابل، انتقدت أصوات سياسية أعمال العنف والتخريب. محذرة من أن هاته الأحداث قد تطغى على المطالب الاجتماعية التي دفعت أعدادا من المواطنين إلى المشاركة في المسيرات.
على المستوى السياسي، اتخذت ردود الفعل منحى متباينا. فقد اتهمت “مارين لوبان”، القيادية في حزب “التجمع الوطني”. أطرافا من اليسار المتطرف باستغلال المطالب الاجتماعية وتأجيج المواجهات. فيما انتقد “جان لوك ميلونشون”، زعيم “فرنسا الأبية”، التركيز على مشاهد العنف وحدها. مبرزا أن هاته الاحتجاجات ضمت أيضا مشاركين في مسيرات سلمية.
تعكس هاته المواقف خلافا سياسيا في شأن تفسير أسباب التعبئة وحدود المسؤولية عن التصعيد. من دون أن يحسم تبادل الاتهامات وحده طبيعة دور أي طرف في أحداث العنف. ما يتطلب الاستناد لوقائع موثقة وتحقيقات مستقلة.
تجدر الإشارة، أن القانون الفرنسي يكفل ممارسة حرية التجمع والتظاهر، لكنه يخضع تنظيم المسيرات في الطرق العامة لقواعد وإجراءات محددة. حيث ينص الفصل الأول من “المادة L211-1” من قانون الأمن الداخلي الفرنسي، على خضوع المسيرات والمواكب والتجمعات العامة في الطريق العام لواجب التصريح المسبق. مع استثناءات محددة ينص عليها القانون.
بناء على ذلك، فإن تنظيم مسيرة دون استيفاء الإجراءات القانونية قد يترتب عليه تدخل السلطات وفق القواعد المعمول بها. لكن عدم التصريح لا يلغي ضرورة تقييم كل إجراء أمني بحسب ظروفه ومدى تناسبه مع المخاطر القائمة. كما أن وجود أعمال عنف في جزء من التجمع لا يعني تلقائيا أن جميع المشاركين مسؤولون عنها.
فيما يتعلق باستخدام القوة، تظل ضرورة التدخل وتناسب الوسائل المستعملة مع مستوى الخطر من القضايا الأساسية في تقييم عمليات حفظ النظام، خصوصا عند تسجيل إصابات خطيرة. من هنا تبرز أهمية التحقيق في ظروف استخدام المقذوفات الأمنية، وتحديد المسؤوليات عند ثبوت أي مخالفة. بالتوازي مع مساءلة من يثبت تورطهم في الاعتداء على الأشخاص أو الممتلكات.
فرنسا أمام اختبار اجتماعي وأمني قبيل انتخابات 2027
تضع احتجاجات 17 أكتوبر السلطات الفرنسية أمام تحد مزدوج. من جهة التعامل مع مطالب اجتماعية مرتبطة بالقدرة الشرائية والتعليم والخدمات العامة. ومنع تحول التجمعات إلى مواجهات تعرض المتظاهرين والمارة وعناصر الأمن للخطر أو تلحق أضرارا بالممتلكات، من جهة ثانية.
هكذا، ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية لعام 2027، قد تتحول طريقة تدبير هاته الاحتجاجات إلى موضوع مركزي في النقاش السياسي. خصوصا في الشق المتصل بالسياسات الاجتماعية، وتمويل الخدمات العمومية، وفعالية الحوار مع النقابات والشباب، وحدود تدخل الشرطة خلال المظاهرات.
لكن حصيلة السبت لا تختزل في مشاهد النيران والاقتحامات وحدها، كما لا يمكن اعتبار كل ما وقع تعبيرا سلميا عن المطالب الاجتماعية. فالتغطية الدقيقة تقتضي التمييز بين المسيرات التي جرت بهدوء، وأعمال العنف المنسوبة إلى مجموعات محددة. فضلا عن الإجراءات الأمنية التي تحتاج بدورها للتقييم على أساس القانون والوقائع المثبتة.
في انتظار اتضاح الحصيلة النهائية للتحقيقات والأضرار والموقوفين، تظل الأسئلة الأساسية مرتبطة بقدرة المؤسسات الفرنسية على معالجة أسباب الاحتقان الاجتماعي. فضلا عن ضمان الحق في الاحتجاج، ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات. مع إخضاع أي تجاوز محتمل في استخدام القوة للمساءلة القانونية.
توقيف 1200 شخص على هامش احتجاجات فرنسا