هل يطفئ فرض حظر جزئي للتجول بالعاصمة الفرنسية “باريس” لهيب حرائق الاحتجاجات

محمد حميمداني

محمد حميمداني

 

دخلت “فرنسا” مرحلة جديدة من التدابير الأمنية، بغاية احتواء تداعيات أعمال العنف والتخريب التي شهدتها البلاد، نهاية الأسبوع الماضي. بعدما أعلنت مديرية شرطة “باريس” فرض حظر تجول جزئي في مناطق محددة من العاصمة الفرنسية. مع منع التظاهرات في قطاعات من العاصمة. 

تأتي هاته الإجراءات في إطار مسعى السلطات الفرنسية لاستعادة النظام العام والحد من أشغال الشغب وما رافقها من أحداث طالت ممتلكات عامة وخاصة.

وهكذا، فقد أعلنت شرطة “باريس”، اليوم الإثنين، فرض حظر تجول جزئي مع منع التظاهرات في عدد من أحياء العاصمة الفرنسية “باريس”.

في هذا الإطار، أعلنت مديرية شرطة “باريس”، اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026. أن حظر التجول سيبدأ من الساعة الحادية عشرة ليلا وسيستمر إلى غاية السادسة من صباح يوم غد الثلاثاء. 

وقد استهدف هذا الإجراء مناطق شهدت اضطرابات خلال الاحتجاجات الأخيرة. لا سيما ساحة الجمهورية وحي “لي هال” التجاري. فيما تقرر منع التجمعات والتظاهرات في قطاعات محددة ابتداء من الساعة الثامنة مساء الاثنين وحتى السادسة صباح الثلاثاء.

تأتي هاته التدابير في أعقاب ما شهدته “فرنسا” من مواجهات، السبت الماضي، وما رافقها من أعمال تخريب ونهب. والتي انطلقت في سياق مطالب اجتماعية مرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور ظروف التعليم والخدمات العمومية، قبل أن تشهد بعض المدن أعمال عنف استهدفت منشآت عامة وممتلكات خاصة.

ووفق معطيات نقلتها وكالة “أسوشيتد برس”، اليوم الاثنين، فقد تحدثت السلطات الفرنسية عن تعرض نحو ثلاثة آلاف محل تجاري للتخريب أو النهب في عدد من المدن الفرنسية. فيما تجاوز عدد الموقوفين على الصعيد الوطني 2400 شخصا، بحسب الحصيلة التي أوردتها الوكالة.

يعكس قرار السلطات الباريسية اعتماد قيود زمنية ومجالية محددة، محاولة منها لتفادي تعميم التدابير الاستثنائية على العاصمة بأكملها. مع تركيزها على المناطق التي شهدت اضطرابات أو عمليات نهب.

وكان رئيس الوزراء الفرنسي، “سيباستيان لوكورنو”، قد دعا، في وقت سابق. لفرض حظر تجول “محدود ومحلي”. معتبرا أن هاته الصيغة أنسب في المرحلة الحالية من فرض حظر شامل على العاصمة “باريس”. مع عدم استبعاد إمكانية إعلان حالة الطوارئ إذا استدعت التطورات ذلك. مؤكدا أن الأولوية تتمثل في إعادة النظام العام.

تتجاوز دلالة هاته الإجراءات الجانب الأمني المباشر لأنها تضع الحكومة الفرنسية أمام اختبار مزدوج. من جهة حماية السكان والممتلكات. فضلا عن تفادي المساس غير المتناسب بالحريات العامة من جهة أخرى. 

تأتي هاته الإجراءات، في ظل استمرار التوترات الاجتماعية والانتقادات الموجهة لطريقة تدبير الاحتجاجات.

في هذا الصدد، شددت بلدية “باريس” على ضرورة الفصل بين أعمال العنف التي تم ارتكابها على هامش الاحتجاجات، وبين المشاركين الذين خرجوا للتعبير السلمي عن مطالبهم. فيما أدان عمدة العاصمة، “إيمانويل غريغوار”، في بيان للبلدية، أعمال العنف والنهب والتخريب. مبرزا أن هاته الاحداث عرضت سلامة الأشخاص للخطر وألحقت أضرارا بالمحلات التجارية والفضاء العام. معتبرا أن هاته الممارسات تصرف الانتباه عن مطالب الشباب الاجتماعية وتسيء لممارسة الحق في التظاهر.

تجدر الإشارة، أن تنظيم التظاهرات في “فرنسا” يندرج ضمن مقتضيات قانون الأمن الداخلي، لا سيما “المادة L211-1” منه. التي تفرض التصريح المسبق بالتجمعات والمواكب والتظاهرات في الطرق العامة. و”المادة L211-4” من ذات القانون، التي تتيح للسلطات المختصة منع تظاهرة إذا رأت أنها قد تخل بالنظام العام.

غير أن هاته الصلاحيات ليست مطلقة؛ إذ يتعين أن تستند هاته القرارات إلى تقييم للمخاطر. وأن تكون التدابير المتخذة ملائمة وضرورية ومتناسبة مع الظروف، مع خضوعها لرقابة القضاء الإداري.

يطرح حظر التجول الجزئي، إلى جانب منع التظاهرات في مناطق محددة من “باريس”. سؤال التوازن بين مقتضيات الأمن وحرية التجمع والتعبير، باعتبارهما من الحريات الأساسية في النظام القانوني الفرنسي. فوجود اضطرابات أو أعمال عنف لا يعني، من الناحية القانونية، أن جميع المشاركين في الاحتجاجات مسؤولون عنها. كما أن حماية النظام العام لا تعفي السلطات من ضرورة تبرير القيود المفروضة وتحديد نطاقها الزمني والمجالي.

أزمة اتخدت أبعادا سياسية واجتماعية أوسع، لتزامنها مع تصاعد الاستياء من تكاليف المعيشة وأوضاع المدارس والخدمات العمومية. وهي المطالب التي ترافقت مع مشاهد العنف والنهب التي طالت عددا من المدن.

تطورات أثارت انتقادات من مسؤولين محليين في شأن الاستعدادات الأمنية. في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطا لتفسير كيفية تحول بعض من هاته التجمعات لمواجهات وأعمال تخريب واسعة النطاق.

وكان وزير الداخلية الفرنسي، “لوران نونيز”، قد عرض استقالته على خلفية الإخفاقات الأمنية المرتبطة بالأحداث. غير أن الرئيس “إيمانويل ماكرون” رفضها. مطالبا باتخاذ إجراءات تضمن الشفافية في شأن أوجه القصور في التخطيط وجمع المعلومات. فضلا عن تحسين أساليب التدخل الأمني. فيما تكشف هاته التطورات أن تدبير الأزمة لم يعد محصورا في الانتشار الأمني وإعادة الهدوء إلى الشوارع، بل امتد لمساءلة أداء المؤسسات المكلفة بتوقع الاضطرابات ومنع تفاقمها.

هكذا، وبينما تراهن السلطات الفرنسية على التدابير المحدودة لاستعادة الهدوء وحماية الممتلكات. تظل فعالية هاته الإجراءات مرتبطة بمدى قدرتها على منع تجدد العنف دون تحويل القيود المؤقتة إلى مساس واسع بالحريات العامة. كما أن استمرار معالجة جذور الاحتقان الاجتماعي، والاستماع إلى المطالب المرتبطة بالقدرة الشرائية والتعليم والخدمات العمومية، يظل جزءا أساسيا من أي مقاربة تسعى إلى تجاوز الأزمة.

من هنا، تجد “فرنسا” نفسها أمام معادلة دقيقة: فرض القانون ومحاسبة المسؤولين عن التخريب والاعتداءات. مع صون حق المواطنين في الاحتجاج السلمي، وضمان أن تظل التدابير الأمنية محددة وضرورية وخاضعة للمساءلة القانونية والديمقراطية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.