عتبات الروح المهشمة: قراءة شاعرة في فيلم “تروما” للمخرج “عمر إبراهيمي”

بقلم: حميد المؤذن

بقلم: حميد المؤذن

 

​في ركن هادئ من مدينة “البوغاز”، وتحت أضواء قاعة سينما “الكسار” العريقة بـ”طنجة”. وفي فعاليات الدورة الدولية الثالثة عشر لمهرجان “طنجة زووم للسينما والمجتمع”، الممتدة من 14 إلى 17 أكتوبر 2026. تجلت للعيان واحدة من أغنى تجارب السينما القصيرة وأعمقها إنسانية. إنها تحفة بصرية ونفسية تحمل عنوانا يحمل في طياته دلالات الوجع والعمق.

“تروما”، تلك الكلمة اليونانية العتيقة التي تحيلنا مباشرة على تلك الندوب الخفية التي تتركها صدمات الحياة في دواخلنا.

​الفيلم، من توقيع المخرج المتمكن “عمر إبراهيمي”، وبأداء استثنائي يفيض صدقا وإشعاعا من النجمة “جيهان كمال”. لم يكن مجرد سرد حكائي عابر، بل نافذة مشرعة على جحيم النفس البشرية، وهي تصارع وحشة الانتحار وهشاشة الوجود.

ينطلق الفيلم من مطاردة عنيفة في غابة نائية من طرف شخص مجهول، ليعود المشهد الى قلب الاستوديو، حيث تقف البطلة الممثلة أمام الكاميرات. تؤدي مشاهدها بكل احترافية، لكن، رويدا رويدا، يبدأ الغشاء الفاصل بين التمثيل والحقيقة في التلاشي. حيث تتسلل هواجسها واضطراباتها لتقتحم فضاء رأسها، فتجد نفسها -بين عشية وضحاها- في مطاردة ذاتية في الأساس، تهرب فيها الروح من شبح الماضي وقسوة التجارب المرعبة التي خلفت أثرا عميقا مستمرا على حالتها النفسية والعاطفية. والتي عطلت قدرتها على الاستيعاب والتواصل الآمن مع محيطها والآخرين.

من اللحظات البصرية المذهلة في الفيلم، ذلك المشهد الذي يطلب فيه المخرج من رسام ماهر الشروع في رسم ملصق الفيلم. لم يكن البوستر مجرد إعلان تجاري، بل كان مرآة تنعكس عليها دراما الشخصية ذاتها؛ إذ يبدأ الرسام خطوطه الأولى بألوان فاتحة مبهجة تعكس أحلام الفتاة وبراءتها، لينتهي تدريجيا بظلال باهتة داكنة تختزل وضعيتها النفسية المضطربة والمنطفئة.

وفي لحظة مشحونة بالدلالة المكثفة، يعود بنا الفيلم لنعيش مع الممثلة عمق اضطرابها، حين كان أحد المخرجين يزف إليها خبر اختيارها لأداء دور البطولة في فيلم جديد. في تلك اللحظة بالتحديد، تغوص البطلة وبصيرة المشاهد معها في مشاهد الحرب الملتهبة التي كانت تُعرض على شاشة التلفاز.

​لقد نجح المخرج بحبكة سينمائية بارعة في جعل تلك الشاشة مرآة تنعكس عليها فلسفة العمل؛ ليعكس من خلالها ألم ضحايا الحروب الذين يحملون جراحهم غير المرئية، ويعانون الأمرين في صمت دون تتبع نفسي أو دعم يمحو الآثار العميقة والندوب التي حفرتها أهوال الحرب في أرواحهم.

​يبلغ التوتر ذروته في مشهد يفيض بالشاعرية السوداء، حين تلتقي البطلة بصديقاتها على مائدة عادية. هناك، يتحول مشهد تقطيع شريحة من اللحم إلى ومضة سريعة تثير فزع الكائن الداخلي للفتاة، فتدفعها لاإراديا إلى حك معصمها بجهة الوريد. حركة متكررة وموجعة، نسجها المخرج بذكاء حاد لتكون الرمز الأبرز لوساوس الانتحار وتفكير الروح في التحرر من أوجاعها بأكثر الطرق قسوة.

“تروما” ليس مجرد فيلم عن الانتحار، بل صرخة حب واحتفاء بالإنسان، وهو يحاول إعادة تركيب شظاياه المبعثرة تحت أضواء الفن الجميل، وإيقاظ مشاعر التضامن مع كل أولئك الذين يحاربون معاركهم النفسية الصامتة بعيدا عن الأضواء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.